وقال الكرمانيُّ وجه تعلُّقِ هذا الباب بأبواب الشهادات هو أنَّ وعد البرِّ كالشَّهادة على نفسه.
وقال المهلَّب إنجاز الوعد مأمورٌ به مندوبٌ إليه عند الجميع، وليس بفرضٍ؛ لاتفاقهم على أنَّ الموعود لا يضارب بما وعد به مع الغرماء، انتهى.
وتعقَّبه العسقلانيُّ
ج 12 ص 329
بأنَّ نقل الإجماع في ذلك مردودٌ فإنَّ الخلاف فيه مشهورٌ، لكنَّ القائل به قليل. وقال ابنُ عبد البرِّ وابن العربي أجلُّ من قال به عمر بن عبد العزيز. وعن بعض المالكيَّة إن ارتبطَ الوعد بسببٍ وجبَ الوفاء به وإلَّا فلا، كمن قال لآخر تزوَّج ولك كذا، فتزوَّج لذلك وجب الوفاء به، وخرَّج بعضُهم الخلاف على أنَّ الهبة هل تملك بالقبض أو قبله.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقرأت بخط أبي رحمه الله في إشكالاتٍ على «الأذكار» للنوويِّ لم يذكر جوابًا عن الآية، والحديث يعني قوله تعالى {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف 3] وحديث آية المنافق قال والدَّلالة للوجوب منهما قويَّة، فكيف حملوه على كراهةِ التَّنزيه مع الوعيد الشَّديد؟ وينظر هل يمكن أن يقال يحرمُ الإخلاف ولا يجب الوفاء؛ أي يأثم بالإخلاف ولا يلزمه الوفاء.
هذا وقال العينيُّ ولا خلاف أنَّه مستحسنٌ مندوبٌ إليه، وقد أثنى الله تعالى على من صدق وعده ووفى بنذره، وذلك من مكارم الأخلاق، ولمَّا كان الشَّارع صلى الله عليه وسلم أولى النَّاس بها وندبهم إليها أدَّى ذلك عنه خليفته الصِّدِّيق وقام فيه مقامه، ولم يسأل جابرًا البيِّنة على ما ادَّعاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم من العدَّة؛ لأنَّه لم يكن شيئًا ادَّعاه جابر في ذمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما ادَّعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذلك موكولٌ إلى رأي الإمام.
(وَفَعَلَهُ الْحَسَنُ) أي الأمر بإنجازِ الوعد، قاله الحافظ العسقلانيُّ.
وقال الكرمانيُّ الفعل بلفظ المصدر، والحسن صفة مشبَّهة صفة للفعل، وفي بعضها فعله بلفظ الماضي والحسن هو البصريُّ، وقال العينيُّ الوجه الأول أحسنُ وأوجه على ما لا يخفى، ومعناه فعل إنجاز الوعد الحسنِ فارتفاع الحسن في هذا الوجه على الوصفيَّة، وعلى الوجه الثاني بالفاعلية، انتهى.
وأنت خبيرٌ بأنَّ الأمر بالعكس وعلى الأوَّل الظَّاهر أنَّ فعله مبتدأ والحسن خبره، أو أنَّه مجرورٌ عطف على إنجاز الوعدِ، وكذا الحسن مجرورٌ أيضًا، فافهم.
ج 12 ص 330
(وَذَكَرَ إِسْمَاعِيلَ) أي ذكر الله إسماعيل عليه السَّلام في كتابه الكريم بقوله {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} [مريم 54] ، {إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ} وهذا الذي في المتن رواية النَّسفيِّ، وفي رواية غيره {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ} ... إلى آخره.
وروى ابنُ أبي حاتم من طريق الثوريِّ أنَّه بلغه أنَّ إسماعيل عليه السلام دخل قريةً هو ورجل فأرسله في حاجةٍ، وقال له إنَّه ينتظره فأقامَ حولًا في انتظارهِ، ومن طريقِ ابن شوذب أنَّه اتَّخذ ذلك الموضع مسكنًا فسمِّي من يومئذٍ صادقَ الوعد.
وقال صاحب «الكشاف» وناهيك أنَّه وعد من نفسه الصبر على الذَّبح فوفى حيث قال {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات 102] .
هذا وأغرب الكرمانيُّ حيث قال ولفظ ذكر مصدر، وكأنَّه عطفه على قوله (( وفعله ) )على أنَّه مصدرٌ أيضًا فتدبَّر.
(وَقَضَى ابْنُ الأَشْوَعِ بِالْوَعْدِ) أي بإنجاز الوعدِ، وابن الأَشْوَع _ بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الواو وآخره عين مهملة _ هو سعيد بن عمرو بن الأشوع الهمدانيُّ قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق، وذلك بعد المائة، مات في ولاية خالد، وذكره ابن حبَّان في «الثقات» . وقال يحيى بنُ معين مشهورٌ يعرفه النَّاس، وقد مرَّ في الزكاة.
(وَذَكَرَ) أي ابن الأشوع (ذَلِكَ) أي القضاء بإنجاز الوعد (عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُب) وقع ذلك في «تفسير إسحاق بن راهويه» (وَقَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ) بكسر ميم المِسور، وفتح ميمي مَخرمَة رضي الله عنه (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَكَرَ) أي والحال أنَّه قد ذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم (صِهْرًا لَهُ) يعني أبا العاص بن الربيع زوج زينب بنت النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقيل يعني أبا بكرٍ رضي الله عنه.
واعلم أنَّ الأَخْتَان من قبل المرأة، والأحماء من قبل الرَّجل، والصِّهر يجمعهما، وكان صلى الله عليه وسلم صهر أبي بكرٍ رضي الله عنه؛ لأنَّه كان زوج بنته عائشة الصِّدِّيقة رضي الله عنهما.
(قَالَ وَعَدَنِي) أي قال صلى الله عليه وسلم (( صهري وعدني ) ) (فَوَفَى لِي) ويروى ، ويروى (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه(وَرَأَيْتُ
ج 12 ص 331
إِسْحَاقَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ)أي ابن راهويه (يَحْتَجُّ بِحَدِيثِ ابْنِ أَشْوَعَ) هو الحديث الذي ذكره عن سمُرة بن جندب، وأراد به أنَّه كان يحتجُّ به في القول بوجوب إنجازِ الوعد.
ووقع في كثيرٍ من النُّسخ ذكر إسماعيل بين التَّعليق عن ابن أشوع، وبين نقل البخاريِّ عن إسحاق، والذي وقع في نسختنا أولى وأوجه كما لا يخفى.