فهرس الكتاب

الصفحة 6698 من 11127

2 - (باب {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} الآيَةَ) أي اقرأ الآية بتمامها، وفي بعض النُّسخ قد ساق الآية بتمامها هكذا {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى} أي حضر {لِمِيقَاتِنَا} أي للوقت الَّذي عينَّاه له، واللام للاختصاص كهي في قولهم أتيته لعشرٍ خلون من رمضان، وليست بمعنى عند، قيل لا بدَّ هنا من تقدير مضاف؛ أي لآخر ميقاتنا، أو لانقضاء ميقاتنا.

قال الثَّعلبي الميقات مفعالٌ من الوقت كالميعاد والميلاد أصله موقاة، انقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وإنما انقلبت ياء لأنَّ الياء أخت الكسرة.

{وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} من غير واسطةٍ_ وكان على طور سيناء_ كلامًا مغايرًا لهذه الحروف والأصوات قديمًا قائمًا بذاته تعالى، وخلق فيه إدراكًا سمعه به، وكما ثبتت رؤية ذاته عزَّ وجلَّ مع أنَّه ليس بجسمٍ ولا عرضٍ فكذلك كلامه، وإن لم يكن صوتًا ولا حرفًا صحَّ أن يُسمعَ، وروي أنَّ موسى عليه السَّلام كان يسمع كلام الله من كلِّ جهةٍ، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ سماع كلامه ليس من جنسِ كلام المحدِّثين {قَالَ} جواب {لَمَّا} أي لمَّا أدناه ربُّه وناجاه وكلَّمه وخصَّه بهذه المرتبة طمحت همَّته إلى رتبة الرُّؤية، وتشوَّق إلى ذلك، فسأل ربَّه أن يُريه ذاته المقدَّسة، فقال {رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إِلَيْكَ} أي أرني ذاتك أنظرُ إليك فثاني مفعولي (( أرني ) )محذوف، والمعنى اجعلني متمكنًا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظرُ إليك وأراك.

والآية تدلُّ على جوازِ رؤية الله تعالى؛ لأنَّ موسى عليه السَّلام

ج 19 ص 455

سألها وكان عارفًا بالجائز والممتنع، فلو كانت محالًا لما طلبه، ولذلك {قَالَ} الله تعالى جوابًا له {لَنْ تَرَانِي} ولم يقل لن أُرى، ولن أُريك كأنَّه قال إنَّ المانع ليس إلَّا من جانبك، وإنِّي غير محجوبٍ بل محتجبٌ بحجابٍ منك وهو كونك فان في فانٍ وأنا باقٍ، ووصفي باق فإذا جاوزت قنطرةَ الفناء، ووصلت إلى دار البقاء فزت بمطلوبك، والحاصل أنَّه ليس لبشرٍ أن يطيقَ النَّظر إليَّ في الدُّنيا، ومن نظر إليَّ في الدُّنيا مات، وفي روايةٍ قال موسى إلهي سمعت كلامك فاشتقتُ إلى النَّظر إليك، فلأن أنظرَ إليك ثمَّ أموت أحبُّ إليَّ من أن أعيشَ فلا أراك. رواه محيي السُّنَّة عن الحسن.

ولا يلزم من كون لن لتأبيد النَّفي أنَّ موسى لا يراه أبدًا لا في الدُّنيا ولا في الآخرة، كيف وقد ثبت في الحديث الصَّحيح أنَّ المؤمنين يرون الله تعالى في القيامة وفي الجنَّة، فموسى عليه السَّلام أحرى بذلك.

{وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ} وهو أعظمُ جبلٍ بمدين، يُقال له زبير وهو أشدُّ خلقًا منك {فَإِنِ اسْتَقَرَّ} أي ثبت {مَكَانَهُ فَسَوْفَ} إشارةٌ إلى عدم قدرته على الرُّؤية على وجه الاستدراك، وفي تعليق الرُّؤية على استقرار الجبل دليلٌ للجواز ضرورة أنَّ المعلَّق على الممكن ممكنٌ {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما تجلية ظهور نوره، وقيل معناه ظهرت عظمته له وقدرته وأمره. وقال كعب الأحبار وعبد الله بن سلام ما تجلَّى من عظمة الله إلَّا مثل سمِّ الخياط، وقال السُّدِّي قدر الخنصر.

وروى أحمد في «مسنده» عن أنسٍ رضي الله عنه عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قوله تعالى {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ} قال (( هكذا ) )يعني أخرج طرف الخنصر، ورواه التِّرمذي أيضًا وقال حديثٌ حسنٌ صحيح غريب.

وعن سهل بن سعد أنَّ الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجابٍ نورًا قدر الدِّرهم فجعل الجبل دكًّا.

{جَعَلَهُ دَكًّا} أي مدكوكًا مفتتًا، ويجوز أن يخلقَ الله له حياةً

ج 19 ص 456

وسمعًا وبصرًا، كما جعله محلًّا لخطابه بقوله (( يا جبالُ أوبي معه ) )، وكما جعل الشَّجرة محلًّا لكلامه، وكلُّ هذا لا يحيله من يؤمن بأنَّ الله تعالى على كلِّ شيءٍ قديرٌ. وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما صار ترابًا. وقال سفيان الثَّوري ساخَ الجبل في الأرض حتَّى وقعَ في البحر فهو يذهب معه.

وعن أبي بكر الهذلي انقعرَ فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة. وقال ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي مالكٍ عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( لمَّا تجلَّى الله للجبال طارت لعظمته ستَّة أجبلٍ فوقعت ثلاثةٌ بالمدينة وثلاثةٌ بمكَّة، بالمدينة أُحُد وورقان ورضوى بمكَّة حراء وثبير وثور ) ). وقال ابن كثير هذا حديثٌ غريبٌ بل منكرٌ.

واختلف القرَّاء في {دَكًّا} فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم بالقصر والتنوين، وقرأ حمزة والكسائي (( دكاء ) )بالمد؛ أي جعله مثل الأرض.

{وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} أي مغشيًّا عليه من شدَّة هول ما رأى، وكان ذلك يوم الخميس وكان يوم عرفة، وأعطي التَّوراة يوم الجمعة وهو يوم النحر. وفي «التلويح» وصعق موسى موته، نظيره قوله في سورة النِّساء {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} [النساء 153] يعني الموت، وفي الزمر {فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ} [الزمر 68] يعني مات.

وفي «تفسير ابن كثير» والمعروف أنَّ الصَّعق هو الغشيُّ هنا، كما فسَّره ابن عبَّاس رضي الله عنهما وغيره لا كما فسَّره قَتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحًا في اللغة.

{فَلَمَّا أفَاقَ} أي من الغشي، قال جعفر بن محمد [1] شغله الجبلُ حين تجلَّى، ولولا ذلك لمات صعقًا بلا إفاقة {قَالَ سُبْحَانَكَ} تنزيهًا وتعظيمًا وإجلالًا أن يراهُ أحدٌ في الدُّنيا {تُبْتُ إِلَيْكَ} عن أن أطلب الرُّؤية في الدُّنيا أو بغير إذنك، وحسنات الأبرار سيِّئات المقرَّبين، فكان التَّوبة لذلك، فإنَّ التَّوبة في حقِّ الأنبياء عليهم السَّلام لا تكون عن ذنبٍ؛ لأنَّ منزلتهم العليَّة تُصان عن كلِّ ما يحطُّ عن مرتبة الكمال.

وقيل المراد بالتَّوبة هنا الرُّجوع إلى الله تعالى لا على ذنب سبق. وقيل

ج 19 ص 457

إنَّما قال ذلك على جهة التَّسبيح وهو عادةُ المؤمنين عند ظهور الآيات الدَّالَّة على عظم قدرته.

{وَأنَا أوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} أي بأنَّها لا تُطلب في الدُّنيا، أو بغير الأذن، أو بأنَّك لا تُرى في الدُّنيا. قال مجاهدٌ {وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ} من بني إسرائيل، واختاره ابنُ جرير، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه لا يراك أحدٌ، وكذا قال أبو العالية. وتعلَّقت نفاة الرُّؤية بهذه الآية، فقال الزَّمخشري لن لتأكيد النَّفي الذي تعطيه «لا» ، وذلك لأنَّ «لا» تنفي المستقبل تقول لا أفعل غدًا، فإن أكَّدت نفيها قلت لن أفعل غدًا.

وقال ابنُ كثير وقد أشكلَ حرف «لن» هاهنا على كثير؛ لأنَّها موضوعةٌ لتأبيد النفي فاستدلَّت به المعتزلة على نفي الرُّؤية في الدُّنيا والآخرة. وأُجيب بأنَّ الأحاديث قد تواترت عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ المؤمنين يرون الله تعالى في الدَّار الآخرة. وقيل إنَّها لتأكيد النَّفي في الدُّنيا جمعًا بين هذه وبين الدَّليل على صحَّة الرُّؤية في الآخرة. وقيل إنَّ «لن» هنا لا توجب التَّأكيد بل تفيد التَّوقيت كقوله عزَّ وجلَّ {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة 95] يعني الموت.

وقال عليُّ بن مهدي لو كان سؤال موسى عليه السَّلام مستحيلًا لما أقدم عليه مع كمال معرفته بالله عزَّ وجلَّ. وقال المتكلِّمون من أهل السُّنَّة لمَّا علَّق الله تعالى الرُّؤية باستقرار الجبل دلَّ ذلك على جواز الرُّؤية؛ لأنَّ استقراره غير مستحيلٍ، ألا ترى أنَّ دخول الكفَّار الجنَّة لمَّا كان مستحيلًا علَّقه بشيءٍ مستحيلٍ فقال {وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ} [الأعراف 40] .

(قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {أَرِنِي} أعْطِنِي) هذا التَّعليق وصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} [الأعراف 143] قال أعطني، وأخرج من طريق السُّدِّي قال لمَّا كلَّم الله موسى أحبَّ أن ينظرَ إليه، قال {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} .

[1] في العمدة محمد بن جعفر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت