فهرس الكتاب

الصفحة 7620 من 11127

5146 - (حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ) بفتح القاف، هو ابنُ عقبة، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري أو ابن عُيينة ولا قدح بهذا؛ لأنَّهما بشرط البخاري (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) هو مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَقُولُ جَاءَ رَجُلاَنِ مِنَ الْمَشْرِقِ) أي مشرق المدينة، وهو طرفُ نجدٍ، وهما الزِّبْرِقان بن بدر التَّميمي وعَمرو بن الأهتم التَّميمي، وفدا على النَّبي صلى الله عليه وسلم في وجوه قومهما وساداتهم، وكان سنة تسع من الهجرة وأسلما.

(فَخَطَبَا) فقال الزِّبْرِقان يا رسول الله، أنا سيِّد تميم والمطاع لهم والمجاب، أمنعهم من الظُّلم وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك؛ يعني عمرًا،

ج 22 ص 433

فقال عَمرو إنَّه لشديد العارِضَة مانعٌ لجانبه [1] مطاعٌ في أَدَانيه.

فقال الزِّبْرِقان والله يا رسول الله، لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم إلَّا الحسد، فقال عمرو وأنا أحسدُك؟! فوالله يا رسول الله، إنَّه لَلَئِيمُ الخال، حديث المال، أحمق الولد، مضيَّعٌ في العشيرة، والله يا رسول الله، لقد صدقتُ في الأولى، وما كذبتُ في الأخرى، ولكنِّي رجل إذا رضيتُ قلتُ أحسنَ ما عَلِمْتُ، وإذا غَضِبْتُ قلتُ أقبحَ ما وَجَدْتُ.

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا) هكذا في رواية الكُشْمِيْهني، وفي رواية غيره التي هي للتَّأكيد. والبيان على نوعين بيان تقعُ به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، وبيان بلاغة وهو الذي دخلتْه الصَّنعة بحيث يَروقُ السَّامعين ويَستميلُ به قلوبَهم، وهو الذي يُشَبَّهُ بالسِّحر إذا جلبَ القلوب وغلبَ على النُّفوس، وفي الحقيقة هو عبارة عن تصنع في الكلام وتكلُّف لتحسينه، وصرف الشَّيء عن ظاهره، وحقيقتهِ كالسِّحر الذي هو تخييل لا حقيقة.

والمذموم من هذا الفصل أن يقصدَ به الباطلَ واللَّبس فيُوهمك النكر معروفًا، وهذا مذمومٌ، وهو أيضًا يشبه بالسِّحر؛ لأنَّ السِّحرَ صرفُ الشَّيء عن حقيقته. وحكى يونس أنَّ العرب تقول ما سحرك عن وجه كذا؛ أي صرفك عنه. وأخرجه أبو داود من حديث صخرِ بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جدِّه رَفَعَه (( إنَّ من البيان سِحْرًا، وإنَّ من العلم جهلًا، وإنَّ من الشعر حكمًا، وإنَّ من القول عيالًا ) )، فقال صعصعة بن صوحان صدقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.

أمَّا قوله (( إنَّ من البيان سحرًا ) )فالرجل يكون عليه الحقِّ وهو ألحنُ بالحجَّة من صاحب الحقِّ فيسحر القومَ ببيانه، فيذهب بالحقِّ.

وأمَّا قوله (( وإنَّ من العلم جهلًا ) )فهو أن يتكلَّف العالم إلى علمهِ ما لا يعلم فيجهلُ لذلك.

وأمَّا قوله (( وإنَّ من الشِّعر حكمًا ) )فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتَّعظ بها الناس.

وأمَّا قوله (( وإنَّ من القول عيالًا ) )فعرضك

ج 22 ص 434

كلامك على من ليس من شأنه ولا يريده.

وقال ابن الأثير إنَّ من القَول عَيْلًا، ثمَّ فسَّره بذلك، ثمَّ قال يقال عِلْتُ الضَّالةَ أَعِيلُ عَيْلًا إذا لم تدر أيَّ جِهَةٍ تَبْغِيها؛ كأنَّه لم يَهْتَدِ لمن يطلُبُ كلامَه فَعَرَضَه على من لا يُريدُه.

ومطابقة الحديث للترجمة فيه إشكالٌ حتى قال ابن التِّين أدخل هذا الحديثَ في كتاب النِّكاح وليس هو موضعه.

وقال الحافظُ العسقلاني في وجه مناسبة الحديث للترجمة كأنَّه أشار إلى أنَّ الخطبة وإن كانت مشروعة في النِّكاح فينبغي أن تكون مقتصدةً ولا يكون فيها ما يقتضِي صرف الحقِّ إلى الباطلِ بتحسين الكلام.

وقال المهلَّب وجهُ إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة أنَّ الخطبة في النِّكاح إنما شُرِعَتْ للخاطب ليَسْهُلَ أَمْرُه فشبَّه حُسْنَ التَّوصُّلِ إلى الحاجة بحسنِ الكلام فيها باستنزالِ المرغوب إليه بالبيان بالسِّحر، وإنمَّا كان كذلك؛ لأنَّ النُّفوس طُبِعَتْ على الأنفة من ذكر الموليات في أمر النِّكاح، فكان حسن التَّوصل لرفع تلك الأنفة وجهًا من وجوه السحر الذي يصرفُ الشيء إلى غيره.

وقال العيني والأوجه أن يقال إنَّ خطبة الرَّجلين المذكورين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تخل عن قصد حاجةٍ ما، والخطبة عند الحاجة من الأمر القديم المعمول به لأجل استمالةِ القلوب والرَّغبة في الإجابة، فمن ذلك الخطبة عند النِّكاح لذلك المعنى.

وقد وَرَدَ في تفسير خطبة النِّكاح أحاديثُ أشهرُها ما أخرجه أصحاب «السنن» وصحَّحه أبو عَوَانة وابن حبَّان عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا (( إذا أراد أحدُكُم أن يخطبَ لحاجة من نكاحٍ أو غيره فليقل إنَّ الحمدَ لله نستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسنَا وسيئات أعمالنا، من يهدِهِ الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم

ج 22 ص 435

وعلى آله وصحبه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران 102] ، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} إلى قوله {رقيبًا} [النساء 1] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} إلى قوله {عَظِيمًا} [الأحزاب 70 - 71] )) . وهذا لفظ التِّرمذي، ولمَّا ذَكَره قال حديث حسنٌ، وترجم له بقوله باب ما جاء في خطبة النِّكاح. وقال رواهُ الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود رضي الله عنه. وقال شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة، عن أبيه قال وكلا الحديثين صحيحٌ؛ لأنَّ إسرائيل رواه عن أبي إسحاق فجمعهما، ومن ذلك استحبَّ العلماء الخطبة عند النِّكاح.

وقال التِّرمذي وقد قال بعضُ أهل العلم إنَّ النِّكاح جائزٌ بغير خطبة، وهو قول سفيان الثَّوري وغيره من أهل العلم، وأوجبها أهل الظَّاهر فرضًا. واحتجُّوا بأنَّه صلى الله عليه وسلم خطب عند تزوج فاطمة رضي الله عنها، وأفعالُه على الوجوب، واستدل الفقهاء على عدمِ وجوبها بقوله في حديث سهل رضي الله عنه (( قد زوَّجتكها بما معكَ من القرآن ) )ولم يخطب، ثم قيل إنَّ المستحبَّ في النِّكاح أربع خطب خطبة من الخاطب قبل الخِطبة، بكسر الخاء، وخطبة من المجيب قبل الإجابة، وخطبتان قبل النِّكاح إحداهما من الولي قبل الإيجاب، والأخرى من الخاطب قبل القبولِ لحديث (( كلُّ أمرٍ ذي بال ) ).

والحديث قد أخرجه البخاري في الطِّب أيضًا [خ¦5767] ، وأخرجه أبو داود في الأدب والتِّرمذي في البر.

[1] في الأصل لجنابه، وفقال في الهامش في نسخة لجانبه، قلت وهي ما أثبته بالنص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت