فهرس الكتاب

الصفحة 1084 من 11127

678 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية بالإفراد (إِسْحَاقُ ابْنُ نَصْرٍ) بفتح النون، سكون الصاد المهملة، هو إسحاق بن إبراهيم بن نصر، روى عنه البخاري في غير موضع من كتابه، مرَّة يقول حَدَّثنا إسحاق بن إبراهيم بن نصر، ومرَّة يقول حَدَّثنا إسحاق ابن نصر فينسبه إلى جدِّه.

(قَالَ حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ) هو ابن علي بن الوليد الجعفي الكوفي (عَنْ زَائِدَةَ) هو ابن قدامة (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ) بصيغة التَّصغير، هو ابنُ سويد الكوفي، وكان معروفًا بعبد الملك القبطيِّ؛ لأنَّه كان له فرس سابق يعرف بالقبطيِّ [1] فنسب إليه، وكان قاضيًا بالكوفة بعد الشَّعبي، وهو أوَّل من عبر جيحون نهر بلخٍ على طريق سمرقند، توفِّي سنة ستٍّ أو ثلاثٍ وثلاثين ومئة، وعمره مئة سنة وثلاث سنين.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو بُرْدَةَ) عامر بن أبي موسى (عَنْ) أبيه (أَبِي مُوسَى) عبد الله بن قيس الأشعريِّ رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد كلُّهم كوفيُّون ما خلا شيخ المؤلِّف، وفيه أنَّ شيخه من أفراده، وفيه رواية التَّابعي عن التَّابعي عن الصَّحابي، وقد أخرج متنه المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» أيضًا [خ¦3385] ، وأخرجه مسلم في «الصَّلاة» .

(قَالَ مَرِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مرضه الذي مات فيه (فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ) وحضرت الصَّلاة (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم لمن حضره (مُرُوا أَبَا بَكْرٍ) رضي الله عنه (فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَتْ عَائِشَةُ) أمُّ المؤمنين رضي الله عنها (إِنَّهُ) أي أنَّ أبا بكر رضي الله عنه (رَجُلٌ رَقِيقٌ) أي رقيق القلب سريع البكاء (إِذَا قَامَ مَقَامَكَ لَمْ يَسْتَطِعْ) من البكاء؛ لكثرة حزنه ورقَّة قلبه (أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم للحاضرين أيضًا (مُرُوا) وفي رواية خطابًا لعائشة رضي الله عنها (أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فَعَادَتْ) عائشة رضي الله عنها إلى مقالتها الأولى.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مُرِي أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ) ويروى في المواضع الثلاثة بإثبات الياء على قياس قراءة قوله تعالى {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِي وَيَصْبِرْ} [يوسف 90] في رواية قُنْبل عن ابن كثير.

(فَإِنَّكُنَّ) بلفظ الجمع على إرادة الجنس، وإلَّا فالقياس أن يقال «إنَّكِ» بلفظ المفرد؛ لأنَّه خطاب لعائشة رضي الله عنها؛ أي جنس النِّساء أو الخطاب لها ولمن معها حينئذٍ من الأزواج المطهَّرات (صَوَاحِبُ يُوسُفَ) الصِّدِّيق عليه السَّلام؛ أي مثلهنَّ

ج 4 ص 186

في إظهار خلاف ما في الباطن.

(فَأَتَاهُ) أي أبا بكر رضي الله عنه (الرَّسُولُ) أي رسولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بتبليغ الأمر بصلاته بالنَّاس وهو بلال رضي الله عنه (فَصَلَّى بِالنَّاسِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إلى أن توفَّاه الله تعالى، كما صرَّح به موسى بن عقبة في (( المغازي ) )، والإمامة الصُّغرى تدلُّ على الإمامة الكبرى، وقد مرَّ التَّفصيل في هذا الحديث في باب «حدِّ المريض أن يشهدَ الجماعة» [خ¦664] فلنذكر هنا ما يطابق به الحديث التَّرجمة، وهو أنَّ أبا بكر رضي الله عنه كان أفضل الصَّحابة وأعلمهم وأفقههم رضي الله عنهم، ولذلك راجعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّه هو الذي يصلِّي.

قال أصحابنا أولى النَّاس بالإمامة أعلمهم بالسُّنَّة؛ أي بالفقه والأحكام الشَّرعيَّة إذا كان يحسن من القراءة ما تجوز به الصَّلاة، وهو قول الجمهور، وإليه ذهب عطاء والأوزاعيُّ ومالك والشَّافعي.

وعن أبي يوسف أقرأ النَّاس أولاهم؛ يعني أعلمهم بالقراءة وكيفيَّة أداء حروفها ووقوفها، وما يتعلَّق بالقراءة وهو أحدُ الوجوه عند الشَّافعيَّة.

وفي «المبسوط» وغيره إنَّما قدَّم الأقرأ في الحديث؛ لأنَّهم كانوا في ذلك الوقت يتلقَّونه بأحكامه حتى رُوِيَ أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما حفظَ سورة البقرة في اثنتي عشرة سنة، فكان الأقرأ فيهم هو الأعلمُ بالسنَّة والأحكام.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه قال ما كانت تنزل السُّورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا ونعلم أمرها ونهيها وزجرها وحلالها وحرامها، والرَّجل اليوم يقرأُ الصَّلاة ولا يعرف من أحكامها شيئًا.

فإن قيل لمَّا كان أقرؤهم أعلمُهم فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم

ج 4 ص 187

(( فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة ) )وأقرؤهم هو أعلمُهم بالسنَّة في ذلك الوقت لا محالة على ما قالوا؟!

فالجواب أنَّ المساواة في القراءة توجيهها في العلم في ذلك الزَّمان ظاهرٌ لا قطعٌ، فجاز تصوُّر مساواة الاثنين في القراءة مع التَّفاوت في الأحكام، ألا ترى أنَّ أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه كان أقرأ، وابن مسعود رضي الله عنه كان أعلم وأفقه.

وفي «النِّهاية» اشتغل بحفظِ القرآن ستَّة أبو بكر وعثمان وعليٍّ وزيد وأُبيِّ وابن مسعود رضي الله عنهم، وعمر رضي الله عنه كان أعلم وأفقه من عثمان رضي الله عنه، ولكن كان يعسرُ عليه حفظ القرآن فأجرى صلى الله عليه وسلم كلامه مجرى الأعم الأغلب.

فإن قيل إنَّ الكلام في الأفضليَّة مع الاتِّفاق على الجواز على أيِّ وجه كان، وقوله صلى الله عليه وسلم (( فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنَّة ) )صيغته تدلُّ على عدم جواز إمامة الثَّاني عند وجود الأول؛ لأنَّ الصيغة صيغة إخبار وهو في اقتضاء الوجوب آكد من الأمر، وأيضًا فإنَّه ذكره بالشَّرط والجزاء، فكان اعتبار الثَّاني إنَّما كان بعد وجود الأوَّل لا قبله.

فالجواب أنَّ صيغة الإخبار لبيان المشروعيَّة لا أنَّه لا يجوز غيره، كقوله صلى الله عليه وسلم (( يمسح المقيم يومًا ) )ولو سُلِّم أنَّ صيغة الإخبار محمولةٌ على معنى الأمر، ولكن الأمر يحمل على الاستحباب لوجود الجواز بدون الاقتداء بالإجماع.

فإن قيل لو كان المراد في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم (( يؤمُّ القوم أقرؤهم ) )هو الأعلمُ، يلزم تكرار الأعلم في الحديث، ويكون التَّقدير يؤمُّ القوم أعلمهم، فإن تساووا فأعلمهم.

فالجواب أنَّ المراد من قوله «أقرأوهم» أعلمُهم بكتاب الله دون السنَّة، ومن قوله «أعلمهم» أعلمهم بالسنَّة والكتاب جميعًا، فكان الأعلم الثَّاني غير الأعلم الأوَّل.

فإن قيل حديث أبي مسعود البدريِّ الذي أخرجه البخاري [2] ومسلم (( يؤمُّ القوم أقرؤهم لكتابِ الله ) )يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم (( مروا أبا بكرٍ يصلِّ بالنَّاس ) )إذ كان فيهم من هو أقرأُ منه للقرآن مثل أبيِّ رضي الله عنه وغيره.

فالجواب أنَّ تقديم الأقرأ، كما في حديث أبي مسعود رضي الله عنه لا يعارضه؛ لأنَّه كان لا يكاد إذ ذاك قارئ إلَّا وهو فقيه، ويمكن أن يقال إنَّ حديث أبي مسعود رضي الله عنه كان في أوَّل الهجرة حين كان حفَّاظ الإسلام قليلًا، وقد قُدِّمَ عمرو بن سلمة وهو صغير على الشُّيوخ لذلك، وكان سالمٌ يؤمُّ المهاجرين والأنصار في مسجد قباء حين أقبلوا من مكَّة لعدم الحفَّاظ حينئذٍ.

وأمَّا حديث أبي بكر رضي الله عنه فكان في آخر الأمر، وقد تفقَّهوا في القرآن، وكان أبو بكر رضي الله عنه أعلمهم وأقرأهم فهو جامع للوصفين جميعًا بلا شك.

ألا ترى إلى قول أبي سعيد رضي الله عنه وكان

ج 4 ص 188

أبو بكر رضي الله عنه أعلمنا.

ثمَّ قال أصحابنا فإن تساووا في العلم والقراءة فأولاهمُ أورعُهم. وفي «البدريَّة» الورع الاجتناب عن الشُّبهات والتَّقوى الاجتناب عن المحرَّمات، فإن تساووا فيه أيضًا فأسنُّهم أولى بالإمامة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( وليؤمكما أكبركما ) ) [خ¦630] .

وفي «المحيط» الأسنُّ أولى من الأورع إذا لم يكن فيه فسقٌ ظاهر.

وقال النَّووي المراد بالسنِّ سنٌّ مضى في الإسلام فلا يقدَّم شيخ أسلم قريبًا على شابٍّ نشأ في الإسلام أو أسلم قبله.

وقال أصحابنا فإن تساووا في السِّنِّ أيضًا فأحسنُهم خُلُقًا، وزاد بعضُهم فإن تساووا فيه أيضًا فأحسنهم وجهًا.

وفي «مختصر الجواهر» يرجَّح بالفضائل الشَّرعيَّة والخُلُقيَّة والمكانيَّة، وكمال الصُّورة كالشَّرف في النَّسب والسنِّ، ويلحق بذلك حسن اللِّباس، وقيل وبصباحةِ الوجه وحسن الخلق، وبمِلْك رقبةِ المكان أو منفعته.

قال المرغينانيُّ المستأجرُ أولى من المالك، وفي «الخصاصة» فإن تساووا في هذه الخصال يقرع بينهم، أو الخيارُ إلى القوم، وقيل إمامة المقيم أولى من العكسِ.

وقال أبو الفضل الكرماني هما سواء، وللشَّافعي قولان في القديم يقدَّم الأشرف، ثمَّ الأقدم هجرة، ثمَّ الأسن وهو الأصحُّ، والقول الثَّاني أنَّه يقدَّم الأسن، ثمَّ الأشرف، ثمَّ الأقدم هجرة، وفي تتمَّتهم ثمَّ بعد الكبر والشَّرف يُقدَّم نظافة الثَّوب، والمراد به النَّظافة عن الوسخ لا عن النَّجاسات؛ لأنَّ الصَّلاة مع النَّجاسات لا تصحُّ، ثمَّ بعد ذلك حسنُ الصَّوت؛ لأنَّ به يميل النَّاس إلى الصَّلاة خلفه فتكثرُ الجماعة، ثمَّ حسن الصُّورة.

[1] قوله (( لأنَّه كان له فرس سابق يعرف بالقبطيِّ ) )ليس في (خ) .

[2] لم يشر ابن الأثير في جامع الأصول ولا المزي في تحفة الأشراف إلى رواية البخاري لهذا الحديث عن أبي مسعود وإنما خرجوه من مسلم فحسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت