34 - (باب قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ} ) التَّعريض والتَّلويح إيهامُ المقصود بما لم يُوضَع له حقيقةً ولا مجازًا، كقول السَّائل جئتُك لأسلِّم عليك. والكناية هي الدَّلالة على الشَّيء بِذِكْرِ لَوَازِمه ورَوَادِفه، كقولك طويل النَّجاد وكثير الرَّماد لطويل القامة والمضياف.
( {مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} ) والخطبة بالكسر وبالضم اسم الحالة غير أنَّ المضمومة خُصَّت بالموعظة، والمكسورة بطلبِ المرأة، والمراد بالنِّساء المعتدَّات للوفاةِ وتعريضِ خطبتها أن يقول لها أنت جميلة، أو نافعة ومن غرضِي أن أتزوَّج ونحو ذلك.
( {أَو أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} ) أي أضمرتم في قلوبكُم فلم تذكروه صريحًا ولا تعريضًا ( {عَلِمَ اللَّهُ} الآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ {غَفُورٌ حَلِيمٌ} ) هكذا هو في رواية الأكثرين، وحذف ما بعد {أو أكننتم} في رواية أبي ذرٍّ. ووقع في (( شرح ابن بطَّال ) )سياق الآية والتي بعدها إلى قوله ( {أَجَلَهُ} ) الآية. وقال ابنُ التين تضمَّنت الآية أربعة أحكام اثنان مباحان التَّعريض والأكنان، واثنان ممنوعان النكاح في العدة والمواعدة فيها.
( {أَكْنَنْتُمْ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ < {أو أكننتم} > (أَضْمَرْتُمْ) من الإكنان وهو الإضمار في النفس، وأشار بقوله (وَكُلُّ شَيْءٍ صُنْتَهُ فَهْوَ مَكْنُونٌ) إلى أنَّ ثلاثي أكننتُم كَنَّ يُكِنُّ فهو مَكْنون؛ أي مستورٌ ومحفوظٌ، والتَّفسير المذكور لأبي عبيدة.
وقال ابنُ الأثير أكننتُه أَكُنُّه كَنًّا، والاسم الكَنُّ؛ يعني المصدر بالفتح والاسم
ج 22 ص 384
بالكسر، وقد نفى الله الجناحَ في التَّعريض في خطبة النِّساء وهنَّ في العدة، وذكر أولًا التَّعريض بقوله ( {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة 235] ) وسيجيءُ معنى التَّعريض والفرق بينه وبين الكناية تفصيلًا إن شاء الله تعالى.
( {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} [البقرة 235] ) يعني لا تصبرون عن النُّطق برغبتكُم فيهنَّ وفيه نوع توبيخٍ، ثمَّ قال ( {وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} [البقرة 235] ) فيه حذف تقديره فاذكروهنَّ ولكن لا تواعدوهنَّ سرًا، وهو كناية عن النِّكاح الذي هو الوطء [1] ، ثمَّ عبر بالسرِّ عن النِّكاح الذي هو العقد بقوله ( {إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا} [البقرة 235] ) وهو أن تعرِّضوا ولا تصرِّحوا، ثمَّ قال ( {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ} [البقرة 235] ) أي لا تقصدوها ( {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة 235] ) يعني ما كتب وفرض من العدة.
[1] في هامش الأصل أي لا يصف أحدكم نفسه بأنه كثير الجماع.