2 - (بابُ مَنَاقِبِ قُرَيْشٍ) اختلفوا في الذي يُسَمَّى بقريش من أجداد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وروي عن هشام بن الكلبي، عن أبيه أن قريشًا هو النَّضر بن كنانة، فمن كان من ولده فهو قُرَشِيُّ، ومن لم يكن من ولده فليس بقُرَشِيٍّ قال كان سكان مكة يزعمون أنهم قريش دون سائر بني النَّضر حتَّى رحلوا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فسألوه مَن قريش؟ قال من ولد النَّضر بن كنانة، وبه جزم أبو عبيدة.
قال العيني وهذا قول الجمهور؛ لحديث الأشعث بن قيس أنَّه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من كندة قال فقلتُ يا رسول الله، إنا نزعم أنَّكم منَّا قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( نحن بنو النَّضر بن كنانة لا نقفوا أُمَّنا ولا نَنْتَفِي من أَبينا ) )قال الأشعثُ بن قيس فوالله لا أسمع أحدًا نفى قريشًا من النَّضر بن كنانة إلَّا جَلَدْتُه الحَدَّ. رواه الإمام أحمد وابن ماجه.
وقوله (( لا نقفوا منا ) )، من قولهم قفوتُ الرَّجل إذا قذفتَه صريحًا، وقفوتُ الرَّجلَ أقفوه قَفْوًا إذا رميتَه باسمٍ قبيح، وقال الزُّبير قالوا قريش اسم فهر بن مالك، وَمَا لم يَلِدْ فِهْرٌ فليس من قريش، قال الزُّبير قال عَمِّي فهرٌ هو قريشٌ اسمه، وفِهْرٌ لقبه. وعن ابن شهاب اسم فهر الذي سمَّته أمه قريش، وإنما نبزته بهذا، كما يسمى الصَّبي غراره وشملة وأشباه ذلك،
ج 15 ص 523
وقال ابن دريد الفهر الحَجَرُ الأمْلَسُ يَمْلأ الكفَّ، وهو مؤنث. وقال أبو ذرٍّ الهَرَويُّ يذكر ويؤنث، وقال السُّهيلي الفِهْرُ من الحِجَارة الطَّويل وكنية فِهر أبو غالب، وهو جِمَاعُ قريش.
وقال الحافظُ العسقلاني وقيل إن قريشًا هم ولد فهر بن مالك بن النَّضر، وهذا قول الأكثر، وبه جزم مُصعب قال ومن لم يلده فهر، فهو ليس قرشيًا، وقيل أوَّل من نُسِبَ إلى قريش هو قصيُّ بن كلاب.
روى ابنُ سعد أنَّ عبد الملك بن مروان سأل محمَّدَ بن جُبير متى سُمِّيت قريش قريشًا؟ قال حين اجتمعت إلى الحرم بعد تفرُّقها، فقال ما سمعتُ بهذا، ولكن سمعتُ أنَّ قصَيًّا كان يقال له القرشي، ولم يُسَمَّ أحدٌ قرشيًا قبله، وروى ابنُ سعد من طريق المقداد قال لما فرغ قصيٌ من نفي خزاعة من الحرم تجمَّعتْ إليه قريشٌ فسُمِّيت يومئذٍ قريشًا لحال تجَمُّعِها، والتَّقريش التَّجميع.
والقولان الأولان حكاهما غيرُ واحدٍ من أئمة عِلْم النَّسب كأبي عمر بن عبد البر والزُّبير بن بكار ومصعب وأبي عبيدة.
قال العيني والصَّحيح الذي عليه الجمهور هو النَّضر، وقيل الصَّحيح هو فهر هذا، وقد أكثرَ ابنُ دِحية من نَقْلِ الخلاف في سبب تسميةِ قريشٍ قريشًا، ومَن أوَّلُ من سُمِّي به، وأنا أذكر من ذلك ما اشتهر
1 -فقيل إنَّه من التَّقرُّش، وهو التكسُّب والتِّجارة، وكانت قريش يتقرشون في البياعات، قال تعالى {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ*إِيلَافِهِمْ} [قريش 1 - 2] قاله ابن هشام.
2 -وقيل إنَّما سمِّيت قريش قريشًا لتجمُّعِها بعد تفرُّقِها، والتقرُّش التجمُّع، قاله ابن إسحاق.
3 -وقيل كان النَّضر يُسَمَّى قريشًا؛ لأنَّه كان يَقرش عن خُلَّة النَّاس وحاجاتهم فيَسُدها، وكان بنوه يقرشون أهل المَوسم؛ أي يفتشون عن حاجاتهم فيرفدونهم بما يبلغهم إلى بلادهم، والتَّقريش هو التَّفتيش، قاله ابن الكلبي.
4 -وقيل سمِّيت قريش بدابة في البحر هي سيِّدة الدَّواب البحرية لا تمرُّ بشيءٍ من الغثِّ والسَّمين إلَّا أكلته، قاله ابن عبَّاس، رواه البيهقي. قال المطرزي وذلك لأنَّ قريشًا قادة النَّاس وسادتهم.
قال الشَّاعر
~وَقُرَيشٌ هِي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْ ـرَ بِهَا سُمِّيتْ قُرَيشٌ قُرَيشا
~تَأْكلُ الغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْركُ فِيْهَا لِذِي جَنَاحَينِ رِيْشا
ج 15 ص 524
~هَكَذَا فِي البِلَادِ حَيُّ قُرَيشٍ يَأْكُلُونَ البِلَادَ أَكْلًا كَمِيْشا
~وَلَهُم آخِرُ الزَّمَانِ نَبيٌّ يُكْثِرُ القَتْلَ فِيْهِمْ وَالخُمُوشا
وقال صاحب «المحكم» قريش> دابة في البحر لا تدعُ دابةً إلَّا أكلتها، فجميعُ الدَّواب تخافُها، وأنشد البيت الأول.
وقال الحافظُ العسقلاني والذي سمعتُه من أفواه أهل البحر القِرْش، بكسر القاف وسكون الراء، لكن البيت المذكور شاهدٌ صحيحٌ، فلعله من تغيير العامة، فإن البيت الأخير من الأبيات المذكورة يدلُّ على أنه من شعر الجاهلية والتَّصغير للتعظيم.
5 -وقيل سُمُّوا بذلك لمعرفتهم بالطِّعان، والتَّقرُّشُ وَقْعُ الأَسِنَّة، يقال تَقَارَشَتِ الرماحُ إذا تداخلتْ في الحرب.
6 -وقيل التَّقرُّش التَّنزه عن رَذَائِلِ الأمورِ ومَدَانِسِها وهم كذلك.
7 -وقيل جاء النَّضر بن كنانة في ثوب له متجِّمعًا، فقالوا قد تقرشُ في ثوبه.
8 -وقيل إنَّه جاء إلى قومه فقالوا كأنَّه جَمَلٌ قريش أي شديد.
9 -وقيل أوَّل من تَسَمَّى قريشًا قريش بن بدر بن يخلد بن النَّضر بن كنانة، وكان دليلَ بني كنانة في تجاراتهم وحروبهم، وكان يقال قَدِمَتْ عِيرُ قُريش فسُمِّيت قريش به، وأبوه صاحبُ بدر الموضع المعروف، حكاه الزُّبير بن بكَّار، عن عمِّه مصعب.
10 -وقيل هو من أقرش به إذا سعى به ووَقَعَ فيه.
11 -وقيل هو من أقرشتِ الشَّجةُ إذا صدعتِ العظمَ ولم تهشمْه.
12 -وقيل هو من تقرَّش فلانٌ الشَّيءَ إذا أخذه أولًا فأولًا، ومناسبة الكل لهم لا تخفى، وقد وردَ في فضيلتهم أشياء كثيرة، منها ما رُوي عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال (( من يريد هَوَانَ قريشٍ أهانه الله ) ).
وما رويَ عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله اصطفَى كنانةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى هاشمًا من قريشٍ، واصطفاني من بني هاشم ) )رواه مسلم، وكانت لقريش في الجاهليَّة مكارم منها السِّقاية، والعِمارة، والرِّفادة، والحجابة، والنَّدوة، واللِّواء، والمشورة، والقبَّة، والأعنَّة، والسفارة، والأيسار، والحكومة، والأموال، المُحَجَّرة، وكانوا يُسَمَّون آلُ الله، وجيرانُ الله، والنِّسبة إلى قريش قُرَشي،
ج 15 ص 525
وعن الخليل قُرَيْشِي أيضًا، فإن أردت بقريشٍ الحيَّ صرفته، وإن أردتْ به القبيلة لم تصرفه.