1941 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بن جعفر الذي يقال له المديني، وقد تكرر ذكره [خ¦113] [خ¦842] [خ¦1895] ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) سليمان بن أبي سليمان فيروز (الشَّيْبَانِيِّ) نسبة إلى شيبان بن وهل بن ثعلبة وشيبان في قبائل (أَنَّه سَمِعَ ابْنَ أَبِي أَوْفَى) عبد الله بن أبي أوفى علقمة الأسلمي، وهو أحدُ من رآه أبو حنيفة الإمام (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ) أي وهو صائم في شهر رمضان، ففي رواية مسلم (( كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في شهر رمضان ) ).
قيل يشبه أن يكون سفر غزوة الفتح، يدلُّ عليه رواية هشيم، عن الشَّيباني عند مسلم كما مرَّ آنفًا، فإنَّ سفره صلى الله عليه وسلم في رمضان منحصر في غزوة الفتح وغزوة البدر، ولم يشهد ابن أبي أوفى بدرًا فتعيَّنت غزوة الفتح.
(فَقَالَ لِرَجُلٍ) وفي رواية مسلم (( فلمَّا غابت الشَّمس قال يا فلان! انزلْ فاجدحْ ) )، وفي رواية للبخاري (( فلمَّا غربت الشَّمس ) )على ما يأتي [خ¦1955] ، ولفظ غربت يفيد معنىً زائدًا على معنى غابت، وذلك الرَّجل في رواية البخاري، وفلان في رواية مسلم هو بلال رضي الله عنه، فقد جاء في رواية أبي داود عن مسدَّد شيخ البخاري فقال (( يا بلال! انزل ) ).
(انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) أمر من الجدح ومادَّته جيم ودال مهملة وحاء مهملة، وهو أن تحرِّك السَّويق بالماء أو اللَّبن بالماء، وكذلك غيرهما كالعسل يقال جدحت السَّويق واجتدحته؛ أي لتتُه.
والمِجدح _ بكسر الميم _ عود مجدح الرَّأس تساط به الأشربة، وربَّما يكون له ثلاث شعب. وقال الدَّاودي اجدح؛ يعني احلب، وردَّ ذلك القاضي عياض وغيره.
وفي «المحكم» المجدح خشبة في رأسها خشبتان معترضتان، وكلَّما خلط فقد جدح،
ج 9 ص 377
وعن القزَّاز هو كالملعقة.
وفي «المنتهى» شرابٌ مجدوحٌ ومجدح؛ أي مخوض، والمجدح عودٌ ذو جوانب، وقيل عودٌ يعرضُ رأسه، والجمع مجادج، والمعنى انزل فاجدح لي لأفطر.
(قَالَ) أي بلال (يَا رَسُولَ اللَّهِ! الشَّمْس) أي نورها، بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذه الشَّمس؛ يعني ما غربت الآن، ويجوز فيه النصب على معنى انظر الشَّمس، لما رأى ضوء الشَّمس ساطعًا ظنَّ أنَّ بقاء ضوء الشَّمس وإن غاب قرصها مانعٌ من الإفطار، فلا يحلُّ إلَّا بعد ذلك.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي) لأفطر (قَالَ) أي بلال (يَا رَسُولَ اللَّهِ الشَّمْس) بالرفع والنصب على ما تقدم (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (انْزِلْ فَاجْدَحْ لِي، فَنَزَلَ فَجَدَحَ لَهُ) صلى الله عليه وسلم (فَشَرِبَ) وتكرير المراجعة من بلال رضي الله عنه للرَّسول صلى الله عليه وسلم لغلبة اعتقاده أنَّ ذلك نهار يحرم فيه الأكل مع تجويزه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم ينظر إلى ذلك الضَّوء نظرًا تامًّا، فقصد زيادة الإعلام، فأجابه صلى الله عليه وسلم بأنَّ ذلك لا يضرُّ، وأعرض عن الضَّوء واعتبر غيبوبة قرص الشَّمس، ثمَّ بيَّن ما يعتبره من لم يتمكَّن من رؤية جرم الشَّمس، وهو إقبال الظُّلمة من المشرق فإنَّهما لا تقبل منه إلا وقد سقط القرص، كما حكاه الرَّاوي عنه بقوله
(ثُمَّ رَمَى) أي أشار صلى الله عليه وسلم (بِيَدِهِ) الشَّريفة (هَاهُنَا) أي إلى المشرق (ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِذَا رَأَيْتُمُ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مِنْ هَاهُنَا) أي من جهة المشرق (فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ) أي دخل في وقت الإفطار لا أنَّه يصير مفطرًا بغيبوبة الشَّمس وإن لم يتناول مفطرًا، وفي رواية مسلم (( ثمَّ قال بيده إذا غابت الشَّمس من هاهنا، وجاء اللَّيل من هاهنا فقد أفطر الصَّائم ) )، وفي لفظ التِّرمذي عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه (( إذا أقبل اللَّيل، وأدبر النَّهار، وغربت الشَّمس فقد أفطرت ) )والإقبال والإدبار والغروب متلازمة؛ لأنَّه لا يقبل اللَّيل إلَّا إذا أدبر النَّهار، ولا يدبر النَّهار إلَّا إذا غربت الشَّمس.
فقال القاضي عياض قد لا يتَّفق مشاهدة عين الغروب، ويشاهد هجوم الظُّلمة فيتيقَّن الغروب بذلك فيحلُّ الإفطار.
ج 9 ص 378
وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي الظَّاهر أنَّه أريد أحد هذه الأمور الثلاثة، فإنَّه يعرف انقضاء النَّهار برؤية بعضها، ويؤيِّده اقتصاره في حديث ابن أبي أوفى على إقبال اللَّيل فقط، وقد يكون الغيم في المشرق دون المغرب، وقد يكون بالعكس، وقد يشاهد مغيب الشَّمس فلا يحتاج معه إلى أمر آخر.
هذا؛ وقد اختلفت الرِّوايات عن الشَّيباني في ذلك، فأكثر ما وقع فيها أنَّ المراجعة وقعت ثلاثًا، وفي بعضها مرَّتين، وفي بعضها مرَّة واحدة وهو محمول على أنَّ بعض الرُّواة اختصر القصَّة، لا يقال إنَّ المراجعة معاندة لا يليق ذلك بالصَّحابي رضي الله عنه؛ لأنَّه بناء على الظن كما تقدَّم، فلو تحقَّق أنَّ الشَّمس قد غربت لما توقَّف، وإنما توقف احتياطًا واستكشافًا عن حكم المسألة، والله أعلم.
وفي الحديث ما يدلُّ على أن الصَّوم في السَّفر في رمضان أفضل من الإفطار، وذلك لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان صائمًا وهو في السَّفر في شهر رمضان.
وقد اختلفوا في هذا الباب فمنهم من روى عنه التَّخيير كابن عبَّاس وأنس وأبي سعيد رضي الله عنهم، وكسعيد بن المسيَّب وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والنَّخعي ومجاهد والأوزاعي واللَّيث.
وذهب قوم إلى أنَّ الإفطار أفضل؛ كعمر بن عبد العزيز والشَّعبي وقتادة ومحمَّد بن علي والشَّافعي وأحمد وإسحاق.
وقال ابن العربي قالت الشَّافعية الفطر أفضل في السَّفر. وقال أبو عمر قال الشَّافعي هو مخيَّر ولم يفصل، وكذلك قال ابن عليَّة. وقال القاضي مذهب الشَّافعي أنَّ الصَّوم أفضل، وممَّن كان لا يصوم في السَّفر حذيفة رضي الله عنه. وذهب قوم إلى أنَّ الصَّوم أفضل، وبه قال الأسود بن يزيد وأبو حنيفة وأصحابه؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان صائمًا في شهر رمضان في السَّفر كما في الحديث، ولقوله تعالى {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة 185] ولبراءة الذِّمة وفضيلة الوقت.
وفارق ذلك القصر في السَّفر عندنا، وأفضليَّته عند الشَّافعي بأن في القصر براءة الذمَّة، ومحافظة على فضيلة الوقت بخلاف الفطر، وبأنَّ فيه خروجًا من الخلاف وليس هنا خلاف يعتد به في إيجاب الفطر فكان الصَّوم أفضل.
نعم؛ إن خاف من الصَّوم ضررًا
ج 9 ص 379
في الحال أو الاستقبال فالفطر أفضل، وعليه يحمل الحديث الآتي بعد باب إن شاء الله تعالى [خ¦1944] .
وفي «التَّوضيح» وبه أي بأفضلية الصَّوم قال الشَّافعي ومالك وأصحابه وأبو ثور، وكذا روي عن عثمان بن أبي العاص وأنس بن مالك رضي الله عنهما، وروي عن عمر وابنه وأبي هريرة وابن عبَّاس رضي الله عنهم إن صام في السَّفر لم يجزه، وعليه القضاء في الحضر.
وعن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه قال الصَّائم في السَّفر كالمفطر في الحضر، وبه قال أهل الظَّاهر. وممَّن كان يصوم في السَّفر ولا يفطر عائشة وقيس بن عباد وابن عمر رضي الله عنهم وأبو الأسود وابن سيرين وسالم بن عبد الله وعمرو بن ميمون وأبو وائل.
وقال علي رضي الله عنه فيما رواه حمَّاد بن زيد عن أيُّوب عن محمَّد بن عبيدة عنه من أدرك رمضان وهو مقيم ثمَّ سافر فقد لزمه الصَّوم؛ لأن الله تعالى قال {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة 185] .
وقال أبو مجلز لا يسافر أحد في رمضان فإن سافر فليصم. وقال أحمد يباح له الفطر، فإن صام كره وأجزأه. وعنه الأفضل الفطر. وقال أحمد كان عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يأمران بالإعادة؛ يعني إذا صام.
وقالت المالكيَّة يجوز الفطر في سفر القصر إذا شرع في السَّفر قبل الفجر ولم ينو الصِّيام في السَّفر، وقد خرج بقولهم (( شرع فيه قبل الفجر ) )ما إذا سافر بعده، فإن فطره ذلك اليوم لا يجوز عندهم إذا نوى الصَّوم قبل خروجه، وبقولهم (( ولم ينو الصِّيام في السَّفر ) )إذا نوى الصَّوم فإن فطره لا يجوز، فإن خالف في الوجهين فأفطر لزمه القضاء، ولو كان صومه تطوعًا ولا كفَّارة عليه في المسألة الأولى بخلاف الثَّانية.
وقالت الحنابلة يستحب له الفطر. قال المرداوي وهو المذهب وعليه الأصحاب ونصَّ عليه، وقد مرَّ آنفًا، سواء وجد مشقَّة أم لا، وفي وجه أنَّ الصَّوم أفضل.
هذا؛ وقال الإسبيجابي في «شرح مختصر الطَّحاوي» الأفضل أن يصوم في السَّفر إذا لم يضعفه الصَّوم، فإن أضعفه ولحقه مشقَّة بالصَّوم فالفطر أفضلُ، فإن أفطر من غير مشقَّة لا يأثم قال وبما قلناه قال مالك والشَّافعي. قال النَّووي هو المذهب، وعن مجاهد في رواية (( أفضل الأمرين أيسرهما عليه ) )وقيل الصَّوم والفطر فيه سواء وهو قول للشَّافعي.
ج 9 ص 380
وفي الحديث أيضًا استحباب تعجيل الفطر. وفيه أيضًا بيان انتهاء وقت الصَّوم وهو أمر مجمع عليه.
وقال أبو عمر في «الاستذكار» أجمع العلماء على أنَّه إذا حلت الصَّلاة المغرب فقد حلَّ الفطر للصَّائم فرضًا وتطوعًا، وأجمعوا أنَّ صلاة المغرب من صلاة اللَّيل، والله عزَّ وجلَّ قال {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة 187] .
واختلفوا في أنَّه هل يجب تيقن الغروب أم يجوز الفطر بالاجتهاد؟
قال الرَّافعي الأحوط أن لا يأكل إلَّا بيقين غروب الشَّمس؛ لأن الأصل بقاء النَّهار فيستصحب إلى أن يستيقن خلافه. قال ولو اجتهد وغلب على ظنِّه دخول اللَّيل، ففي جواز الأكل وجهان
أحدهما وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائني أنَّه لا يجوز. وأصحهما الجواز، وإذا كانت البلدة فيها أماكن مرتفعة وأمَّاكن منخفضة فهل يتوقَّف فطر سكَّان الأماكن المنخفضة على تحقق غيبة الشَّمس عند سكان الأماكن المرتفعة؟ الظَّاهر اشتراط ذلك. وفيه أيضًا جواز الاستفسار عن الظَّواهر؛ لاحتمال أن لا يكون المراد إمرارها على ظاهرها.
وفيه أيضًا أنَّه لا يجب إمساك جزء من اللَّيل مطلقًا، بل متى تحقَّق غروب الشَّمس حل الفطر. وفيه أيضًا تذكير العالم بما يخشى أن يكون نسيه. وفيه أيضًا أنَّ الأمر الشَّرعي أبلغ من الحسِّي، وأنَّ العقل لا يقضي على الشَّرع. وفيه أيضًا أنَّ النَّظر على القمر ليس بواجب، وإنَّما هو مستحب لو تركه جاز، فافهم.
وفيه أيضًا إسراع النَّاس إلى إنكار ما يجهلون لما جُهل من الدَّليل الذي عليه الشَّارع، وأنَّ الجاهل بالشَّيء ينبغي أن يسمح له فيه مرَّة بعد أخرى، والثَّالثة تكون فاصلة بينه وبين معلمه كما فعل الخضر بموسى عليه السَّلام وقال {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِك} [الكهف 78] .
وهذا الحديث من رباعيَّات البخاري، وقد أخرجه أيضًا في الطَّلاق [خ¦5297] ، وأخرجه مسلم في الصَّوم، وكذا أبو داود والنَّسائي.
(تَابَعَهُ) أي تابع سفيان بن عينية في أصل الحديث (جَرِيرٌ) بفتح الجيم، هو ابن عبد الحميد (وَ) تابعه أيضًا (أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ) بتشديد التحتانية وبالشين المعجمة، ابن سالم الأسدي الكوفي الحناط _ بالنون _ المقرئ، وقد اختلف في اسمه على أقوال فقيل محمَّد، وقيل عبد الله، وقيل سالم، وقيل غير ذلك، والأصح أنَّ اسمه كنيته، وقد مرَّ في آخر الجنائز [خ¦1390] .
(عَنِ الشَّيْبَانِيِّ،
ج 9 ص 381
عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ) أمَّا متابعة جرير فوصلها البخاري في الطَّلاق [خ¦5297] ، وأمَّا متابعة أبي بكر فستأتي موصولة في باب تعجيل الإفطار إن شاء الله تعالى [خ¦1958] .