فهرس الكتاب

الصفحة 1407 من 11127

886 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام، وفي رواية (عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ) رضي الله عنه، وعن ابنه (رَأَى حُلَّةَ) هي الإزار والرِّداء ولا تكون حلَّة حتَّى تكون ثوبين سواء كانا من برد أو غيره.

وقال ابن التِّين لا تكون حلَّة حتَّى تكون جديدة سُمِّيت بذلك لحلِّها عن طيها. وقال أبو عبيد الحُلل برود اليمن يجمع على حَلَال أيضًا والأشهر حلل.

(سِيَرَاءَ) بكسر السين المهملة وفتح التحتانية وبالراء الممدودة. قال ابن قُرْقول هو الحرير الصَّافي فمعناه حلَّة حرير، قيل وهو الصَّحيح الذي يتعيَّن القول به في هذا الحديث؛ لأنَّها هي المحرَّمة، وأمَّا المختلط فلا يحرم إلَّا أن يكون الحرير أكثر وزنًا عند الشَّافعية، وعند الحنفيَّة العبرة باللحمة، كما عُرِف في موضعه.

وعن مالك السِّيراء وَشْي من حرير، وعن ابن الأنباري السيراء الذَّهب، وقيل هو نبتٌ ذو ألوان وخطوط ممتدَّة كأنَّها السيور ويخالطها حرير. وقال الفرَّاء هي نبت، وهي أيضًا ثياب من ثياب اليمن. وفي «الصَّحاح» برود فيها خطوط صفر. وفي «المحكم» قيل هو ثوب مسيَّر فيه خطوط يعمل من القزِّ. وفي «الجامع» قيل هي ثياب يخالطها حرير. وفي «العين» يقال سيَّرت الثَّوب والسَّهم جعلت خطوطًا.

وفي «المغيث» برود يخالطها حرير كالسيور فهو فعلاء من السَّير وهو القد. وقال القرطبي هي المخطَّطة بالحرير. ذكره الخليل والأصمعي، وقد اختلفت الرِّوايات في هذه الحلَّة، فقال أبو عمر قال أهل العلم إنَّها كانت حلَّة من حرير، وجاء من استبرق، وهو الحرير الغليظ.

وقال الدَّاودي هو رقيق الحرير، وأهل اللُّغة على خلافه، وفي رواية أخرى (( من ديباج أو خزٍّ ) )، وفي رواية (( حلَّة سندس ) )وكلَّها دالَّة على أنَّها كانت حريرًا محضًا.

قال

ج 5 ص 29

ابن قُرْقول بالإضافة ضبطناه من ابن سراج ومتقني شيوخنا، وأكثر المحدِّثين ينوِّنونه على أنَّ «سيراء» صفة أو بدل. وقال الخطَّابي «حلَّةٍ سيراء» كناقةٍ عشراء [1] يعني بالتنوين ولكن أهل العربيَّة يختارون الإضافة. قال سيبويه لم يأت فعلاء صفة.

(عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ) أي عمر رضي الله عنه (لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ) الحلَّة (فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ) يجوز أن تكون كلمة «لو» للشَّرط، ويكون جزاؤه محذوفًا تقديره لكان حسنًا، ويجوز أن يكون للتَّمني فلا يحتاج إلى الجزاء، وفي رواية للبخاري أيضًا [خ¦2612] (( فلبستَها للعيد وللوفود ) )، وفي رواية الشَّافعي (( فلبستها للجمعة والوفود ) )وهو جمع وفد، والوفد جمع وافد، وهو القادم رسولًا أو زائرًا منتجعًا أو مسترفدًا.

(قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إَنَّمَا يَلْبَسُ) بفتح الموحدة (هَذِهِ) أي حلَّة الحرير، وفي رواية (مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآَخِرَةِ) والخلاق الحظُّ والنَّصيب في الخير والصَّلاح.

وقال ابن سِيْده لا خلاق له؛ يعني لا رغبة له في الخير. وقال القاضي عياض وقيل الحرمة، وقيل الدين، وكلمة «مَن» تدلُّ على العموم وتتناول الذُّكور والإناث، لكن الحديث مخصوص بالرِّجال لقيام دلائل أخرى بإباحته للنِّساء، وأمَّا مسألة الحرمان في الآخرة فمنهم من حمله على حقيقته، وزعم أنَّ لابسه يُحَرم في الآخرة [2] مِنْ لبسه، سواء تاب عن ذلك أو لا جريًا على الظَّاهر، والأكثرون على أنَّه لا يحرم إذا تاب ومات على توبته.

(ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا) أي من جنس الحلَّة السِّيراء (حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْهَا) أي من الحلل التي جاءت (حُلَّةً) وفي رواية .

(فَقَالَ عُمَرُ) وفي رواية (يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا) أي الحلَّة (وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ) بضم المهملة وكسر الراء وفي آخره دال مهملة، هو عطارد بن حاجب بن زُرارة التَّميمي وفد على النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سنة تسع وعليه الأكثرون، وقيل سنة عشر، وهو صاحب الدِّيباج الذي أهداه للنَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وكان كسرى كساه إيَّاه فعجب منه الصَّحابة رضي الله عنهم فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لَمناديل سعد بن معاذ في الجنَّة خير من هذا ) ).

وقال الذَّهبي له وفادة مع الأقرع والزِّبرقان ذكره في كتاب «الصَّحابة» ، وكان

ج 5 ص 30

عطارد يقيم بالسُّوق الحلل؛ أي يعرضها للبيع فأضاف الحلَّة إليه بهذه الملابسة.

وقال أبو عمر قال أيُّوب عن ابن سيرين (( حلَّة عطارد أو لبيد ) )على الشَّكِّ.

(مَا قُلْتَ) من أنَّه لا يلبسها من لا خلاق له (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) له (إِنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا) بل لتنتفع بها في غير ذلك، وفيه دليل على أنَّه يقال كساه إذا أعطاه كسوة لَبِسها أو لا، وفي رواية مسلم (( أعطيتكها تبيعها وتصيب بها حاجتك ) )، وفي رواية أحمد (( أعطيتكه تبيعه فباعه بألفي درهم ) )لكن يُشكل ذلك بقوله

(فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَخًا لَهُ) أي أعطى الحلَّة أخًا كائنًا له، وقوله (( أخًا ) )مفعول ثان لقوله (( كساها ) ) (بِمَكَّةَ مُشْرِكًا) صفة بعد صفة لقوله (( أخًا ) )قيل إنَّه أخوه من أمِّه، وقيل أخوه من الرَّضاعة، وقيل أخو أخيه زيد بن الخطَّاب لأمِّه أسماء بنت وهب.

وفي النَّسائي و «صحيح أبي عَوانة» (( فكساها أخًا له من أمِّه مشركًا واسمه عثمان بن حكيم ) ). وقد اختلف في إسلامه كذا قيل، وفي رواية للبخاري [خ¦2619] (( أرسل بها عمر رضي الله عنه إلى أخٍ له من أهلِّ مكَّة قبل أن يُسلم ) )وهذا يدلُّ على إسلامه بعد ذلك، والله أعلم.

وفي الحديث دلالة على حرمة الحرير للرِّجال.

قال القرطبي اختلف النَّاس في لباس الحرير فمن مانع ومن مجوِّز على الإطلاق، والجمهور من العلماء على منعه للرِّجال، وقد صحَّ أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( شقِّقها خمرًا بين نسائك ) ).

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( حُرِّم لباس الحرير والذَّهب على ذكور أمَّتي وأحلَّ لإناثهم ) )وقال التِّرمذي هذا حديث حسنٌ صحيح.

وعن عمر رضي الله عنه أنَّه خطب بالجابية فقال نهى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الحرير إلَّا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة. وقال التِّرمذي أيضًا هذا حديث حسنٌ صحيحٌ.

وفيه جواز البيع والشِّراء على أبواب المساجد. وفيه جواز ملك ما لا يجوز لبسه له، وجواز هديَّته وتحصيل المال منه، وقد جاء (( لتصيب بها مالًا ) ). وفيه ما كان عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من السَّخاء والجود وصلة الإخوان والأصحاب بالعطاء.

وفيه صلة الأقارب الكفَّار والإحسان إليهم. وفيه جواز إهداء الحرير للرَّجال لأنَّها لا تتعيَّن للُبْسهم.

وفيه عرض المفضول على الفاضل ما يحتاج إليه في مصالحه التي لا يذكرها. وفيه استحباب لبس الثِّياب الحسنة يوم الجمعة، وبهذا يطابق الحديث التَّرجمة، وإنكاره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عمر رضي الله عنه لم يكن لأجل التجمُّل بأحسن الثِّياب يوم الجمعة، وإنَّما كان لأجل تلك الحلَّة التي أشار إليها عمر رضي الله عنه بشرائها من الحرير، وبهذا يردُّ على

ج 5 ص 31

الدَّاودي قوله ليس في الحديث دَلالة على التَّرجمة؛ لأنَّه لا يلزم أن تكون الدلالة صريحًا ولم يلتزم البخاري بذلك، وقد جرت عادته في التَّراجم بمثل ذلك وبأبعد منه في الدَّلالة عليها، فافهم.

وروى أبو داود من حديث ابن سلام قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مَهْنته ) ). وروى ابن ماجه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( ما على أحدكم إن وجد سِعَة أن يتَّخذ ثوبين للجمعة سوى ثوبي مَهْنته ) ).

وروى ابن أبي شيبة بإسناد على شرط مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ من الحقِّ على المسلم إذا كان يوم الجمعة السِّواك، وأن يلبسَ من صالح ثيابه وأن يتطيَّب بطيب إن كان ) ).

تنبيه وأفضل ألوان الثِّياب البياض لحديث (( البسوا من ثيابكم البياض، فإنَّها خير ثيابكم، وكفِّنوا فيها موتاكم ) ). رواه التِّرمذي وغيره وصحَّحوه، ثمَّ ما صُبِغ غزله قبل نسجه كالبرود لا ما صُبغ منسوجًا، بل قيل يكره لبسه ولم يلبسه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولبس البرود.

ففي البيهقي عن جابر أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان له بردٌ يلبسه في العيدين والجمعة، وهذا في غير المزعفر والمعصفر.

والسنَّة أن يزيد الإمام في حسن الهيئة والعمامة والارتداء، وأن يتركَ السَّواد إلَّا إذا خشي مفسدة تترتب على تركه من سلطان أو غيره.

هذا وقد أخرج هذا الحديث المؤلِّف في «الهبة» [خ¦2612] ، ومسلم في «اللِّباس» ، وأبو داود والنَّسائي في «الصَّلاة» .

[1] في هامش الأصل يقال ناقة عشراء إذا كمل حملها عشرة أشهر. منه.

[2] من قوله (( فمنهم من. .. إلى قوله في الآخرة ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت