82 - (بابُ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ) من الزَّبن _ بالزاي والموحدة _ بمعنى الدَّفع الشَّديد، ومنه سُمِّيَتِ الحربُ الزبونَ لشدَّة الدَّفع فيها، وقيل للبيع المخصوص المزابنة كأن كلَّ واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقِّه، أو لأنَّ أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع المبيع عن نفسه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع.
(وَهْيَ بَيْعُ التَّمَرِ) بالمثناة الفوقية (بِالثَّمْر) بالمثلثة وفتح الميم، وأراد به بيع اليابس بالرُّطب هكذا قال العينيُّ، وكذا الحافظ العسقلانيُّ، وعكسه الكرمانيُّ، وما قاله العينيُّ أنسب بقرينته وهي قوله (وَبَيْعُ الزَّبِيبِ بِالْكَرْمِ) أي بالعنب، وهذا أصلُ المزابنة.
وألحق الشَّافعي بذلك كلَّ بيع مجهول بمجهول، أو بمعلومٍ من غير جنسه يجري الرِّبا في نقده قال وأمَّا من قال أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعًا مثلًا فما زاد فلي، وما نقصَ فعليَّ فهو من القمارِ وليس من المزابنة.
لكن تقدَّم في باب (( بيع الزَّبيب بالزَّبيب ) ) [خ¦2172] من طريق أيُّوب عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما (( والمزابنة أن يبيعَ التَّمر بكيلٍ إن زاد فلي، وإن نقص فعلي ) )فثبت أنَّه من صور المزابنة أيضًا مع كونها من القمار إذ لا يلزم من كونهما قمارًا؛ أي لا تسمَّى مزابنة.
ومن صور المزابنة أيضًا بيع الزَّرع بالحنطة، وقد رواه مسلمٌ من طريق عُبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ (( والمزابنة بيع ثمر النَّخل بالتَّمر كيلًا وبيع العنب بالزَّبيب كيلًا وبيع الزَّرع بالحنطة كيلًا ) ).
وستأتي هذه الزِّيادة للبخاري من طريق الليث، عن نافع بعد أبواب إن شاء الله تعالى.
وقال مالكٌ المزابنة كلُّ شيءٍ من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بِيْعَ بشيءٍ مسمَّى
ج 10 ص 300
من الكيل وغيره سواء كان من جنس يجري الرِّبا في نقده أم لا، وسبب النَّهي عنه ما يدخله من القمار والغرر.
قال ابن عبد البرِّ نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة ويدخل فيها القمار والمخاطرة، وفسَّر بعضهم المزابنة بأنَّها بيع التَّمر قبل بدو صلاحه وهو خطأ، فالمغايرة بينهما ظاهرةٌ من أول حديثٍ في هذا الباب، وقيل هي المزارعة على الجزء، وقيل غير ذلك والذي يدلُّ عليه الأحاديث في تفسيرها أولى، وسيجيء حكمها في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
(وَبَيْعُ الْعَرَايَا) قد مرَّ تفسير العرايا، وسيجيء أيضًا [خ¦2192، وبعده وقبله] إن شاء الله تعالى.
(قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ) أمَّا المزابنة، فقد مرَّ تفسيرها، وأمَّا المحاقلة فهي مفاعلةٌ من الحقل _ بالحاء المهملة والقاف _ وهي الزَّرع وموضعه وهي بيع الحنطة في سنبلها بحنطةٍ صافيةٍ، وقيل هي المزارعة بالثلث أو الربع أو نحوهما ممَّا يخرج منها فيكون كالمخابرة. وروى جابر رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المخابرة ) ).
والمحاقلة أن يبيع الرَّجل الزَّرع بمائة فرق من الحنطة.
والمخابرة كراء الأرض بالثُّلث والربع، وقيل هي بيع الزَّرع قبل إدراكه.
وقال اللَّيث الحقل الزَّرع إذا تشعَّب قبل أن يغلظ، وقال الهرويُّ إذا كانت المحاقلة مأخوذةٌ من هذا فهو بيعُ الزَّرع قبل إدراكه، قال والمحقلة المزارعة، وقيل لا تنبت البقلة إلَّا الحقلة.
وقال أبو عبيد المحاقلة مأخوذةٌ من الحقل، وهو الذي يسمِّيه النَّاس القراح بالعراق. وفي الحديث (( ما تصنعون بمحاقلكم؟ ) )أي مزارعكم، وتقول للرَّجل احقل؛ أي ازرع، وإنَّما وقع الحظر في المحاقلة والمزابنة؛ لأنَّهما من الكيل وليس يجوز شيءٌ من الكيل والوزن إذا كانا من جنسٍ واحدٍ إلَّا يدًا بيد ومثلًا بمثل، وهذا مجهولٌ لا يدرى أيهما أكثر فلِتَعذُّر معرفة التَّماثل حُرِّمَتَا، والله أعلم.
وهذا التَّعليق وصله البخاريُّ في باب (( بيع المخاضرة ) ) [خ¦2207] .
ومطابقته للتَّرجمة ظاهرة.