12 - (باب قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) في سورة الأحزاب ( {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ} ) جملة اسميَّة مقدَّمة الخبر ( {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} ) من الثَّبات مع الرَّسول والمقاتلة لإعلاء الدِّين من صدقني؛ إذا قال لك الصِّدق، فإنَّ المعاهد إذا وفى بعهده فقد صدقَ فيه، والمراد بتلك المعاهدة ما في قوله تعالى {وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ} [الأحزاب 15]
ج 13 ص 213
وكان ذلك أوَّل ما خرجوا إلى أحد، وهذا قول ابن إسحاق.
وقال مقاتل في تفسير {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ} ليلة العقبة بمكَّة إذ بايع الأنصارُ النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يُؤوُه وينصروه ويمنعوه، وقال الحافظ العسقلاني والأوَّل أولى.
( {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} ) أي مات على عهده، كحمزة ومصعب بن عمير وأنس بن النَّضر وغيرهم من المستشهدين بأحد.
قال الزمخشريُّ قضاء النَّحب عبارةٌ عن الموت، وأصل النحب النَّذر، فلمَّا كان كل حيٍّ لا بدَّ له أن يموت فكأنَّه نذر لازمٌ في رقبته، فإذا مات فقد قضى نحبه؛ أي نذره.
وذكر الواحديُّ من حديث إسماعيل بن يحيى البغدادي، عن أبي سنان، عن الضَّحَّاك، عن النَّزال بن سَبْرة، عن عليٍّ رضي الله عنه قال قالوا له حدِّثنا عن طلحة فقال ذاك امرؤ نزلت فيه آيةٌ من كتاب الله تعالى {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} طلحة ممَّن قضى نحبه لا حساب عليه فيما يستقبل.
ومن حديث عيسى بن طلحة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه طلحة فقال (( هذا ممَّن قضى نحبه ) ).
( {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ} ) أي الشَّهادة كعثمان وطلحة وغيرهما من المؤمنين الذين ينتظرون آجالهم على الوفاءِ بالعهد ( {وَمَا بَدَّلُوا} ) أي العهد ولا غيَّروه ( {تَبْدِيلًا} [الأحزاب 23] ) شيئًا من التَّبديل، روي أنَّ طلحة ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ حتَّى أصيبت يده فقال صلى الله عليه وسلم (( أوجب طلحة ) )، وفيه تعريضٌ لأهل النِّفاق ومَرَضِ القلب بالتَّبديل، وقوله تعالى {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تعليلٌ للمنطوق والمعرض به فكأنَّ المنافقين قصدوا بالتَّبديل عاقبة السُّوء، كما قصد المخلصون بالثَّبات والوفاء العاقبة الحسنى، والتَّوبة عليهم مشروطة بتوبتهم، والمراد بها التَّوفيق للتَّوبة {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء 23] لمن تاب.
تكميل في «تفسير النَّسفي» والنَّحب يأتي على وجوهٍ النَّذر أي قضى نذرَهُ. والخطر أي فرغ من خطر الحياة، لأنَّ الحيَّ على خَطَرٍ ما عاش. والسَّير السَّريع؛
ج 13 ص 214
أي سار بسرعةٍ إلى أجله. والنَّوبة أي قضى نوبته. والنَّفَس أي فرغ من أنفاسه، والنَّصَب؛ أي فرغ من نَصَب العيش وجهده.
وهذا يعود كلُّه إلى معاني الموت وانقضاء الحياة.