فهرس الكتاب

الصفحة 10267 من 11127

2 - (بابُ حُكْمِ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ) هل حكمهما سواءٌ أو لا؟ (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) عبد الله رضي الله عنهما (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم (وَإِبْرَاهِيمُ) أي النَّخعيّ (تُقْتَلُ الْمُرْتَدَّةُ) إن لم تتب، فعلى هذا لا فرق بين المرتدِّ والمرتدَّة، وإنّ حكمهما سواء، وأَثَرُ ابنِ عمر رضي الله عنهما أخرجه ابنُ أبي شيبة عن وكيعٍ عن سفيانَ عن عبد الكريم عمَّن سمع ابنَ عمر رضي الله عنهما.

وقال صاحب «التَّلويح» ينظر في جزم البخاريِّ على قول من قال المجزوم صحيحٌ، وأثر الزُّهري وصله عبد الرَّزاق عن مَعمر عن الزُّهري في المرأة تكفر بعد إسلامها؟ قال تستتابُ، فإنْ تابت وإلَّا قُتلت. وأَثَرُ إبراهيمَ أخرجه عبد الرَّزاق

ج 29 ص 7

أيضًا عن مَعمر عن سعيد بن أبي عَروبة عن أبي معشر عن إبراهيم مثله، واختَلف النَّقلة عن إبراهيم، فقد أخرج ابنُ أبي شيبة عن حفص عن عَبيدة عن إبراهيم لا تُقتل، قيل عَبيدة ضعيفٌ.

وروى أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رَزِين عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا تُقتل النِّساء إذا ارتددنَ، أخرجه ابنُ أبي شيبة والدَّارقطنيّ، وخالفه جماعةٌ من الحفَّاظ في لفظ المتن.

وأخرج الدَّارقطنيّ من طرقٍ عن ابن المنكدر عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ امرأةً ارتدت فأَمر النَّبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتلها. قال الحافظ العَسقلاني وهو يعكِّر على ما نقله ابن الطَّلاع في «الأحكام» أنَّه لم ينقل عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّه قتل مرتدَّةً.

(وَاسْتِتَابَتِهِمْ) كذا ذكر هذا بعد ذكر الآثار المذكورة، وفي رواية أبي ذرٍّ ذكره قبلها، وفي رواية القابسي بالتَّثنية على الأصل؛ لأنَّ المذكور اثنان المرتدُّ والمرتدَّة.

وأمَّا وجه الجمع، فقال الحافظ العَسقلانيّ جَمْعٌ على إرادة الجنس.

وتعقَّبه العينيُّ بل هو على مذهب من يرى إطلاق الجمع على التَّثنية، كما في قوله تعالى {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم 4] والمراد قلباكما.

قال ابنُ المنذر قال الجمهور تُقتلُ المرتدَّة، وقال عليٌّ تُسترقَ، وقال عمرُ بن عبد العزيز تباع بأرضٍ أخرى، وقال الثَّوريّ تُحبسُ ولا تُقتل، وأسنده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو قول عطاءٍ. وقال أبو حنيفة تُحبس الحرَّة، ويؤمر مولى الأمة أن يُجبرها.

(وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى) في سورة آل عمران ( {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ) استبعادٌ لأنْ يهديهم الله، فإنَّ الحائد عن الحقِّ بعد ما وَضَحَ له منهمكٌ في الضَّلال بعيدٌ عن الرَّشاد، وقيل نفيٌ وإنكارٌ له، وذلك يقتضي أن لا تُقبلَ توبة المرتدِّ، والآيةُ نزلت في رهطٍ أسلموا، ثمَّ رجعوا عن الإسلام، ولحقوا بمكَّة.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان رجلٌ من الأنصار أسلم ثمَّ ارتدَّ، ثمَّ ندم، فأرسل إلى قومه، فقالوا يا رسول الله هل له من توبةٍ؟ فنزلت {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا} إلى قوله {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} فأسلم. رواه النَّسائي وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم، وقال صحيحُ الإسناد ولم يخرِّجاه.

والواو في قوله ( {وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ} )

ج 29 ص 8

للحال، وقد مُضْمَرةٌ؛ أي كفروا وقد شهدوا أيْ الرَّسول أنَّ محمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حقٌّ، أو للعطف على ما في إيمانهم من معنى الفعل؛ لأنَّ معناه بعد أن آمنوا {وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} من الشَّواهد كالقرآن وسائرِ المعجزات؛ أي قامت عليهم الحُجج والبراهين على ما جاء به الرَّسول، ووَضَحَ لهم الأمر، ثمَّ ارتدُّوا إلى ظُلمة الشِّرك، فكيف يستحقُّ هؤلاء الهداية بعد ما تلبَّسوا به من العماية؟ ولذلك قال ( {وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ) أو ما داموا مختارين الكفر، أو لا يهديهم طريق الجنَّة إذا ماتوا على الكفر ( {أُولَئِكَ} ) مبتدأ ( {جَزَاؤُهُمْ} ) مبتدأ ثانٍ خبره ( {أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ} ) وهما خبر أولئك أو جزاؤهم بدل اشتمالٍ عن أولئك ( {وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. خَالِدِينَ} ) حال من الهاء والميم في عليهم ( {فِيهَا} ) أي في اللَّعنة، أو العقوبة، أو النَّار، وإن لم يجز ذكرهما لدَلالة الكلام عليهما، وهو يدلُّ بمنطوقه على جواز لعنهم، وبمفهومهِ يَنفي جواز لعنِ غيرهم.

ولعلَّ الفرق أنَّهم مطبوعون على الكفر ممنوعون عن الهدى مأيوسون عن الرَّحمة، بخلاف غيرهم، والمراد بالنَّاس المؤمنون أو العموم؛ فإنَّ الكافر أيضًا يَلعنُ مُنكِرَ الحقِّ والمرتدَّ عنه، ولكن لا يَعرف الحقَّ بعينه، قاله القاضي.

( {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ*إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ) الارتداد ( {وَأَصْلَحُوا} ) ما أفسدوا أو دخلوا في الصَّلاح ( {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ} ) لكفرهم ( {رَحِيمٌ} ) بهم، وهذا من لطفهِ ورحمتهِ ورأفتهِ وعادته على خلقه، أنَّه من تابَ إليه تاب عليه ( {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} ) بعيسى والإنجيل ( {بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} ) بموسى والتَّوراة ( {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} ) بمحمَّد والقرآن، أو كفروا بمحمَّد بعد ما كانوا به مؤمنين قبل مبعثه، ثمَّ ازدادوا كفرًا بإصرارهم على ذلك، وطعنهم فيه في كلِّ وقتٍ، أو نزل في الَّذين ارتدُّوا ولحقوا بمكَّة، وازديادُهم الكفر أن قالوا نقيم بمكَّة نتربَّص بمحمَّد رَيْبَ المَنوْن.

( {لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ} ) إيمانهم؛ لأنَّهم لا يتوبون، أو لا يتوبون إلى أن أشرفوا على الهلاك، فكنى عن عدم توبتهم بعدم قبولها ( {وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} ) الثَّابتون على الضَّلالة، وسقط في رواية أبي ذرٍّ من قوله < {وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} > ... إلى آخر قوله < {الضَّالُّونَ} > وقال بعد قوله {حَقَّ} .

ج 29 ص 9

وفي رواية القابسي بعد قوله {حقَّ} وساق في رواية كريمة والأصيليّ إلى آخر الآيات الخمس، وفي رواية النَّسفيّ < {كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ} الآيتين إلى قوله {كافرين} > وكأنَّه وقع عنده خلط هذه بالَّتي بعدها.

(وَقَالَ) جلَّ وعلا ( {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ) أي التَّوراة ( {يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} ) بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( {كَافِرِينَ} ) وفيها إشارةٌ إلى التَّحذير من مصادقةِ أهل الكتاب إذ لا يُؤمَنوا أن يَفتنوا مَن صادقهم عن دينه، حذَّر الله عبادهُ المؤمنين عن أن يطيعوا طائفةً من الَّذين أوتوا الكتاب الَّذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهُم الله من فضْلهِ، وما منحهم به من إرسال رسوله.

(وَقَالَ) تعالى في سورة النِّساء ( {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} ) بموسى عليه السَّلام ( {ثُمَّ كَفَرُوا} ) حين عبدوا العجل ( {ثُمَّ آمَنُوا} ) بموسى بعد عوده ( {ثُمَّ كَفَرُوا} ) بعيسى عليه السَّلام ( {ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا} ) بكفرهم بمحمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} ) إلى النَّجاة، أو إلى الجنَّة، أو هم المنافقون، آمنوا في الظَّاهر، وكفروا في السَّريرة بعد أخرى، وازديادُ الكفر منهم ثباتُهم عليه إلى الموت، وسقط في رواية أبي ذرٍّ من قوله < {ثُمَّ كَفَرُوا} > وقال إلى < {سبيلًا} >، وفي رواية النَّسفي < {ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا} الآية> وسيقت بتمامها في رواية كريمة.

أخبر الله تعالى عمَّن دخل في الإيمان، ثمَّ رجعَ واستمرَّ على ضلاله، وازداد حتَّى مات، فإنَّه لا يغفر الله له، ولا يجعل له فرجًا ولا مخرجًا ولا طريقًا إلى الهدى، ولهذا قال {لم يكن الله ليغفرَ لهم} .

(وَقَالَ) تعالى في سورة المائدة ( {مَنْ يَرْتَدَّ} ) بتشديد الدّال بالإدغام، وفي رواية أبي ذرٍّ بالإظهار على الأصل للجزم، وهي قراءةُ نافعٍ وابنِ عامر، ويقال إنَّ الإدغامَ لغةُ تَميم، والإظهارَ لغةُ الحجاز، وأوَّل الآية {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ} [المائدة 54] ( {مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} ) من يرجعُ منكم عن دين الإسلام إلى ما كان عليه من الكفر.

( {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} ) قال الحسنُ هو والله أبو بكرٍ وأصحابه رضي الله عنهم، رواه ابنُ أبي حاتم،

ج 29 ص 10

وقال أبو بكر ابنُ أبي شيبة سمعت أبا بكر بن عيَّاش يقول هم أهل القادسيَّة؛ أي الَّذين جاهدوا يوم القادسيَّة، وعن مجاهدٍ هم قومٌ مِن سبأ، وقال ابنُ أبي حاتمٍ بإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال ناسٌ من أهل اليمن، ثمَّ من كِنْدة، ثمَّ من الشُّكوك؛ أي فسوف يأتي الله بقومٍ مكانهم، ومحبَّةُ الله تعالى للعباد إرادةُ الهدى، والتَّوفيقُ لهم في الدُّنيا، وحُسنُ الثَّواب في الآخرة، ومحبَّةُ العباد له إرادةُ طاعته، والتَّحرّزُ عن معاصيه.

( {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ) عاطفين عليهم متذلِّلين لهم على سبيل التَّواضع، جَمْعُ ذليل، واستعماله مع (( على ) )إمَّا لتضمُّنه معنى العطف والحنوّ، أو التَّنبيهِ على أنَّهم مع علوِّ طبقتهِم وفضلهم على المؤمنين حافظون لهم ( {أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} ) أشدَّاء عليهم فهم على المؤمنين كالولد لوالده والعبد لسيِّده، ومع الكافرين كالسَّبُع على فريستهِ، وسيقت هذه الآية الكريمة بتمامها في رواية كريمة، وسقط في رواية أبي ذرٍّ من قوله < {أذلَّة} ... > إلى آخر الآية.

( {وَلَكِنْ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ أي الله جلَّ وعلا ( {مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} ) طاب به نفسًا فاعتقده ( {فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ) إذ لا أعظم من جُرمه ( {ذَلِكَ} ) إشارةٌ إلى الوعيد، وهو لحوق الغضب والعذاب الأليم ( {بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا} ) أي آثروا ( {الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ} ) أي بسبب إيثارهم الدُّنيا على الآخرة.

( {وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} ) ما داموا مختارين للكفر ( {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} ) فلا يتدبَّرون ولا يصغون إلى المواعظ ولا يبصرون طريق الرَّشاد ( {وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} ) الكاملون في الغفلة، لا أحدَ أغفل منهم؛ لأنَّ الغفلةَ عن تدبُّر العواقب هي غاية الغفلة ومنتهاها.

( {لاَ جَرَمَ} ) بمعنى حقًّا، وجَرَمَ فِعْلٌ عند البصريِّين، واسمٌ عند الكوفيِّين بمعنى حقًّا، وتدخل اللام في جوابه نحو لا جرم لآتينَّك، وقال تعالى {لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ} [النحل 62] فعلى قول البصريِّين (( لا ) )ردٌّ لقول الكفَّار، و (جَرَم) معناه عندهم كسب؛ أي كسب كفرهم النَّار ( {أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} ) إذ ضيَّعوا أعمارَهُم، وصرَفوها فيما أفضى بهم إلى العذاب المخلَّد، وفي الآية وعيدٌ شديدٌ لمن ارتدَّ مختارًا؛ لقوله {وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} [النحل 106] . .. إلى آخره.

(إِلَى قَوْلِهِ {إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لغفور رحيم} )

ج 29 ص 11

أي من بعد الأفعال المذكورة، قيل وهي الهجرة والاجتهاد [1] والصَّبر، حيث قال الله تعالى {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل 110] .

( {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ} ) إلى الكفر، وحتَّى معناها التَّعليل، نحو فلانٌ يعبد الله حتَّى يدخلَ الجنَّة؛ أي يُقاتلونكم كي يَردُّوكم، وقوله ( {إِنِ اسْتَطَاعُوا} ) استبعادٌ لاستطاعتهم ( {وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} ) ومن يرجع عن دينه إلى دينهم ( {فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ} ) أي فيمت على الرِّدَّة.

( {فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} ) ما يفوتهم بالرِّدَّة ممَّا للمسلمين في الدُّنيا من ثمرات الإسلام، وفي الآخرة من الثَّواب وحسن المآب ( {وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ) كسائر الكفرة، هذه الآية في سورة البقرة، وسيقت بتمامها في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذرٍّ سقط من قوله < {وَمَنْ يَرْتَدِدْ} ... > إلى آخرها.

واحتجَّ الإمام الشَّافعي بالتَّقييد في الرِّدَّة بالموت عليها أنَّ الرِّدَّة لا تُحبط العمل إلَّا بالموت عليها، وقالت الحنفيَّة قد علَّق الحبط بنفس الرِّدَّة بقوله (( ومن يكفر بالإيمان فقد حبطَ عمله ) ) [المائدة 5] ، والأصل عندنا أنَّ المطلق لا يُحملُ على المقيَّد، وعند الشَّافعيّ يُحملُ عليه.

قال ابن بطَّال اختلف في استتابة المرتدِّ فقيل يُستتاب، فإن تاب وإلَّا قتل، وهو قولُ الجمهور، وقيل يجبُ قتله في الحال، جاء ذلك عن الحسن وطاوس، وبه قال أهل الظَّاهر.

قال الحافظ العَسقلاني ونقله ابنُ المنذر عن معاذ وعُبيد بن عُمير، وعليه يدلُّ تصرُّف البخاريِّ، فإنَّه استظهر بالآيات الَّتي لا ذكر فيها للاستتابة، والَّتي فيها، أنَّ التَّوبة لا تنفع، ولعموم قوله [صلى الله عليه وسلم] (( من بدل دينه فاقتلوه ) )، وبقصَّة معاذٍ الَّتي بعدها، ولم يَذكر غير ذلك.

قال الطَّحاوي ذهب هؤلاء إلى أنَّ حكمَ مَن ارتدَّ عن الإسلام حكمُ الحربيِّ الَّذي بَلَغتْه الدَّعوة، فإنَّه يُقاتل قبل أن يدعى، قالوا وإنَّما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرةٍ، فأمَّا من خرج عن بصيرةٍ فلا.

ثمَّ نَقل عن أبي يوسفَ موافقتَهم، لكن قال إن جاء مبادرًا بالتَّوبة خُلّيت سبيلُه ووُكل أمرُه إلى الله تعالى، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وعطاء إن كان أصله مسلمًا استُتِيبب.

واستدلَّ ابن القصَّار

ج 29 ص 12

لقول الجمهور بالإجماع؛ يعني السُّكوتيَ؛ لأنَّ عمر رضي الله عنه كتب في أمر المرتدِّ هلَّا حبستموه ثلاثة أيَّامٍ وأطعمتموه في كلِّ يومٍ رغيفًا لعلَّه يتوب فيتوبُ الله عليه، ولم يُنكر ذلك أحدٌ من الصَّحابة، كأنَّهم فهموا من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( من بدَّل دينه فاقتلوه ) )؛ أي إن لم يسلم، وقد قال الله تعالى {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} [التوبة 5] .

واختلف القائلون بالاستتابة هل يكتفي بالمرَّة أو لا بدَّ من ثلاث، وهل الثَّلاث في مجلسٍ أو في يومٍ أو في ثلاثة أيام؟. وعن عليٍّ رضي الله عنه يستتاب شهرًا، وعن النَّخعي يستتاب أبدًا، كذا نقله عنه مطلقًا، والتَّحقيق أنَّه في حقِّ مَن تكرَّرت منه الرِّدَّة.

وسيأتي مزيد في الحديث الأوَّل عند ذكر الزَّنادقة [خ¦6922] .

[1] في هامش الأصل في نسخة صحيحة والجهاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت