2112 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابنُ سعيد، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابنُ سعد (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
ج 10 ص 155
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ إِذَا تَبايع الرَّجُلاَنِ)باب التفاعل قد يجيء بمعنى المفاعلة (فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا) أي فينقطع الخيار (وَكَانَا جَمِيعًا) هذا تأكيد لِمَا قبله (أَوْ يُخَيِّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ) بنصب (( يخيِّر ) )لأن (( أو ) )هاهنا بمعنى إلَّا أن. وقال الحافظ العسقلانيُّ يخيِّر بإسكان الراء عطفًا على قوله (( ما لم يتفرقا ) )، ويحتمل النصب على أنَّ (( أو ) )بمعنى إلَّا أن، انتهى.
أي والمعنى إلا أن يخيِّر أحدهما الآخر، قال النوويُّ معنى (( أو يخيِّر أحدهما الآخر ) )أن يقول له اختر إمضاء البيع، فإذا اختار وجب البيع؛ أي لزم وانبرم. فإن خيَّر أحدهما الآخر فسكت لم ينقطع خيار السَّاكت، وفي انقطاع خيار القائل وجهان لأصحابنا أصحُّهما الانقطاع بظاهر لفظ الحديث، انتهى.
(فَتَبايعا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ) أي وإذا خَيَّر أحدهما الآخر فاختار إمضاء البيع بطل الخيار ولزم البيع وإن لم يتفرَّقا.
(وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبايعا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا الْبَيْعَ) أي لم يفسخه (فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ) أي بعد التفرُّق.
قال الخطابيُّ هذا أوضح شيءٍ في ثبوت خيار المجلس، وهو مبطلٌ لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث. وكذلك قوله في آخره (( وإن تفرقا بعد أن تبايعا ) )فيه البيان الواضح أنَّ التفرُّق بالبدن هو القاطع للخيار ولو كان معناه التفرُّق بالقول لخلا الحديث عن فائدة، انتهى.
ولا يذهب عليك أنَّ قوله أوضحُ شيءٍ في ثبوت خيار المجلس، إنَّما يُسَلَّمُ فيما إذا أوجب أحدُ المتبايعين، والآخر مخيَّرٌ إن شاء يقبله وإن شاء يردُّه، وأمَّا إذا حصل الإيجاب والقبول من الطَّرفين فقد تمَّ البيع فلا خيار بعد ذلك إلا بشرطٍ شُرِطَ فيه، أو خيار العيب، أو خيارِ الرؤية. والدَّليل عليه حديث سَمُرَةَ رضي الله عنه أخرجه النسائيُّ ولفظه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال البيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، ويأخذ كلُّ واحدٍ منهما من البيع ويتخايران ثلاث مرَّات ) ).
قال الطَّحاويُّ قوله في هذا الحديث (( ويأخذُ كلُّ واحدٍ منهما ما هوى ) )يدلُّ على أنَّ الخيار الذي للمتبايعين إنَّما هو قبل انعقادِ البيع بينهما فيكون العقد بينه وبين صاحبه فيما يرضاهُ
ج 10 ص 156
منه لا فيما سواهُ ممَّا لا يرضاهُ؛ إذ لا خلاف بين القائلين في هذا الباب بأنَّ التَّفرقَ المذكورَ في الحديث هو بعد البيع بالأبدان أنَّه ليس للمبتاع أن يأخذَ ما رضيَ به من البيع ويتركَ بقيَّته، وإنَّما له عندهم أن يأخذَه كلَّه أو يدعه كلَّه، انتهى.
فدلَّ ذلك على أنَّ التفرُّق بالقول لا بالأبدان، وقول الخطابيِّ وهو مبطل لكلِّ تأويل إلى آخره، غير مسلَّم؛ لأنّ التأويلين إذا تقابلا وُقِفَ الحديث ويُعْمَلُ بالقياس، وهو أن يقاس العقود من البيع ونحوه التي تكون بالمنافع كالإجارات على ما كان يملك به من الأبضاع كالأنكحة، فكما لا يشترط فيها الفرقة بالأبدانِ بعد العقد فكذلك لا يُشترط في عقودِ البيع، والجامعُ كون كلٍّ منهما عقدًا يتم بالإيجاب والقبول.
وقال مالك ليس لفرقتهما حدٌّ معروف ولا وقتٌ معلوم، وهذه جهالة وُقِفَ البيع عليها فيكون كبيع الملامسة والمنابذة وكبيع خيارٍ إلى أجلٍ مجهول وما كان كذلك فهو فاسد قطعًا، والله أعلم.
ومطابقةُ الحديث للترجمة في قوله (( أو يخيِّر أحدُهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجبَ البيع ) )، والحديث أخرجهُ مسلم أيضًا في (( البيوع ) )، وكذا أخرجه النسائيُّ فيه، وأخرجهُ ابن ماجه في (( التجارات ) ).