فهرس الكتاب

الصفحة 6998 من 11127

4 - (باب قَوْلِهِ {قُلْ} ) ويُروى ، وفي رواية سقط لفظ ( {لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} ) أي السَّعة والتنعُّم فيها وكثرة الأموال، وذلك أنهنَّ سألنه من عَرَض الدُّنيا، وطلبنَ منه زيادة في النَّفقة، وآذينه بغيرة بعضهنَّ ( {وَزِينَتَهَا} ) أي زخارفها ( {فَتَعَالَيْنَ} ) أي أقبلنَ بإرادتكنَّ واختياركنَّ ( {أُمَتِّعْكُنَّ} ) متعة الطَّلاق ( {وَأُسَرِّحْكُنَّ} ) يعني الطَّلاق ( {سَرَاحًا جَمِيلًا} ) أي أطلقكنَّ طلاق السنَّة من غير إضرار، وسقط في رواية أبي ذرٍّ

ج 20 ص 482

قوله < {وأسرحكن} > ... إلى آخره وقال بعد {أُمَتِّعْكُنَّ} (( الآية ) ). واختلفوا في تخييره صلى الله عليه وسلم فقيل إنَّه خيرهنَّ بين اختيارهنَّ الدُّنيا فيفارقهنَّ أو اختيار الآخرة فيمسكهنَّ، ولم يخيرهنَّ في الطَّلاق، قاله الحسن وقتادة، وقيل بل بين الطَّلاق والمقام معه قالته عائشة رضي الله عنها ومجاهد والشَّعبي ومقاتل، وكان تحته يومئذٍ تسع نسوةٍ خمس من قريش عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أميَّة، وصفيَّة بنت حُيي بن أحطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلاليَّة، وزينب بنت جحش الأسديَّة، وجويرية بنت الحارث المصطلقيَّة.

واختلفوا في سبب التَّخيير أيضًا فقيل لأنَّ الله تعالى خيَّره بين ملك الدُّنيا ونعيم الآخرة، فاختار الآخرة، فأمر أن يخيَّر بين نسائه ليكن على مثل حاله، وقيل لأنهنَّ تغايرنَ عليه فآلى منهنَّ شهرًا، وقيل لأنهنَّ اجتمعنَ يومًا فقلنَ نريد ما تريد النِّساء من الحلي، وقيل لأنَّ كلَّ واحدة طلبت منه شيئًا وكان غير مستطيع، فطلبت أم سلمة معلمًا، وميمونة حلَّة يمانية، وزينب ثوبًا مخططًا وهو البرد اليماني، وأم حبيبة ثوبًا سحوليًا، وحفصة ثوبًا من ثياب مصر، وجويرية مِعْجَرًا، وسودة قطيفة خيبرية، إلا عائشة رضي الله عنها فلم تطلب شيئًا.

(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة، هو ابن المثنَّى أبو عبيدة التَّيمي مولاهم البصري النَّحوي، قال الحافظ العسقلاني وتوهَّم مُغلطاي صاحب «التلويح» ومن قلَّده أنَّ مراد البخاري مَعمر بن راشد فنسب هذا إلى تخريج عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» عن معمر، ولا وجود لذلك في كتاب عبد الرَّزَّاق، وإنَّما أخرج عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال كانت المرأة تخرج تمشي بين الرِّجال، فذلك تبرُّج الجاهلية، انتهى.

وتعقَّبه العيني فقال لم يقل الشَّيخ علاء الدين مُغلطاي مَعمر بن راشد، وإنَّما قال هذا رواه عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، ولم يقل أيضًا في تفسيره حتى يشنع عليه بأنَّه لم يوجد في تفسيره

ج 20 ص 483

وعبد الرَّزَّاق له تآليف أخرى غير تفسيره، وحيث أطلق معمرًا يحتمل أحد المعمرين، انتهى.

وأجاب عنه الحافظ العسقلاني في كتابه «الانتقاض» فقال هذا اعتذار واهٍ، فإن عبد الرَّزَّاق لا رواية له عن معمر بن المثنَّى، وتآليف عبد الرَّزَّاق ليس فيها شيء بشرح الألفاظ إلا التَّفسير، وتفسيره هذا ليس فيه ذلك، انتهى.

(التَّبَرُّجُ أَنْ تُخْرِجَ مَحَاسِنَهَا) أي قال معمر في قوله تعالى {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} [الأحزاب 33] هو؛ أي التبرُّج أن تُخْرج المرأة محاسنها للرِّجال، وقال مجاهد وقتادة التبرُّج التَّكسر والتَّغنج، وقيل التَّبختر، و (( تبرج الجاهليَّة ) )مصدرٌ تشبيهي؛ أي مثل تبرج الجاهليَّة الأولى.

وأخرج ابنُ أبي حاتم من طريق عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال عمر رضي الله عنه ما كانت إلَّا جاهليَّة واحدة، فقال له ابن عبَّاس رضي الله عنهما هل سمعت بأولى إلَّا ولها آخرة، ومن وجه آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال تكون جاهليَّة أخرى، ومن وجه آخر عنه قال كانت الجاهليَّة الأولى ألف سنة فيما بين نوح وإدريس عليهما السَّلام، وإسناده قوي.

ومن حديث عائشة رضي الله عنها قالت الجاهليَّة الأولى بين نوح وإبراهيم عليهما السَّلام، وإسناده ضعيفٌ، ومن طريق عامر وهو الشَّعبي قال هي ما بين عيسى عليه السَّلام ومحمَّد صلى الله عليه وسلم، وعن مقاتل بن حيَّان قال الأولى زمان إبراهيم، والأخرى زمان محمَّد صلى الله عليه وسلم قبل أن يُبعث، وقيل الجاهليَّة الأولى ما بين آدم ونوح، أو الزَّمان الذي ولد فيه الخليل إبراهيم عليه السَّلام كانت المرأة تلبس درعًا من اللُّؤلؤ فتمشي وسط الطَّريق تعرضُ نفسها على الرِّجال، وقيل الجاهليَّة الأولى جاهليَّة الكفرِ قبل الإسلام، والجاهليَّة الأخرى جاهليَّة الفسوق في الإسلام.

قال القاضي ويعضدُه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي الدَّرداء رضي الله عنه (( إنَّ فيك جاهليَّة، قال جاهليَّة كفر أو إسلام قال بل جاهليَّة كفر ) )انتهى.

وفيه أنَّه قال ابنُ العراقي لا يعرف هذا لأبي الدَّرداء، وإنَّما قال لأبي ذرٍّ، كما هو في «الصَّحيحين» [خ¦30] [خ¦6050] من حديثه، وليس فيه جاهليَّة كفر، وروي (( أنَّ بلالًا شكا أبا ذرٍّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عيرني بالسَّواد، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذرٍّ ما علمت أنَّه بقيَ في قلبك شيء من الجاهليَّة، فوضع أبو ذرٍّ خده على الأرض وحلف ليضعنَّ بلال قدمه على خده ) )والله تعالى أعلم.

( {سُنَّةَ اللَّهِ} اسْتَنَّهَا جَعَلَهَا) أشار به إلى قوله تعالى {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ} [الأحزاب 38] ثم قال استنَّها؛ أي جعلها سنَّة هو قول أبي عبيدة أيضًا وزاد جعلها سنَّة ونسبه

ج 20 ص 484

مُغلطاي، ومن تبعه إلى تخريج عبد الرَّزَّاق عن مَعمر، وليس ذلك فيه، قاله الحافظ العسقلاني.

وفي التفسير (( سنَّة الله ) )؛ أي كسنة الله نصب بنزعِ الخافض، وقيل فعل سنة الله، وقيل على الإغراء؛ أي اتبعوا سنَّة الله، وقوله {في الذين خَلَوا} أراد سنَّة الله في الأنبياء الماضين أن لا يُؤاخذهم بما أحلَّ لهم، وقال الكلبي ومقاتل أرادَ داود حين جمع بينه وبين تلك المرأة، وكذلك محمَّد صلى الله عليه وسلم وزينب، وقيل الإشارة بالسنَّة إلى النِّكاح، فإنه من سنَّة الأنبياء عليهم السَّلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت