6262 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج (عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهري، قاضي المدينة (عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ) بضم الحاء المهملة وفتح النون وبعد التَّحتية فاء، الأنصاري (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ رضي الله عنه (أَنَّ أَهْلَ قُرَيْظَةَ) بضم القاف وفتح الراء وبالظاء المعجمة، قبيلةٌ من يهودٍ كانوا في قلعة (نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ) هو ابنُ معاذ رضي الله عنه (فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ) وكان وَجِعًَا لِمَا رُمي في أكحله (فَجَاءَ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم للأنصار خاصَّةً، أو لجميع من حضر من المهاجرين معهم (قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ) توقيرًا وإكرامًا له (أَوْ قَالَ خَيْرِكُمْ) قال ابن بطَّال في هذا الحديث أمر الإمام الأعظم بإكرام الكبير من المسلمين، ومشروعيَّة إكرام أهلِ الفضل في مجلس الإمام الأعظم، والقيام فيه لغيرهِ من أصحابه، وإلزام النَّاس كافَّةً بالقيام إلى الكبيرِ منهم، وقد منع من ذلك قومٌ، واحتجُّوا بحديث أبي أُمامة رضي الله عنه قال خرجَ علينا النَّبي صلى الله عليه وسلم متوكِّئًا على عصًا، فقمنَا له فقال (( لا تقوموا كما يقومُ الأعاجم بعضهم لبعض ) ). قال الطَّبري هذا حديثٌ ضعيفٌ مضطرب السَّند فيه من لا يُعرف، واحتجُّوا أيضًا بحديث عبد الله بن بُريدة أنَّ أباه دخلَ على معاوية، فأخبره أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من أحبَّ أن يتمثَّل له الرِّجال قيامًا وجبت له النَّار ) )أخرجه الحاكم.
وأجاب عنه الطَّبري بأنَّ هذا الخبر إنَّما فيه نهي من يُقام له عن السُّرور بذلك، لا نهي من يقوم له إكرامًا له. وأجاب عنه ابنُ قتيبة بأنَّ معناه من أرادَ أن يقومَ الرِّجال على رأسه، كما يُقام بين يدي ملوك الأعاجم، وليس المراد به نهي الرَّجل عن القيام لأخيه إذا سلَّم عليه.
واحتجَّ ابن بطَّال للجواز
ج 26 ص 326
بما أخرجه النَّسائي من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة رضي الله عنها كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى فاطمة ابنته قد أقبلت رحَّب بها، ثمَّ قام إليها فقبَّلها، ثمَّ أخذ بيدها حتَّى يجلسها في مكانه.
وقد أخرجه أيضًا أبو داود والتِّرمذي وحسَّنه، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم، وأصله في «الصَّحيح» كما مضى في (( المناقب ) ) [خ¦3804] ، وفي (( الوفاة النَّبوية ) ) [خ¦4122] ، لكن ليس فيه ذكر القيام.
وسُئل مالكٌ عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتتلقَّاه، وتنزع ثيابه، وتقف حتَّى يجلس، فقال أمَّا التَّلقِّي فلا بأس به، وأما القيام حتَّى يجلس؛ فلا فإنَّ هذا فعل الجبابرة.
وقال الخطَّابي في حديث الباب جواز إطلاق السَّيِّد على الحَبْر الفاضل، وفيه أنَّ قيامَ المرؤوس للرَّئيس الفاضل والإمام العادل والمتعلِّم للعالم مستحبٌّ، وإنَّما يكره لمن كان بغير هذه الصِّفات، وأجاب عن قوله (( من أحب أن يقامَ له ) )؛ أي بأن يلزمهم بالقيام له صفوفًا على طريق الكبر. وقال غيره إنَّ المنهيَّ عنه أن يقامَ عليه وهو جالسٌ. وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه عند الطَّبراني، قال (( إنَّما هلك من كان قبلكم بأنَّهم عظَّموا ملوكهم بأن قاموا وهم قعودٌ ) ). وعن أبي الوليد بن رشد أنَّ القيام على أربعة أوجه
الأوَّل محظورٌ وهو أن يقعَ لمن يريد أن يقامَ إليه تكبُّرًا وتعاظمًا على القائمين إليه.
والثَّاني مكروهٌ وهو أن يقعَ لمن لا يتكبَّر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يَدخُل نفسَه بسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التَّشبُّه بالجبابرة.
والثَّالث جائزٌ، وهو أن يقعَ على سبيل البرِّ والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويُؤمن معه التَّشبُّه بالجبابرة.
والرابع مندوبٌ وهو أن يقعَ لمن قدم من سفرٍ فرحًا بقدومه ليسلِّم عليه، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بسببها، أو لحاكمٍ في محلِّ ولايته، كما دلَّ عليه قصَّة سعد، فإنَّه لما استقدمه النَّبي صلى الله عليه وسلم حاكمًا في بني قُريظة فرآه مقبلًا، قال (( قوموا إلى سيِّدكم ) )، وما ذاك إلَّا ليكون أنفذ لحكمه، فأمَّا اتِّخاذه ديدنًا؛ فإنَّه من شعار العجم.
وقد جاء في «السنن»
ج 26 ص 327
أنَّه لم يكن أحبَّ إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان إذا جاء لا يقومون له لما يعلمون من كراهتهِ لذلك. وأخرجه التِّرمذي عن أنسٍ رضي الله عنه، وقال حسنٌ صحيحٌ غريب.
وقال التُّوربشتي في «شرح المصابيح» معنى قوله (( قوموا إلى سيِّدكم ) )أي إلى إعانته وإنزاله من دابَّته وترفَّقوا به، فلا يصيبه ألمٌ من انفجار عرقه. قال ولو كان المراد التَّعظيم والإكرام لقال قوموا لسيِّدكم، باللام بدل إلى.
وأجاب الطِّيبي بأنَّ (( إلى ) )في هذا المقام أفخم من اللام، كأنَّه قيل قوموا واذهبوا إليه تلقِّيًا وكرامة، يدلُّ عليه ترتُّب الحكم على الوصفِ المناسب المُشعر بالعِلِّية، فإنَّ قوله (( إلى سيِّدكم ) )علَّةٌ للقيام له، وليس ذلك إلَّا لكونه شريفًا كريمًا عليَّ القدر. انتهى.
نعم في «مسند أحمد» عن عائشة رضي الله عنها من طريق علقمة بن وقَّاصٍ عنها في قصَّة بني قريظة، وقصَّة سعد بن معاذٍ فلمَّا طلع قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( قوموا إلى سيِّدكم فأنزلوه ) )وسنده حسنٌ، وهذه الزِّيادة تخدشُ في الاستدلال بقصَّة سعدٍ على مشروعيَّة القيام المتنازع فيه.
وقال البيهقيُّ القيام على وجه البرِّ والإكرام جائزٌ كقيام الأنصار لسعد وطلحة لكعب، ولا ينبغي لمن يُقام له أن يعتقدَ استحقاقه لذلك، حتَّى إن تركَ القيام له حَنِق عليه أو عاتبه أو شكاه. وقد قال الغزالي القيام على سبيل الإعظام مكروهٌ، وعلى سبيل الإكرام لا يكره، وهذا تفصيلٌ حسنٌ.
والَّذي يستحبُّ إكرامه هم أهل الدِّين والخير والعلم ويجوز للمستورين، ولا يجوز للظالم المُعلِن بالظُّلم، أو يكره كمن لا يتَّصف بالعدالة وله جاهٌ، فلولا اعتياد القيام ما احتاج أحدٌ أن يقومَ لمن يَحْرُم إكرامه أو يكره، بل جرَّ ذلك إلى ارتكاب النَّهي لِمَا صار يترتَّب على التَّرك من الشَّرِّ، وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة، أو يترتَّب عليه مفسدةٌ امتنع، وإلى ذلك أشار ابن عبد السَّلام.
(فَقَعَدَ) أي سعدٌ (عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ) له يا سعد (هَؤُلاَءِ) أي أهل قريظة (نَزَلُوا) من حصنهم (عَلَى حُكْمِكَ، قَالَ) أي سعد (فَإِنِّي أَحْكُمُ) فيهم (أَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ) أي الطَّائفة المقاتلة من الرِّجال (وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ) بالمعجمة وتشديد التَّحتية وتخفف جمع ذُرِّيَّة؛ أي النِّساء والصِّبيان.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم له (لَقَدْ حَكَمْتَ) فيهم (بِمَا حَكَمَ بِهِ الْمَلِكُ) جلَّ وعلا _ بكسر اللام _ وهو الله تعالى؛ لأنَّه الملك الحقيقي على الإطلاق، وهو رواية الأَصيلي، وروي بفتح اللام؛ أي بحكم جبريل عليه السَّلام الَّذي جاء به من عند الله.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البُخاريُّ نفسه (أَفْهَمَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي) قال الحافظُ العسقلاني يحتمل أن يكون محمد بن سعد كاتب الواقدي، فإنَّه أخرجه في «الطبقات» (عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي، شيخ المؤلِّف في هذا الحديث بسنده
ج 26 ص 328
(مِنْ قَوْلِ أَبِي سَعِيدٍ) الخدريِّ رضي الله عنه من أوَّل الحديث (إِلَى حُكْمِكَ) قال الكرماني قال البُخاري سمعت أنا من أبي الوليد (( على حكمك ) )، وبعض الأصحاب نقلوا عنه (( إلى ) )بحرف الانتهاء بدل حرف الاستعلاء.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة أظهر من أن يخفى.
وقد مضى الحديث في (( الجهاد ) ) [خ¦3043] ، و (( فضل سعد بن معاذ ) ) [خ¦3804] ، و (( المغازي ) ) [خ¦4121] .