فهرس الكتاب

الصفحة 10970 من 11127

24 - (بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وُجُوهٌ} ) هي وجوه المؤمنين ( {يَوْمَئِذٍ} ) أي يوم القيامة ( {نَاضِرَةٌ} ) من نضرة النَّعيم بالبياض والصَّفاء؛ أي ناعمة حسنة ( {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ) من النَّظر؛ أي بلا كيفيَّة ولا جهةٍ ولا ثبوت مسافةٍ، وقال القاضي تراهُ مستغرقة في مُطالعة جماله بحيث تغفلُ عمَّا سواه، ولذلك قدم المفعول، وليس هذا في كلِّ الأحوال

ج 30 ص 258

حتى يُنافيه نظرها إلى غيره.

وقال الكرماني المقصودُ من الباب ذكر الظَّواهر التي تشعرُ بأنَّ العبدَ يرى ربَّه يوم القيامة. فإن قلت لا بدَّ للرُّؤية من المواجهة والمقابلة، وخروجُ الشُّعاع من الحدقة إليه، وانطباع صورة المرئي في حدقة الرَّائي ونحوها ممَّا هو محالٌ على الله تعالى.

قلنا هذه شروط عاديَّة لا عقليَّة يمكن حصولها بدون هذه الشُّروط عقلًا، ولهذا جوَّز الأشعرية رؤية أعمى الصِّين بقةً أندلسٍ إذ هي حالة يخلقها الله في الحيِّ فلا استحالة فيها. انتهى. وقال غيره استدلَّ البخاري بهذه الآية، وبأحاديث الباب على أنَّ المؤمنين يرون ربَّهم في جنات النَّعيم، وهو مذهبُ أهل السنَّة والجماعة وجمهور الأمَّة، ومنعت من ذلك المعتزلة والخوارج وبعضِ المرجئة، ولهم في ذلك دَلائل فاسدة.

قال ابن بطَّال وتمسَّكوا بأنَّ الرؤية توجبُ كون المرئي مُحدَثًا وحالًّا في مكان، وأوَّلوا قوله {ناظرة} بمنتظرة لأمر ربها، أو لثوابهِ وهو خطأٌ يقال نظرت فيه؛ أي تفكَّرت ونظرته انتظرته، ولا يتعدَّى بإلى إلَّا بمعنى الرُّؤية مع أنَّه لا يليقُ الانتظار في دارِ القرار.

وقال أيضًا ما تمسَّكوا به فاسد لقيام الأدلَّة على أنَّه تعالى موجود، والرُّؤية في تعلُّقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلُّقه بالمعلوم، فإذا كان تعلُّق العلم بالمعلوم لا يوجبُ حدوثه، فكذلك المرئي، قال وتعلَّقوا بقوله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام 103] . وبقوله تعالى لموسى عليه الصَّلاة السَّلام {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف 143] .

والجواب عن الأول أنَّه لا تدركه الأبصار في الدُّنيا جمعًا بين دليلي الآيتين، وبأنَّ نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرُّؤية لإمكان رؤية الشَّيء من غيرِ إحاطةٍ بحقيقته.

وعن الثَّاني أنَّ المراد لن تراني في الدُّنيا جمعًا بين الدَّليلين أيضًا، ولأنَّ نفي الشَّيء لا يقتضي إحالته مع ما جاء من الأحاديث التي وردت على وَفْق الآية، وقد تلقَّاها المسلمون بالقبولِ من لدن الصَّحابة والتَّابعين حتى حدثَ من أنكر الرُّؤية وخالف السَّلف.

وقال البيهقيُّ وجه الدَّليل من الآية أنَّ لفظَ {ناضرة} الأول بالضاد المعجمة السَّاقطة من النَّضرة بمعنى السُّرور، ولفظ {ناظرة} الثانية بالظاء المعجمة المشالة يحتملُ في كلام العرب أربعة أشياء نظر التفكُّر والاعتبار، كقوله تعالى {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ} [الغاشية 17] . ونظر الانتظار كقوله {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً} [يس 49] . ونظر التعطُّف والرَّحمة كقوله {وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} [آل عمران 77] . ونظر الرُّؤية كقوله {يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [محمَّد 20] ، والثلاثة الأول غير مرادة.

أما الأوَّل فلأن

ج 30 ص 259

الآخرة ليست بدارِ استدلالٍ، وأما الثَّاني فلأنَّ في الانتظار تنغيصًا وتكديرًا والآية خرجتْ مخرج الامتنان والبشارة، وأهل الجنَّة لا ينتظرون شيئًا؛ لأنَّه مهما خطر لهم أُتوا به، وأمَّا الثَّالث فلا يجوز لأنَّ المخلوق لا يتعطَّف على الخالق، فلم يبقَ إلَّا نظر الرُّؤية، وانضمَّ إلى ذلك أن النَّظر إذا ذكر مع الوجه انصرفَ إلى نظر العينين اللَّتين في الوجه، ولأنَّه هو الذي يتعدَّى بإلى، وإذا ثبت أن {ناظرة} هاهنا بمعنى رائية اندفعَ قول من زعم أنَّ المعنى ناظرة إلى ثوابِ ربها؛ لأنَّ الأصل عدم التَّقدير، وأيَّد منطوق الآية في حقِّ المؤمنين بمفهوم الآية الأخرى في حقِّ الكافرين {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين 15] ، وقيَّدها بالقيامة [في] الآيتين إشارة إلى أنَّ الرُّؤية تحصلُ للمؤمنين في الآخرة دون الدُّنيا. انتهى ملخصًا.

وقد أخرج أبو العبَّاس السَّراج في «تاريخه» عن الحسن بن عبد العزيز وهو من شيوخُ البخاري سمعت عَمرو بن أبي سلمة يقول سمعتُ أنس بن مالك، وقيل له يا أبا عبد الله قوله تعالى {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة 23] . يقول قوم إلى ثوابه، فقال كذبوا، فأين هم عن قوله تعالى {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين 15] . ومن حيث النَّظر إنَّ كلَّ موجود يصح أن يُرى، وهذا على سبيل التنزُّل، وإلَّا فصفات الخالق لا تقاس بصفات [1] المخلوقين، وأدَّلة السَّمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الإيمان دون غيرهم، ومنع ذلك في الدُّنيا إلَّا أنَّه اختلف في نبينا صلى الله عليه وسلم، وما ذكروه من الفرق بين الدُّنيا والآخرة أنَّ أبصار أهل الدُّنيا فانية، وأبصار أهل الآخرة باقية جيد، ولكن لا يمنع تخصيصُ ذلك بمن ثبت وقوعه له.

واختلف بعض من أثبت الرُّؤية في معناها فقال قوم يحصل للرَّائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيَّات، وهو على وَفْق قوله في حديث الباب (( كما ترون القمر ) ) [خ¦7434] إلَّا أنَّه منزَّه عن الجهة والكيفيَّة، وذلك أمرٌ زائد على العلم، وقال بعضهم إنَّ المراد بالرُّؤية العلم، وعبَّر عنه بعضهم بأنَّها حصول حالة في المؤمنِ نسبتها إلى ذاتهِ المخصوصة نسبة الإبصار إلى المرئيات. وقال بعضُهم رؤية المؤمن لله نوعُ كشفٍ وعلم إلَّا أنَّه أتم وأوضحُ من العلم.

قال الحافظُ العسقلاني وهذا أقربُ إلى الصَّواب من الأوَّل، وتعقِّب بأنَّه حينئذٍ لا اختصاص لبعض دون بعض، ولأنَّ العلمَ لا يتفاوت، وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّ الرُّؤية

ج 30 ص 260

بمعنى العلم يتعدَّى إلى مفعولين تقول رأيت زيدًا فقيهًا؛ أي علمته، فإن قلت رأيت زيدًا منطلقًا لم يفهم منه إلَّا رؤية البصر، ويزيده تحقيقًا قوله في الخبر (( إنِّكم سترون ربَّكم عيانًا ) ) [خ¦7435] ؛ لأنَّ اقتران الرُّؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم.

وفي «التَّوضيح» حاصل اختلاف النَّاس في رؤيةِ الله تعالى يوم القيامة أربعة أقوال قال أهل الحقِّ يراه المؤمنون يوم القيامة دون الكافرين، وقال المعتزلةُ والجهمية هي ممتنعةٌ لا يراه لا مؤمن ولا كافرٌ، وقال ابنُ سالم البصري يراه الجميع الكافر والمؤمن.

وقال صاحب كتاب «التوحيد» من الكفَّار من يراه رؤية امتحانٍ لا يجدون فيها لذَّة، كما يكلمهم بالطَّرد والإبعاد قال وتلك الرُّؤية قبل أن يوضع الجسر بين ظهراني جهنَّم.

هذا، وقال الحافظُ العسقلاني والبخاري رحمه الله كأنَّه يشيرُ بهذه الآية التي هي التَّرجمة إلى ما أخرجه عبدُ بن حميد والتِّرمذي والطَّبري وغيرهم، وصحَّحه الحاكم من طريق ثوير بن أبي فاختةَ، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( إنَّ أدنى أهل الجنَّة منزلة لمن ينظر في ملكه ألف سنة، وإنَّ أفضلهم منزلة لمن ينظر في وجه ربِّه عزَّ وجلَّ كلَّ يوم مرَّتين قال ثم تلا {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة 22 - 23] . قال ينظرُ كلَّ يوم في وجهِ الله ) )لفظ الطَّبري من طريق مصعب بن المقدام، عن إسرائيل، عن ثوير.

وأخرجه عبدٌ عن شبابة، عن إسرائيل ولفظه (( لمن ينظرُ إلى جنانه وأزواجه وخدمهِ ونعيمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظرُ إلى وجهه غدوة وعشية ) )، وكذا أخرجه التِّرمذي عن عبدٍ، وقال غريبٌ، رواه غير واحدٍ عن إسرائيل مرفوعًا، ورواه عبدُ الملك بن أَبْجر عن ثوير عن ابن عمر موقوفًا، ورواه الثَّوري عن ثوير عن مجاهد عن ابن عمر موقوفًا أيضًا، قال ولا نعلم أحدًا ذكر فيه مجاهدًا غير الثَّوري بالعنعنة.

قال الحافظُ العسقلاني أخرجه ابنُ مَرْدويه من أربعة طرق عن إسرائيل عن ثُوير، قال سمعتُ ابن عمر، ومن طريق عبد الملك بن أَبْحَر عن ثُوير مرفوعًا، وقال الحاكم بعد تخريجه ثُوير لم ننقم عليه إلَّا التَّشييع.

قال الحافظُ العسقلاني لا أعلم أحدًا صرَّح بتوثيقه، بل أطبقوا على تضعيفهِ. وقال ابنُ عديٍّ الضَّعف على أحاديثه بيِّن. وقال العيني ثُوير هذا ضعيفٌ جدًّا تكلَّم فيه جماعة كثيرون. قال الحافظُ وأقوى ما رأيت فيه قول أحمد بن حنبل فيه، وفي ليث بن أبي سُليم ويزيد بن أبي زياد ما أقرب بعضهم على بعض؛ أي في الضَّعف، وأخرج الطَّبري من طريق أبي الصَّهباء موقوفًا حديث

ج 30 ص 261

ابن عمر رضي الله عنهما، وأخرج بسندٍ صحيحٍ إلى يزيد النَّحوي عن عكرمة في هذه الآية، قال «تنظر إلى ربها نظرًا» ، وأخرج عن البخاري عن آدم عن مبارك عن الحسن قال «تنظرُ إلى الخالقِ، وحقَّ لها أن تنظرَ» .

وأخرج عبدُ بن حميد عن إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة انظروا ماذا أعطى الله عبده من الفوزِ في عينه من النَّظر إلى وجه ربِّه الكريم عيانًا؛ يعني في الجنَّة، ثم قال لو جعل نور جميع الخلق في عينَي عبدٍ، ثمَّ كُشِفَ عن الشَّمس سترٌ واحد ودونها سبعون سترًا ما قَدِر على أن ينظرَ إليها، ونور الشَّمس جزءٌ من سبعين جزءًا من نور الكرسيِّ، ونور الكرسي جزء من سبعين جزءًا من نور العرش، ونور العرش جزء من سبعين جزءًا من نور الستر. وإبراهيم فيه ضعفٌ.

وقد أخرج عبد بن حُميد عن عكرمة من وجه آخر إنكار الرُّؤية، ويمكن الجمع بالحملِ على غير أهل الجنَّة، وأخرج بسندٍ صحيحٍ عن مجاهد {ناظرة تنظر} الثَّواب، وعن أبي صالح نحوه، وأورد الطَّبري الاختلاف، فقال الأولى عندي بالصَّواب ما ذكرناه عن الحسن البصري وعكرمة، وهو ثبوت الرُّؤية لموافقته الأحاديث الصَّحيحة.

وبالغ ابنُ عبد البر في ردِّ الذي نُقِل عن مجاهد، وقال هو شذوذٌ، وقد تمسَّك به المعتزلة، وتمسَّكوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سؤال جبريل عليه السَّلام عن الإسلام والإيمان والإحسان وفيه (( أن تعبدَ الله كأنَّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك ) ) [خ¦50] . قال بعضُهم فيه إشارة إلى انتفاء الرُّؤية، وتعقِّب بأنَّ المنفي فيه رؤيته في الدُّنيا؛ لأنَّ العبادة خاصَّة بها، فلو قال قائل إن فيه إشارة إلى جواز الرُّؤية في الآخرة لَمَا أبعد، وزعمت طائفة من المتكلِّمين كالسَّالمية من أهل البصرة أن في الخبر دليلًا على أنَّ الكفَّار يرون الله في القيامة من عموم اللِّقاء والخطاب، وقال بعضُهم يراه بعضُ دون بعضٍ، واحتجُّوا بحديث أبي سعيد رضي الله عنه حيث جاء فيه أن الكفَّار يتساقطون في النَّار إذا قيل لهم ألا تردُّون، ويبقى المؤمنون وفيهم المنافقون فيرونه لمَّا يُنْصَب الجسر، ويتَّبعونه ويعطى لكلِّ إنسان منهم نوره، ثمَّ يُطفأ نور المنافقين.

وأجابوا عن قوله {إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} [المطففين 15] . أنَّه بعد دخول الجنَّة، وهو احتجاجٌ مردودٌ، فإن بعد هذه الآية {ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ} [المطففين 16] فدلَّ على أن الحَجْب وقع قبل ذلك. وأجاب بعضُهم بأنَّ الحجب يقع عند إطفاء النور، ولا يلزم من كونه يتجلَّى

ج 30 ص 262

للمؤمنين ومن كان معهم ممَّن أدخل نفسه فيهم أن تعمَّ الرُّؤية؛ لأنَّه أعلم بهم فينعم على المؤمنين برؤيته دون المنافقين كما يمنعهم من السُّجود، والعلمُ عند الله تعالى.

[1] في هامش الأصل في نسخة على صفات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت