وقال عطاء لحوم الإبل وألبانها.
قال الضَّحَّاك قال اليهود لرسول الله صلى الله عليه وسلم حُرِّم علينا هذا في التَّوراة، فأكذبهم الله تعالى، وأخبر أنَّ إسرائيل حرَّم على نفسه من قبل أن تنزل التَّوراة، ودعاهم إلى إحضارها، فقال {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ} [آل عمران 93] الآية.
وغرضُ البخاريِّ من هذه التَّرجمة أن يبيِّن أنَّ المراد بالتِّلاوة القراءة، وقد فُسِّرت التِّلاوة بالعمل، والعمل من فعل الفاعل، وسيظهرُ الكلام وضوحًا ممَّا سيأتي.
(وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالجر عطفًا على «قول الله تعالى» (أُعْطِيَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ التَّوْرَاةَ فَعَمِلُوا بِهَا، وَأُعْطِيَ أَهْلُ الإِنْجِيلِ الإِنْجِيلَ فَعَمِلُوا بِهِ، وَأُعْطِيتُمُ الْقُرْآنَ فَعَمِلْتُمْ بِهِ) والمقصود من هذا وما بعده ذكر أنواع من التَّسليم الَّذي هو الغرض من الإرسال والإنزال، وهو التِّلاوة والإيمان به، والعمل به.
وهذا التَّعليق وصلَه البخاري في آخر الباب موصولًا، لكن بلفظ [خ¦7533] (( أُوتي ) )، و (( أُوتيتم ) ). وقد مضى في اللفظ المعلَّق (( أُعطِي ) )و (( أُعطيتم ) )في (( باب المشيئة والإرادة ) )في أوائل (( كتاب التوحيد ) ) [خ¦7467] .
(وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ) بفتح الراء وكسر الزاي وسكون التحتية وبالنون، بوزن عظيم، هو مسعودُ بن مالك الأسدي التَّابعي الكبير الكوفي، في قوله تعالى ( {يَتْلُونَهُ} ) أي {حقَّ تلاوته} ، كما في رواية أبي ذرٍّ(يَتَّبِعُونَهُ وَيَعْمَلُونَ بِهِ
ج 30 ص 402
حَقَّ عَمَلِهِ)وصله سفيان الثوري في «تفسيره» من رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود، عنه، عن منصور بن المعتمر عن أبي رَزين، فذكره.
(يُقَالُ {يُتْلَى} ) أي (يُقْرَأُ) قاله أبو عبيدة في «المجاز» في قوله تعالى {أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت 51] (حَسَنُ التِّلاَوَةِ) أي (حَسَنُ الْقِرَاءَةِ لِلْقُرْآنِ) وكذا يقال رديء التِّلاوة؛ أي القراءة، ولا يقال حسن القرآن، ولا رديء القرآن، وإنَّما يُسنَد إلى العباد القراءةُ، لا القرآن؛ لأنَّ القرآن كلامُ الله، والقراءة فعل العبد. أراد أنَّ معنى التِّلاوة القرآن، واستدلَّ عليه بأنَّه يقال حسن التِّلاوة، وحسن القراءة.
وقوله (( للقرآن ) )يعني قراءة القرآن، والفرق بينهما أنَّ التِّلاوة تأتي بمعنى الاتِّباع، وهي تقع بالجسم تارة، وتارةً بالاقتداء في الحكم، وتارةً بالقراءة.
قال الرَّاغب التِّلاوة في عرف الشَّرع تختصُّ باتِّباع كتب الله المنزَّلة تارةً بالقراءة، وتارةً بامتثال ما فيها من أمرٍ ونهيٍ، وهي أعمُّ من القراءة، فكلُّ قراءة تلاوة من غير عكسٍ.
(لاَ يَمَسُّهُ لا يَجِدُ طَعْمَهُ وَنَفْعَهُ إِلاَّ مَنْ آمَنَ بِالْقُرْآنِ، وَلاَ يَحْمِلُهُ بِحَقِّهِ إِلاَّ الْمُوقِنُ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر ، أشار بهذا إلى تفسير قوله تعالى {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة 79] ، وفسَّر قوله {لَا يَمَسُّهُ} بقوله لا يجد طعمه ونفعَه إلَّا من آمن بالقرآن؛ أي المطهَّرون من الكفر، ولا يحمله بحقِّه إلَّا الموقن بكونه من عند الله المطهَّر من الجهل والشَّكِّ ونحوه، لا الغافل كالحمار مثلًا.
(لِقَوْلِهِ تَعَالَى {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} ) ولا يدري ما هي ( {بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ، وَسَمَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الإِسْلاَمَ وَالإِيمَانَ) زاد أبو ذرٍّ (عَمَلًا) أي في حديث سؤال جبريل عليه السلام السابق مرارًا [خ¦50] [خ¦4777] قيل لا فائدة زائدة في قوله «وسمَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم ... إلى آخره» ، ولأنَّه لم يُنكِر أحدٌ كون هذه الأشياء أعمالًا؛ لأنَّ الإسلام والإيمان من أعمال القلب واللِّسان، والصَّلاة من أعمال الجوارح.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلاَلٍ أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ) بفتح الميم (عَمِلْتَهُ) بكسرها (فِي الإِسْلاَمِ، قَالَ) يا رسول الله(مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي
ج 30 ص 403
أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ)طهورًا في ساعة ليلٍ أو نهار (إِلاَّ صَلَّيْتُ) أي بذلك الطهور ، كما في بعض الروايات. ودخول هذا الحديث هنا من جهة الصَّلاة؛ لأنَّه لا بدَّ فيها من القراءة. وقد مضى الحديث موصولًا في «كتاب التهجد» ، في «باب فضل الطهور الليل والنهار» [خ¦1149] .
(وَسُئِلَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟) أي أكثر ثوابًا عند الله (قَالَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ الْجِهَادُ) في سبيل الله (ثُمَّ حَجٌّ مَبْرُورٌ) أي مقبولٌ لا يخالطه شيءٌ ممَّا ينافيه.
وقد مضى في «الإيمان» موصولًا، في «باب من قال إنَّ الإيمان هو العمل» [خ¦26] ، أخرجه من حديث سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل ) ).
ومضى كذلك في «الحج» ، في «باب فضل الحج المبرور» [خ¦1519] ، وفيه (( سُئل أي الأعمال ) ). وفي الذي في «الإيمان» (( سئل أيُّ العمل ) ) [خ¦26] بالإفراد.