6345 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الأزدي الفراهيدي _ بالفاء _ البصري، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ أبي عبد الله الدَّستوائي، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) الحافظ المفسِّر (عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ) من العلوِّ، اسمه رُفيْع _ بضم الراء وفتح الفاء وسكون التَّحتية وبالعين المهملة _ الرِّيَاحي بكسر الراء وتخفيف التَّحتية وبالحاء المهملة، وقد رواه قتادة عنه بالعنعنة وهو مدلسٌ.
وقد ذكر أبو داود في «السنن» في (( كتاب الطَّهارة ) )عقب حديث أبي خالد الدَّالاتي عن قتادة، عن أبي العالية قال شعبة إنَّما سمع قتادة عن أبي العالية أربعة أحاديث حديث يونس بن متَّى، وحديث ابن عمر في الصَّلاة، وحديث القضاة ثلاثة،
ج 26 ص 513
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما شهد عندي رجالٌ مرضيُّون.
وروى ابن أبي حاتم في «المراسيل» بسنده عن يحيى القطَّان، عن شعبة قال لم يسمع قتادة عن أبي العالية إلَّا ثلاثة أحاديث فذكرها بنحوه، ولم يذكر حديث ابن عمر، وكأنَّ البُخاري لم يعتبر هذا الحصر؛ لأنَّ شعبة ما كان يحدث عن أحدٍ من المدلسين إلَّا بما يكون ذلك المدلس قد سمعَه من شيخه، وقد حدَّث شعبة بهذا الحديث عن قتادة، وهذا هو السِّرُّ في إيراده له معلَّقًا في آخر التَّرجمة من رواية شعبة. وأخرج مسلمٌ الحديث من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة أنَّ أبا العالية حدَّثه، وهذا صريحٌ في سماعه له منه. وأخرج البُخاري أيضًا من رواية قتادة، عن أبي العالية غير هذا، وهو حديث رؤية موسى وغيره ليلة أُسري به. وأخرجه مسلم أيضًا [خ¦3239] .
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، أنَّه (قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ) أي عند حلول الكرب، وفي رواية مسلم من طريق سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة (( كان يدعو بهنَّ ويقولهنَّ عند الكرب ) ). وله من رواية يوسف بن عبد الله بن الحارث، عن أبي العالية (( كان إذا حَزَبه أمر ... ) )وهو بفتح الحاء والزاي وبالموحدة؛ أي هجم عليه أو غلبه، وفي حديث عليٍّ رضي الله عنه عند النَّسائي، وصحَّحه الحاكم (( لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الكلمات، وأمرني إن نزل بي كربٌ أو شدَّةٌ أقولها ) ).
(يَقُوْلُ) وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ لفظ (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ الْعَظِيمُ) المطلق البالغ أقصى مراتب العظمة الذي لا يتصوَّره عقلٌ، ولا تُحيط بكنهه بصيرةٌ (الْحَلِيمُ) الَّذي لا يستفزُّه غضبٌ، ولا يحمله غيظٌ على استعجال العقوبة والمسارعة إلى الانتقام (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، ورَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وقد ثبتت الواو في قوله في رواية أبي ذرٍّ.
نقل ابن التِّين عن الدَّاودي أنَّه رواه برفع (( العظيمُ ) )، وكذا برفع (( الكريمُ ) )في الرواية الَّتي بعدها [خ¦6346] على أنَّهما نعتان للرَّبِّ، والَّذي ثبتَ في رواية الجمهور بالجرِّ على أنَّه نعتٌ للعرش، وكذلك قرأَ الجمهور في قوله تعالى
ج 26 ص 514
{رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة 129] و {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون 116] . وقرأ ابن محيصن آخر التَّوبة بالرفع نعتًا للرَّب، وجاء أيضًا عن ابن كثير، وعن أبي جعفر المدني، وأُعرب بوجهين
أحدهما ما تقدَّم، والثَّاني أن يكون مع الرَّفع صفة للعرش على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ قُطِعَ عمَّا قبله للمدح، ورجَّح بحصول توافق القراءتين.
ورجَّح أبو بكر الأصم جعل العظيم صفةً لله تعالى؛ لأنَّ وصفه تعالى بالعِظَم أولى من وصف العرش به، وفيه نظرٌ؛ لأنَّ وصف ما يُضافُ للعظيمِ بالعِظَم أقوى في تعظيمِ العظيم، وقد نَعَتَ الهدهد عرشَ بلقيس بأنَّه عرشٌ عظيمٌ، ولم ينكر عليه سليمان عليه السَّلام.
قال العلماءُ رحمهم الله الحليم الَّذي يؤخِّر العقوبة مع القدرة، والعظيم الَّذي لا شيءَ يعظم عليه، والكريم المعطي فضلًا، وسيأتي لذلك مزيدٌ في «شرح الأسماء الحسنى» قريبًا.
وقال الطِّيبي صدر هذا الثَّناء بذكر الرَّبِّ ليناسب كشف الكرب؛ لأنَّه مقتضى الرُّبوبية، وفيه التَّهليل المشتمل على التَّوحيد، وهو أصلُ التَّنزيهات الجلالية والعظمة الَّتي تدلُّ على تمامِ القدرة إذ العاجز لا يكون عظيمًا، والحلم الَّذي يدلُّ على العلم إذ الجاهل بالشَّيء لا يتصوَّر منه حلمٌ ولا كرمٌ، وهما أصل الأوصافِ الإكرامية.
ووجه تخصيص الذِّكر بالحليم؛ لأنَّ كربَ المؤمن غالبًا إنَّما هو على نوع تقصيرٍ في الطَّاعات، أو غفلةٍ في الحالات، وهذا يشعرُ برجاء العفو المقلِّل للحزن. فإن قيل الحلم هو الطُّمأنينة عند الغضب، وكيف يُطلق على الله عزَّ وجلَّ؟ فالجواب أنَّ المرادَ لازمها وهو تأخير العقوبة، ووجه تخصيص العرش بالذِّكر؛ لأنَّه أعظم أجسام العالم فيدخل الجميع تحتَه دخول الأدنى تحت الأعلى.
وتخصيصُ ذكر السَّموات والأرض؛ لأنَّهما من أعظم المشاهدات، ثمَّ الرَّبُّ يطلق في اللغة على المالك، والسَّيد، والمُدبِّر، والمربي، والمُتمِّم، والمنعم، ولا يطلق غير مضافٍ إلَّا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيرهِ أضيف، فيقال رَبُّ كذا.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله يدعو عند الكرب ... إلى آخره.