فهرس الكتاب

الصفحة 832 من 11127

510 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي (قَالَ أَخْبَرنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، سالم بن أبي أمية (مَوْلَى عُمَرَ بنُ عُبَيدِ اللهِ) بضم العين فيهما.

(عَنْ بُسْرِ) بضم الموحدة وسكون المهملة (ابِنَ سَعِيدٍ) الحضرمي المدني الزاهد، مات سنة مئة، ولم يُخَلِّف كَفَنًا.

(أَنَّ زَيدَ بنَ خَالدٍ) الجهني الأنصاري الصحابي رضي الله عنه (أَرْسَلَهُ) أي بسرًا (إِلَى أَبِي جُهَيْمٍ) بضم الجيم وفتح الهاء، وهو غير أبي جهم _ مُكبَّرًا _ المذكور في حديث الخَمِيصة والأنَبِجَانية [خ¦373] ؛ لأن اسمه عامر، وهو عَدَوي، وأما أبو جهيم هذا فهو عبد الله بن الحارث بن الصُمَّة الأنصاري الصحابي الذي تقدم حديثه في باب التيمم في الحضر [خ¦337] .

(يَسْأَلُهُ مَاذَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي) حق (الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي) أي أمامه بالقرب منه مقدار سجوده، أو مقدار ثلاثة أذرع، أو مقدار رميةٍ بحجر، وعبَّرَ باليدين؛ لكونِ أكثر الشغل يقع بهما.

(فَقَالَ أَبُو جُهَيْمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ) أي ما الذي عليه من الإثم والخطيئة، وفي رواية الكشميهني ، وليست هذه الزيادة في شيء من الروايات غيره، والحديث في (( الموطأ ) )بدونها.

وقال ابن عبد البر لم يختلف على مالك في ذلك، وكذا رواه باقي الستة، وأصحاب (( المسانيد ) )، و (( المستخرجات ) )بدونها، غير أنه وقع في (( مصنف ابن أبي شيبة ) )ماذا عليه يعني من الإثم، فيحتمل أن يكون ذكرت في أصل البخاري حاشية، فظنها الكشميهني أصلًا؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، ولا من الحفاظ.

وقد عزاها المحب الطبري في (( الأحكام ) )

ج 3 ص 411

للبخاري، وأطلق فعُيِّب ذلك عليه، وعلى صاحب (( العمدة ) )في إيهامه أنها في (( الصحيحين ) ).

ثم إنه يجري في قوله «ماذا عليه» ما يجري في قولهم ماذا صنعت، وهو في محل النصب على أنه سَدَّ مَسَد المفعولين لقوله لو يعلم، وعلَّق عمله بالاستفهام [1] .

(لَكَانَ أَنْ يَقِفَ) يعني أن المار لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لكان وقوفه، وهو جواب لو.

وقال الكرماني جواب «لو» ليس هو المذكور، بل التقدير لو يعلم ماذا عليه لوقف أربعين، ولو وقف أربعين؛ لكان خيرًا له.

(أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ) روي بالنصب وبالرفع، أما النصب فعلى أنه خبر لكان، وأما الرفع فعلى أنه اسم كان، وخبره قوله أن يقف، ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة خبرها (مِنْ أَنْ يَمُرَّ) أي من مروره (بَيْنَ يَدَيْهِ) أي المُصلِّي؛ لأن عذاب الدنيا _ وإن عَظُم _ يسير بالنسبة إلى عذاب الآخرة.

(قَالَ أَبُو النَّضْرِ) سالم بن أبي أمية، وهو كلام مالك، وليس من تعليق البخاري، بل هو مسند بالإسناد السابق؛ لأنه ثابت في (( الموطأ ) )من جميع الطرق، وكذا ثبت في رواية الثوري وابن عيينة (لاَ أَدْرِي، أَقَالَ) بهمزة الاستفهام، وفي رواية بدونها؛ أي قال بُسْر بن سعيد (أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَوْ سَنَةً) وفي رواية ابن ماجه (( أربعين سنة أو شهرًا أو صباحًا أو ساعة ) )، وفي رواية البزار (( أربعين خريفًا ) ).

وفي (( صحيح ابن حبان ) )عن أبي هريرة قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لو يَعلمُ أحدكم ما له من أن يمر بين يدي أخيه معترضًا في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خير له من الخطوة التي خطاها ) ).

وفي (( الأوسط ) )للطبراني عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا (( إن الذي يمر بين يدي المصلي عامدًا يتمنى يوم القيامة أنه شجرة يابسة ) ).

وفي (( المصنف ) )عن عبد الحميد عامل عمر بن عبد العزيز قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لو يعلم المار بين يدي المصلي ما عليه لأحب أن تنكسر فخذه، ولا يمر بين يديه ) ).

وقال ابن مسعود رضي الله عنه المار بين يدي المصلي أنقص من الممر عليه، وكان إذا مر أحد بين يديه التزمه حتى يرده.

وقال ابن بطال قال عمر رضي الله عنه لكان يقوم حولًا خير له من مروره.

وقال كعب الأحبار لكان أن يُخْسَف به خير له من أن يمر بين يديه [2] ، وهذا كله يقتضي كثرة ما فيه من الإثم وعِظَمَه.

فإن قيل ما الحكمة في إبهام أربعين في رواية الصحيح؟.

فالجواب هي الدلالة على الفخامة، وأنه مما لا يقادر قدره، ولا يدخل تحت العبارة، كذا قال الكرماني.

والظاهر أن الإبهام هنا من الراوي، وأما في نفس الأمر فالعدد مُعيَّن، ألا ترى كيف تعين

ج 3 ص 412

فيما رواه ابن ماجه من حديث أبي هريرة، وكذا في رواية البزار.

وقد أبدى الكرماني لتخصيص الأربعين بالذكر حكمتين

إحداهما كون الأربعة أصل جميع الأعداد؛ لأن أجزاءه هي عشرة، ومن العشرات المئات، ومن المئات الألوف، فلما أُريد التكثير ضُوعف كل عشرة إلى أمثاله.

والثانية أن كمال كل طور بأربعين كالنطفة، والعَلَقة، والمُضغة، وكمال عقل الإنسان في أربعين سنة. والظاهر أن أسرار أمثالها لا يَعْلَمها إلا الشارع.

وأما ذكر المائة بعد التقييد بالأربعين كما في رواية أبي هريرة رضي الله عنه فلزيادة تعظيم الأمر على المار؛ لأن المقام مقام زجر وتخويف وتشديد كما جنح إليه الطحاوي.

وأما الحكمة في تعيين المئة فهي أنها وسط بالنسبة إلى العشرات، والألوف، وخير الأمور أوساطها، والله أعلم.

ومن فوائد الحديث أن المرور بين يدي المصلي مذموم، وفاعله مرتكب الإثم.

وقال النووي فيه دليل على تحريم المرور، فإن في الحديث النهي الأكيد، والوعد الشديد، فعلى ما ذكره ينبغي أن يكون المرور بين يدي المصلي من الكبائر كما قاله الحافظ العسقلاني، ومحمود العيني.

ومنها طلب العلم والإرسال لأجله، ومنها أخذ العلماء بعضهم عن بعض ما فاته، أو استثباته فيما سمع معه، ومنها عموم نهي المرور لكل مصلٍّ، وتخصيص بعضهم بالإمام، والمنفرد لا دليل عليه.

وأما تعليلهم في ذلك بأن المأموم لا يضره من مر بين يديه؛ لأن سترة إمامه سترة له، أو إمامه سترة له، فلا يطابق مدعاهم؛ لأن السترة تفيد دفع الحرج عن المصلي لا عن المار، فاستوى في ذلك الإمام والمأموم والمنفرد، فافهم.

ومنها الاقتصار على النزول مع القدرة على العلو لإرسال زيد بن خالد بُسْرَ بن سعيد إلى أبي جهيم، ولو طلب العلو لسعى هو بنفسه إلى أبي جهيم، ومنها قبول خبر الواحد، ثم إنه قد استنبط ابن بطال من قوله «لو يعلم» أن الإثم يختص بمن يعلم بالنهي وارتكبه، قيل وفيه بُعْد.

ويستنبط من ظاهر الحديث أن الوعيد المذكور يختص بمن مر لا بِمَن وقف عامدًا مثلًا بين يدي المصلي أو قعد أو رقد، لكن إن كانت العلة فيه التشويش على المصلي فَهُم في معنى المار بين يديه.

وذكر ابن دقيق العيد أن بعض الفقهاء؛ يعني المالكية قسم أحوال المصلي والمار في الإثم وعدمه إلى أقسام أربعة يأثم المار دون المُصلِّي، وعكسه، ويأثمان جميعًا، ولا يأثمان جميعًا.

فالصورة الأولى أن يصلي إلى سترة في غير مشرع، وللمار مندوحة فيأثم المار دون المصلي.

والثانية أن يصلي في مشرع [3] مسلوك بغير سترة أو متباعدًا عن السترة، ولا يجد المار مندوحة، فيأثم المصلي دون المار.

والثالثة مثل الثانية، لكن يجد المار مندوحة فيأثمان جميعًا.

والرابعة مثل الأولى، لكن لا يجد المار مندوحة فلا يأثمان جميعًا. انتهى.

وظاهر الحديث يدل على منع المرور مطلقًا، ولو لم يجد مسلكًا يقف حتى يفرغ المصلي من صلاته، ويؤيده قصة أبي سعيد السابقة فإن فيها (( فنظر الشاب فلم يجد مساغًا ) ) [خ¦509] ، وبه جزم الرافعي.

وقال إمام الحرمين إن الدفع لا يُشرع فيما إذا لم يجد مسلكًا، وتبعه الغزالي، وأجاب عن قصة أبي سعيد من طرفهما ابنُ الرِّفعة بما حاصله أن الشاب إنما استوجب الدفع من أبي سعيد؛ لكونه قصَّر في التأخر عن الحضور إلى الصلاة حتى وقع الزحام. انتهى.

وتعقبه الحافظ العسقلاني بأن ما قاله ابن الرفعة محتمل، لكن لا يدفع الاستدلال؛ لأن أبا سعيد رضي الله عنه لم يعتذر بذلك، ولأنه يتوقف على أن ذلك وقع قبل صلاة الجمعة، أو فيها مع أنه يحتمل أن يكون ذلك وقع بعدها، فلا يتجه ما قاله من التقصير بعدم التبكير، بل كثرة الزحام حينئذ أوجه، والله أعلم.

ثم إنه قد وقع في رواية أبي العباس السرَّاج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي النَّضر (( لو يعلم المار بين يدي المصلي والمُصَلَّى ) )، فحمله بعضهم على ما إذا قصَّر المصَلي في دفع المار، أو بأن صلى

ج 3 ص 413

في الشارع.

ويحتمل أن يكون قوله (( والمصلَّى ) )بفتح اللام؛ أي بين يدي المصلي من داخل سترته، وهذا أظهر، والله أعلم.

تذييل أخرج هذا الحديث ابن ماجه، وقال حدثنا هشام بن عمار، قال حدثنا ابن عيينة، عن أبي النضر، عن بسر قال أرسلوني إلى زيد بن خالد أسأله عن المرور بين يدي المصلي، الحديثَ، وهذا كما ترى مقلوب، فإن المرسل إليه فيه هو زيد بن خالد، وأما في رواية مالك عن أبي النضر فالمُرسِل هو زيد، والمرسل إليه هو أبو جهيم.

قال ابن أبي خيثمة سئل عنه يحيى بن معين فقال هو خطأ إنما هو أرسلني زيد إلى أبي جهيم، كما قال مالك.

وتعقب ذلك ابن القطان فقال ليس خطأ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرًا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد منهما ما عند الآخر.

اعلم أن تعليل أئمة الحديث الأحاديثَ مبنيٌّ على غلبة الظن، فإذا قالوا أخطأ

ج 3 ص 414

فلان في كذا لم يتعين خطأه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيعتمد، ولولا ذلك لما شرطوا انتفاء الشاذ _ وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه _ في حد الصحيح، كذا ذكره الحافظ العسقلاني.

[1] في هامش الأصل وهو أن تكون كلمة «ما» استفهامية ومحلها الرفع على الابتداء، وكلمة «ذا» إشارة خبره، وأن يكون «ذا» موصولًا بدليل افتقاره إلى شيء بعده. منه.

[2] (( من قوله وقال كعب. .. إلى قول بين يديه ) )ليس في (خ) .

[3] (( من قوله وللمار مندوحة. ... إلى قوله في مشرع ) )ليس في (خ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت