(((94 ) )) (سُوْرَةُ {أَلَمْ نَشْرَحْ} ) وفي نسخة بزيادة < {لَكَ} >، وفي أخرى < {أَلَمْ نَشْرَحْ} > حسب، وهي رواية غير أبي ذرٍّ، وهي مكيَّةٌ، وهي مائة وثلاثة أحرف، وسبع وعشرون كلمة، وثمان آيات.
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ)
ج 21 ص 405
لم تثبت البسملة إلَّا في رواية أبي ذرٍّ وحدَه، ثمَّ قوله تعالى {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكْ} أي ألم نفتح ونوسع ونليِّن لك قلبك بالإيمان والنُّبوَّة والعلم والحكمة، والهمزة فيه ليست على الاستفهام الحقيقي، بل معناه شرحنا لك صدرك، ولهذا عطف {وَوَضَعْنَا} عليه.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {وِزْرَكَ} فِي الْجَاهِلِيَّةِ) وفي نسخة < {وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} > بزيادة قوله (( {وَوَضَعْنَا عَنْكَ} ) )وصله الفريابي من طريقه. وقرأ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (( وحللنا عنك وزرك ) ).
وقوله (( في الجاهلية ) )صفةٌ للوزرِ لا متعلق بالوضع، وأرادَ به الوزر الكائن في الجاهليَّة من ترك الأفضل، والذَّهاب إلى الفاضل. وعن الحسين بنِ الفضل يعني الخطأ والسَّهو، وقيل ذنوب أمَّتك، وإضافتها إليه؛ لاشتغال قلبه بها، واهتمامه لها.
( {أَنْقَضَ} أَثْقَلَ) وفي نسخة < {أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} أثقل> بزيادة {ظَهْرَكَ} وأثقل بمثلثة وقاف ولام، كذا في الفرع كأصله، وفي نسخة بمثناة فوقية وقاف ونون.
قال القاضي عياض كذا في جميع النسخ، وهو وهمٌ، والصَّواب أثقل، تقول العرب أنقض الحِمل ظهرَ النَّاقة إذا أثقلها. وعن الفراء كسرَ ظهرك حتَّى سمعَ نقيضَه وهو صوته، ومنه سمعتُ نقيض الرَّحل؛ أي صريره. وقال الأصيلي أيضًا هذا وهمٌ في رواية الفربريِّ. وعند ابن السَّماك (( أثقل ) )بالمثلثة، وهو أصحُّ.
وقد وقع عند ابن السَّكن ويُروى وهو الصَّواب، ووقع في الحاشية ويُروى وهو أصحُّ من أتقن. وكذا وقع في رواية المستملي، وزاد فيه ، ووقع في الكتاب خطأ.
قال الحافظ العسقلاني أبو معشر هو حمدويه بن الخطاب بن إبراهيم البخاري كان يستملي على البخاري، وشاركه في بعض شيوخهِ، وكان صدوقًا وأُضِرَّ بآخره.
وقد أخرجه الفريابيُّ من طريق مجاهدٍ بلفظ {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ} [الشرح 3] قال أثقل، وهذا هو الصَّواب، كما عرفت.
( {مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ) هو سفيان (أَيْ مَعَ ذَلِكَ الْعُسْرِ يُسْرًا آخَرَ) أشار به إلى قول النُّحاة إنَّ النَّكرة إذا أُعيدت نكرة فهي غير الأولى، والمعرفة إذا أعيدت معرفة
ج 21 ص 406
فهي عين الأولى، فاليسر هنا اثنان، والعسر واحد.
قال الفرَّاء إذا ذكرت العرب نكرةً ثمَّ أعادتها نكرة مثلها صارتا اثنتين، كقولك إذا كسبت درهمًا، فأنفق درهمًا، فإنَّ الثَّاني غير الأول، فإذا أعادتها معرفة، فهي هي نحو قوله {كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا*فَعَصَى فِرْعَونُ الرَّسُولَ} [المزمل 15 - 16] ، وذكر الزَّجَّاج نحوه.
وقال السيِّد في «الأمالي» وإنَّما كان العسر معرفًا، واليسر منكرًا؛ لأنَّ الاسم إذا تكرر منكرًا، فالثاني غير الأول كقولك جاءني رجلٌ، فقلت لرجل كذا وكذا، وكذلك إذا كان الأوَّل معرفة والثاني نكرة، نحو حضر الرَّجل، وأكرمت رجلًا.
(كَقَوْلِهِ {هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} ) وموقع التَّشبيه أنَّه كما ثبت للمؤمنين تعدد الحسنى، كذا ثبت لهم تعدُّد اليُسْر، والمراد بإحدى الحُسنيين إحدى العاقبتين اللَّتين كلٌّ منهما حسنى النُّصرة والشَّهادة.
وقد ذهب ابنُ عيينة إلى أنَّ المراد بأحد اليسرين الظَّفر، وبالآخر الثَّواب، فلابدَّ للمؤمن من أحدهما، ولا مانع من الجمع بينهما.
(وَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ) هو عطفٌ على قوله «كقوله» لا على مقوله. وقد تردَّد الكرماني في أنَّه حديثٌ أو أثرٌ، وقد رُوي هذا مرفوعًا موصولًا ومرسلًا، ورُوي أيضًا موقوفًا، فأمَّا المرفوع فأخرجه ابن مَرْدويه من حديث جابرٍ رضي الله عنه بإسنادٍ ضعيفٍ ولفظه (( أُوحي إليَّ أنَّ مع العسر يسرًا، ولن يغلب عسرٌ يسرين ) ).
وأخرج سعيد بن منصور وعبد الرَّزَّاق من حديث ابن مسعودٍ رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لو كان العسر في حُجْرٍ لدخل عليه اليسر حتَّى يُخرجه، ولن يغلبَ عسرٌ يسرين، ثمَّ قال {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا*إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرَى} [الشرح 5 - 6] ) )وإسناده ضعيفٌ.
وأمَّا المرسل فأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة قال ذُكر لنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بشَّر أصحابه بهذه الآية وقال (( لن يغلب عسرٌ يسرين إن شاء الله ) ).
وأمَّا الموقوف فأخرجه مالكٌ، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر رضي الله عنه أنَّه كتب إلى أبي عبيدة يقول مهما يَنْزل بامرئٍ من شدَّةٍ يجعل الله له بعدها فرجًا، وإنَّه لن يغلبَ عسرٌ يسرين.
وقال الحاكم صحَّ ذلك عن عمر وعليٍّ رضي الله عنهما، وهو في «الموطأ» عن عمر رضي الله عنه، لكن من طريقٍ منقطعٍ. وأخرجه عبد بن حميد عن ابن مسعودٍ رضي الله عنه بإسنادٍ جيِّدٍ، وأخرجه الفرَّاء بإسنادٍ ضعيفٍ
ج 21 ص 407
عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {فَانْصَبْ} فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ) أي قال مجاهد في قوله تعالى {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح 7] أي انصب في حاجتك إلى ربِّك، يعني إذا فرغت عن العبادة فاجتهد في الدُّعاء في قضاء الحوائج. وصله ابن المبارك في «الزهد» عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ} [الشرح 7] في صلاتك {وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح 8] قال اجعل نيَّتك ورغبتك إلى ربِّك.
وروى أبو جعفر من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ إذا قمتَ إلى الصَّلاة، فانصب في حاجتك إلى ربِّك. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم قال إذا فرغت من الجهاد فتعبَّد. ومن طريق الحسن نحوه. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما إذا فرغت ممَّا فرض الله عليك من الصَّلاة فسل الله، وارغب إليه، وانصب له؛ أي فانصب في الدُّعاء، وارغبْ إليه في المسألة. وقال قتادة أمره إذا فرغَ من صلاته أن يُبالغَ في دعائه.
ثمَّ قوله {فَانْصَبْ} من النَّصب، وهو التَّعب في العمل، وهو من نصبَ ينصبُ من باب علم يعلم.
(وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح 1] شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ [1] ) وسقط في رواية غير أبي ذرٍّ < {لَكَ صَدْرَكْ} >.
رواه ابن مردويه من طريق ابن جريجٍ عن عطاء عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي إسناده راوٍ ضعيف. ولم يذكر البخاريُّ رحمه الله في هذه السُّورة حديثًا مرفوعًا، ويدخل فيها حديثٌ أخرجه الطَّبري، وصحَّحه ابن حبَّان من حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه رفعه (( أتاني جبريل فقال يقول لك ربك أتدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت الله أعلم قال إذا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ معي ) ). وهذا أخرجه الشَّافعي وسعيد بن منصور وعبد الرَّزَّاق من طريق مجاهد. وذكر التِّرمذي والحاكم في تفسيرها قصَّة شرح صدره صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وقد مضى الكلام عليه في أوائل «السيرة النبوية» [خ¦3887] .
[1] في هامش الأصل شرح الله صدره للإسلام حتى تمكن فيه بيسير عبر به عن خلق نفسه شديدة الاستعداد لقبوله غير متأبية عنه من حيث إن الصدر محل القلب المنبع للروح المتعلق بالنفس القابل للإسلام. منه.