1755 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مُسَرْهَد، قال (حَدَّثَنَا سُفْيانُ) هو ابن عيينة (عَنِ ابنِ طاوُسٍ) عبد الله بن طاوس (عَنْ أَبِيهِ) طاوس بن كيسان (عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ أُمِرَ النَّاسُ) على البناء للمفعول، وأصل الكلام أمر النَّبي صلى الله عليه وسلم النَّاس أمْرَ وجوبٍ أو نَدْب بناء على الاختلاف فيه إذا أرادوا سفرًا (أنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ) طوافَ الوداع (بِالبَيْتِ) برفع (آخر) اسم كان و (بالبيت) خبرها، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنصب خبرها.
(إلاَّ أَنَّهُ خُفِّفَ) على صيغة المجهول (عَنِ الْحَائِضِ) فلم يجب عليها، واستُفيد الوجوبُ عَلى غيرِها مِنَ الأَمر المؤكَّد والتَّعبير في حقِّ الحائض بالتَّخفيف؛ لأنَّ التَّخفيف لا يكون إلَّا من أمْرٍ مؤكَّد، وسيأتي التَّفصيل في ذلك في آخر الباب إن شاء الله تعالى.
وقد روى مسلم، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما نحوه، وروى أيضًا عن سليمان بن الأحول، عن طاوس، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما فصرَّح فيه بالرَّفع حيث قال كان النَّاس ينصرفون في كلِّ وجهٍ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا ينفرنَّ أحدكم حتَّى يكون آخر عهده بالبيت ) )؛ أي الطَّواف به كما رواه أبو داود قال زهير (( ينصرفون كلَّ وجهٍ ) )، ولم يقل (في) .
وروى مسلم أيضًا من رواية الحسن بن مسلم، عن طاوس قال كنت مع ابن عبَّاس رضي الله عنهما إذ قال زيد بن ثابت رضي الله عنه تفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عبَّاس رضي الله عنهما إمَّا لَا فسل فلانة الأنصاريَّة هل أمرها بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال فرجع زيدٌ إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهم يضحك وهو يقول ما أراك إلَّا قد صدقت.
وفي رواية النَّسائي فسألها زيدٌ ثمَّ رجع وهو يضحك
ج 8 ص 349
فقال الحديثُ كما حدَّثتني.
وفي رواية البيهقيِّ أرسل زيدٌ رضي الله عنه إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنِّي وجدت الذي قلت كما قلتَ فقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما إنِّي لا أعلم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للنِّساء، ولكن أحببت أن أقول ما في كتاب الله تعالى ثمَّ تلا هذه الآية {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج 29] ، فقد قَضَت التَّفَثَ ووَفَّت النُّذر وطافت بالبيت فما بقي؟
ثمَّ إنَّ قوله إِمَّالَا، بكسر الهمزة وتشديد الميم وفتح اللام، وبالإمالة الخفية وهو الصَّواب المشهور، قال القاضي ضبطه الطَّبري والأَصيليُّ بكسر اللام قال والمعروف في كلام العرب فتحها إلَّا على لغة من يميل، وقال ابن الأنباريِّ قولهم افعل هذا إمَّا لا، معناه افعله إن كنت لا تفعل غيره.
وقال ابن الأثير أصل هذه الكلمة إنْ وما فأدغمت النون في الميم وما زائدة في اللفظ لا حكم لها، وقد أمالت العرب لا إمالةً خفية قال والعوام يشبعون إمالتها فتصير ألفها ياء وهو خطأ، ومعناه إن لم تفعل هذا فليكن هذا.
قال النَّووي هو؛ يعني طواف الوداع واجبٌ يلزم بتركه دم على الصَّحيح عندنا، وهو قول أكثر العلماء، وقال مالك وداود وابن المنذر هو سنةٌ لا شيء في تركه.
وقال أصحابنا الحنفيَّة وهو واجبٌ على الآفاقي دون المكي والميقاتي ومن دونهم، وقال أبو يوسف أحبُّ إليَّ أن يطوف المكِّي لأنَّه يختم المناسك، ولا يجب على الحائض والنُّفساء ولا على المعتمر؛ لأنَّ وجوبه عرف نصًّا في الحجِّ فيقتصر عليه ولا على فائت الحج؛ لأنَّ الواجب عليه العمرة وليس لها طواف الوداع.
وقال مالكٌ إنَّما أمر النَّاس أن يكون آخر نسكهم الطَّواف؛ لقوله تعالى {وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج 32] وقال {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج 33] فمحلُّ الشَّعائر كلِّها وانقضاؤُها بالبيت العتيق.
وقد سبق آنفًا أنَّ الوجوب قد استفيد من الأمر المؤكَّد والتَّعبير في حقِّ الحائض بالتَّخفيف، قال في «فتح القدير» لا يقال أمر ندبٍ بقرينة المعنى وهو أنَّ المقصود الوداع لأنَّا نقول ليس هذا يصلح صارفًا عن الوجوب؛ لجواز أن يُطْلَب حتمًا لما في عدمه من شائبة عدم التَّأسف على الفراق
ج 8 ص 350
وعدم المبالاة به، على أنَّ معنى الوداع ليس مذكورًا في النصوص، بل المذكور أن يجعل آخر عهدهم بالطَّواف، فيجوز أن يكون معلولًا بغيره ممَّا لم نقف عليه، ولو سَلِمَ فإنَّما تُعْتَبر دلالة القرينة إذا لم يقم منها ما يقتضي خلاف مقتضاها، وهنا كذلك، فإنَّ لفظ التَّرخيص يفيد أنَّه حتم في حقِّ من لم يُرَخَّص له؛ لأنَّ معنى عدم التَّرخيص في الشَّيء هو تحتُّم طلبه؛ إذ التَّرخيص فيه هو إطلاق تركه فعدمه عدم إطلاق تركه، والله أعلم.
ومن أخَّر طواف الوداع وخرج ولم يطف، قال مالكٌ إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شيء عليه. وقال عطاء والثَّوري وأبو حنيفة والشَّافعي في أظهر قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور إن كان قريبًا رجع وإن كان تباعد مضى وأهرق دمًا.
واختلفوا في حدِّ القرب، فروي أنَّ عمر رضي الله عنه ردَّ رجلًا من مرِّ الظَّهران إن لم يكن ودَّع، وبين مرَّ الظَّهران ومكة ثمانية عشر ميلًا، وعند أبي حنيفة يرجع ما لم يبلغ المواقيت، وعند الشَّافعي يرجع من مسافةٍ لا تُقْصَر فيها الصَّلاة، وعند الثَّوري يرجع ما لم يخرج من الحرم.
واختلفوا فيمن ودَّع ثمَّ بَدَا له في شِراء حَوائِجه فقال عطاء يعيد حتَّى يكون آخر عهده الطَّواف بالبيت، ونحوه قال الثَّوري والشَّافعي وأحمد وأبو ثور.
وقال مالكٌ لا بأس أن يشتريَ بعض حوائجه وطعامه في السُّوق ولا شيء عليه، وإن أقام يومًا أو نحوه أعاد، وقال أبو حنيفة لو ودَّع وأقام شهرًا أو أكثر أجزأه ولا إعادة عليه.
وقال القسطلانيُّ وليس هو؛ يعني طوافَ الوداع، من المناسك بل هو عبادة مستقلَّة لاتِّفاقهم على أنَّ قاصد الإقامة بمكَّة لا يُؤْمَرُ به، ولو كان منها لأُمِرَ به، وهذا ما صحَّحه النَّووي والرَّافعي، ونقلاه عن صاحبي «التَّتمة والتَّهذيب» وغيرهما. ونقلا عن الإمام والغزالي أنَّه منها ويختصُّ بمن يريد الخروج من ذوي النُّسك، قال السَّبكي وهذا هو الذي تظاهرت عليه نصوص الشَّافعي والأصحاب، ولم أر من قال إنَّه ليس منها إلَّا المتولِّي، فجعله تحيَّةً للبُقْعَة مع أنَّه يمكن تأويل كلامه على أنَّه ليس ركنًا منها، كما قال غيره إنَّه ليس بركنٍ ولا شرطٍ.
قال وأمَّا استدلال الرَّافعي والنَّووي
ج 8 ص 351
بأنَّه لو كان منها لأُمِرَ به قاصدُ الإقامة بمكَّة، فممنوعٌ؛ لأنَّه إنَّما شرع للمفارقة ولم تحصل، كما أنَّ طواف القدوم لا يشرع للمحرم من مكَّة، ويلزمهما القول بأنَّه لا يجبر بدم، ولا قائل به.
وذكر نحوه الأسنويُّ، فمن أراد الخروج من مكَّة إلى مسافة القصر أو دونها وجب عليه طواف الوداع، سواءٌ كان مكيًّا أو آفاقيًّا؛ تعظيمًا للحرم، وهذا مذهب الشَّافعية والحنفيَّة والحنابلة، وقالت المالكيَّة مندوبٌ إليه ولا دم في تركه.
قال القسطلانيُّ ولا وداع على مريد الإقامة وإن أراد السَّفر بعده، قاله الإمام، ولا على مريد السَّفر قبل فراغ الأعمال، ولا على المقيم بمكَّة الخارج للتَّنعيم ونحوه؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرَّحمن أخا عائشة رضي الله عنهما بأن يعمرها من التَّنعيم ولم يأمرها بوداعٍ، فلو نفر من منى ولم يطفْ للوداع جبر بدم لتركه نسكًا واجبًا، ولو أراد الرُّجوع إلى بلده من منى لزمه طواف الوداع، وإن كان قد طافه قبل عوده من مكَّة إلى منى، كما صرَّح به في «المجموع» ، فإن عاد بعد خروجه من مكَّة أو منى بلا وداع قبل مسافة القصر وطاف للوداع سقط عنه الدَّم؛ لأنَّه في حكم المقيم لا إن عاد بعدها، فلا يسقط؛ لاستقراره بالسَّفر الطَّويل، ولا يلزم الطَّواف حائضًا طهرت خارج مكَّة ولو في الحرم. انتهى.
وهذا الحديث قد سبق في الطَّهارة [خ¦329] ، ويأتي قريبًا إن شاء الله تعالى [خ¦1760] ، وقد أخرجه مسلم والنَّسائي في الحجِّ أيضًا.