1894 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبيُّ (عَنْ مَالِكٍ) الإمام (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي والنون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصِّيَامُ جُنَّةٌ) زاد سعيدُ بن منصور، عن مغيرة بن عبد الرَّحمن، عن أبي الزِّناد (( جنَّة من النَّار ) ).
وفي رواية النسائيِّ من حديث عائشة رضي الله عنها مثله، وفي روايته أيضًا من حديث عثمان بن أبي العاص (( الصِّيام جنَّة كجنَّة أحدكُم من القتالِ ) )، وفي رواية أحمد من طريق أبي يونس، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( جنَّة وحصنٌ من النَّار ) )، وفي روايته أيضًا من حديث أبي عُبيدة بن الجراح رضي الله عنه (( الصِّيام جنَّه ما لم يخرقها ) )، وزاد الدَّرامي (( بالغيبة ) ). وبذلك ترجم له هو وأبو داود.
والجُنَّة بضم الجيم، كلُّ ما سترَ ووقى، ومنه المجِنُّ، وهو الترس، ومنه سمِّي الجنُّ؛ لاستتارهم عن العيون، والجِنَان؛ لاستتارها بأوراقِ الأشجار.
وقد تبيَّن بالروايات المذكورة أنَّ الصَّوم سترٌ من النار، وبهذا جزم ابن عبد البر.
وإنما كان الصَّوم جُنَّة من النَّار؛ لأنَّه إمساكٌ عن الشهوات، والنار محفوفةٌ بالشَّهوات، كما في الحديث الصَّحيح (( حفَّت الجنَّة بالمكاره، وحفَّت النَّار بالشَّهوات ) ).
وقال ابن الأثير صاحب «النهاية»
ج 9 ص 159
معنى كونه جنة؛ أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشَّهوات.
وقال القاضي عياض معناه يسترُ من الآثام، أو من النَّار، أو من جميع ذلك، وبالأخير جزمَ، فينبغي للصَّائم أن يصونه ممَّا يفسده، وينقصُ ثوابه، وإليه الإشارة بقوله (( فإذا كان يوم صوم أحدكُم فلا يرفثْ ) )إلى آخره.
ويصحُّ أن يُراد أنَّه سترة بحسب فائدته، وهو إضعاف شهوات النَّفس، وإليه الإشارة بقوله (( يدعُ شهوته ) )إلى آخره.
ويصحُّ أن يرادَ أنَّه سترة بحسب ما يحصل من الثَّواب، وتضعيفِ الحسنات.
وقال ابنُ العربي إنَّما كان الصَّوم جُنَّة من النار؛ لأنَّه إمساكٌ عن الشَّهوات في الدُّنيا، فكان ذلك ساترًا له من النار في الآخرة. وفي زيادة أبي عُبيدة بن الجراح إشارةٌ إلى أنَّ الغيبة تضرُّ الصِّيام، وقد حكي عن عائشة رضي الله عنها. وبه قال الأوزاعي أنَّ الغيبة تفطر الصَّائم، وتوجب علية قضاء ذلك اليوم.
وأفرط ابنُ حزم فقال يبطلُه كلُّ معصيةٍ من متعمِّد لها ذاكرٍ لصومه سواءٌ كانت فعلًا أو قولًا؛ لعموم قوله (( فلا يرفث ولا يجهل ) ). ولقوله في الحديث الآتي بعد أبواب [خ¦1903] (( من لم يدعْ قول الزُّور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدعَ طعامه وشرابه ) ).
والجمهورُ وإن حملوا النَّهي على التَّحريم، إلَّا أنهم خصُّوا الفطر بالأكل والشُّرب والجماع.
وأشار ابن عبد البر إلى ترجيحِ الصِّيام على غيره من العبادات فقال حسبك بكون الصِّيام جنَّة من النار فضلًا. وروى النسائيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قلتُ يا رسول الله! مُرْني بأمرٍ آخذه عنك، قال (( عليك بالصَّوم فإنه لا مثل له ) )، وفي روايةٍ (( لا عدل له ) )، والمشهور عند الجمهور ترجيح الصَّلاة.
(فَلاَ يَرْفُثْ) بالمثلثة وتثليث الفاء؛ أي لا يفحش من الرَّفَث _ بفتح الراء والفاء _، والمراد منه هنا الكلام الفاحش، وقد يُطلق على الجماع ومقدِّماته، وعلى ذكره مع النِّساء، أو مطلقًا، ويحتمل أن يكون النَّهي عمَّا هو أعم منها.
(وَلاَ يَجْهَلْ) أي لا يفعل شيئًا من أفعال أهل الجهلِ كالصِّياح والسُّخرية، أو لا تسفه على أحدٍ؛ إذ الجهل جاء أيضًا بمعنى السَّفاهة. وفي رواية سعيد بن منصور
ج 9 ص 160
من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه (( فلا يرفثْ ولا يجادلْ ) ).
قال القرطبي لا يفهم من هذا أنَّ غير الصَّوم يباح فيه ما ذكر، وإنَّما المراد أنَّ المنع من ذلك يتأكَّد بالصَّوم حتى قال الأوزاعيُّ يفطر السبُّ والغيبة، فقيل معناه أنَّه يصير في حكم المفطر في سقوط الأجر، لا أنَّه يفطر حقيقة. ثم إنَّه هكذا وقع مختصرًا هنا، وفي «الموطَّأ» (( الصيام جنَّة، فإذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث ) )إلى آخره.
(وَإِنِ امْرُؤٌ) بتخفيف النون (قَاتَلَهُ) تقديره وإن قاتله امرؤ، كما في قوله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة 6] ، ومعنى قاتله نازعه ودافعه، وقد جاء القتل بمعنى اللَّعن (أَوْ شَاتَمَهُ) أي تعرَّض للمشاتمة. وفي رواية أبي صالح (( فإن سابَّه أحدٌ أو قاتله ) ) [خ¦1904] ، وفي رواية أبي قرَّة من طريق سهيل عن أبيه (( وإن شتمَه إنسانٌ فلا يكلِّمه ) ). ونحوه في رواية همام عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أحمد، وفي رواية سعيد بن منصور من طريق سهيل (( فإن سابَّه أحدٌ، أو ماراه ) )يعني جادله. وفي رواية ابن خُزيمة من طريق عجلان مولى المُشْمَعِل عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فإن شاتمك أحدٌ فقل إنِّي صائم، وإن كنت قائمًا فاجلسْ ) ). وفي رواية أحمد والترمذي من طريق سعيد بن المسبب عن أبي هريرة رضي الله عنه (( فإن جهلَ على أحدكُم جاهلٌ، وهو صائم، فليقل إنِّي صائم ) ). وفي رواية النسائيِّ من حديث عائشة رضي الله عنها (( وإن امرؤ جهل عليه فلا يشتمه ولا يسبُّه ) ).
(فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ، مَرَّتَيْنِ) قال الشَّيخ زين الدِّين العراقيُّ واختلف العلماء في هذا على ثلاثة أقوال
الأوَّل أن يقول ذلك بلسانه حتَّى يعلم من جهل أنَّه معتصم بالصِّيام عن اللَّغو والرَّفث والجهل.
والثَّاني أن يقول ذلك لنفسه؛ أي أنا صائم، وإذا كنتُ صائمًا فلا ينبغي أن أخدشَ صومي بالجهل ونحوه، فيزجر نفسه.
والقول الثالث التَّفرقة بين صيام الفرض والنفل، فيقول ذلك بلسانه في الفرض، ويقوله لنفسه في التطوع. انتهى.
وبالقول الثاني جزم المتولِّي، ونقله الرافعيُّ عن الأئمة. انتهى. ورجح النَّووي الأول في «الأذكار» .
وقال في «شرح المهذب» كلٌّ منهما حسنٌ، والقول باللِّسان أقوى، ولو جمعهما؛ لكان حسنًا.
ولهذا التَّردد أتى البخاري في ترجمته كما سيأتي بعد أبواب بالاستفهام فقال باب هل يقول إنِّي صائم إذا شتم [خ¦1904 قبل] .
وقال الرويانيُّ إن كان رمضان فليقلْه بلسانه قطعًا، والله أعلم.
وقال الكرمانيُّ أي كلامًا لسانيًا ليسمعه الشَّاتم والمقاتل، فينزجر غالبًا، أو كلامًا نفسانيًّا؛ أي يحدِّث به نفسه؛ ليمنعها من مشاتمتهِ.
وعند الشافعيِّ
ج 9 ص 161
يجب الحمل على كلا المعنيين.
هذا وقوله (( مرَّتين ) )اتَّفقت الرِّوايات كلها على أنَّه يقول (( إني صائم ) ). فمنهم من ذكرها مرتين، ومنهم من اقتصر على واحدة، وأمَّا التكرير فلتأكيد الانزجار منه، أو ممن يخاطبه بذلك.
ونقل الزركشيُّ أنَّ المراد بقوله (( فليقل إني صائم ) )مرَّتين مرَّة بقلبه، ومرَّة بلسانه، فيستفيد بقوله بقلبه، كفَّ لسانه عن خصمهِ، وبقوله بلسانه، كفَّ خصمه عنه.
وتعقِّب بأنَّ القول حقيقة في اللِّسان. وأُجيب بأنَّه لا يمنع المجاز.
ثم إنَّ قوله (( قاتله، أو شاتمه ) )قد استشكل ظاهره بأنَّ المفاعلة تقتضِي وقوع الفعل من الجانبين، والصَّائم لا تصدر منه الأفعال التي ذكرت، فإنَّه مأمورٌ بأن يكفَّ نفسه عن ذلك.
وأُجيب بأنَّ المراد بالمفاعلة التَّهيؤ لها؛ يعنى إن تهيأ أحدٌ لمقاتلته، أو مشاتمتهِ فليقل إنِّي صائمٌ، فإنَّه إذا قال ذلك أمكنَ أن يكفَّ عنه، فإن أصرَّ دفعه بالأخفِّ فالأخف كالصَّائل، هذا فيمن يرومُ مقاتلتهُ حقيقةً، فإن كان المراد بقوله (( قاتلَه شاتمهُ ) )فإنَّ القتل قد يُطلق على اللَّعن، واللَّعن من جملة السبِّ. ويُؤيده ما ذكر من الألفاظ المختلفة فإنَّ حاصله يرجع إلى الشَّتم، فالمراد من الحديث أنَّه لا يعامله بمثل ما عامله به، بل يقتصر على قوله (( إني صائم ) )وقد تقع المفاعلة بفعل الواحد كما يقال سافرتُ، وعافاه الله، وفلان عالج الأمر.
ويؤيِّده ما ذكر من رواية سهيل عن أبيه (( وإن شتمه إنسان فلا يكلمه ) )وأبعدَ من حمله على ظاهره فقال المراد إذا بَدَرَ من الصَّائم مقابلة الشَّتم بالشتم على مقتضى الطَّبع، فلينزجر عن ذلك، وليقل إنِّي صائمٌ، والله أعلم.
وفي «المصابيح» أنَّ هذا القول لتأكيد المنع، فكأنَّه يقول لخصمه إنِّي صائم تحذيرًا له وتهديدًا بالوعيد المتوجه على من انتهك حرمة الصَّائم، وتذرَّع إلى تنقيصِ أجره بإيقاعه في المشاتمة، أو تذكر شديد المنع المعلَّل بالصَّوم، فيكون من إطلاق القول على الكلام النفسيِّ.
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) أقسم على ما يذكر بالتَّأكيد (لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ) بضم الخاء المعجمة واللام على الصَّحيح المعروف في كتب اللُّغة والحديث، ولم يحك صاحبا «المحكم» و «الصحاح» غيره. وقال القاضي عياض وكثيرٌ من الشُّيوخ يروونه بفتحها. قال الخطابي وهو خطأ.
ج 9 ص 162
وبالغ النَّووي في «شرح المهذب» فقال لا يجوز فتح الخاء، واحتجَّ غيره لذلك بأنَّ المصادر التي جاءت على فَعول _ بفتح أوله _ قليلة، ذكرها سيبوبه وغيره، وليس هذا منها.
وقال القابسيُّ أهل المشرق يقولونه بالوجهين، والصواب الأول. وفي «التلويح» وفي رواية (( لخُلفة فم الصائم ) )بضم الخاء أيضًا.
واتَّفقوا على أن المراد به تغيُّر رائحة فم الصَّائم بسبب الصيام، وخلاء معدته من الطَّعام، يقال خَلَف فوه _ بفتح الخاء واللام _ يخلُف _ بضم اللام _، وأخلف يَخْلُف إذا غيَّر، واللغة المشهورة خلف. وفي قوله (( فم الصَّائم ) )ردٌّ على من قال لا تثبت الميم في الفم عند الإضافة إلَّا في ضرورة الشِّعر؛ لثبوته في هذا «الصحيح» وغيره.
(أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ) وفي لفظ المسلم والنسائيِّ (( أطيبُ عند الله يوم القيامة ) ). اختلف في كون الخلوف أطيبُ عند الله من المسك مع أنَّه سبحانه وتعالى منزَّهٌ عن استطابة الرَّوائح؛ لأنَّ ذلك من صفات الحيوان الَّذي له طباع يميل إلى شيءٍ يستطيبُه، وينفر عن شيءٍ يستقذره مع أنَّه يعلم الشَّيء على ما هو عليه.
فقال المازريُّ هذا مجاز؛ لأنَّه جرت العادة بتقريب الرَّوائح الطيِّبة منَّا، فاستعيرَ ذلك في الصَّوم؛ لتقريبه من الله تعالى، فالمعنى إنَّه أطيبُ عند الله من ريح المسك عندكم؛ أي يقرب إليه أكثر من تقريبِ المسك إليكم، وإلى ذلك أشارَ ابن عبد البر حيث قال أزكى عندَ الله، وأقرب إليه.
وقال الخطابيُّ طيبه عند الله رضاهُ به، وثناؤه الجميل، وثوابه. وقيل المراد أنَّ ذلك في حقِّ الملائكة، وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر ممَّا يستطيبون ريح المسك.
وقال البغويُّ معناه الثَّناء على الصَّائم والرضا بفعله؛ لئلا يمنعه ذلك من المواظبة على الصَّوم الموجب للخلوف، وبنحو ذلك قال القدوريُّ من الحنفية، والدَّاودي وابن العربي من المالكية، وأبو عثمان الصَّابوني وأبو بكر بن السَّمعاني وغيرهم من الشافعيَّة جزموا كلهم بأنَّه عبارةٌ عن الرضا والقبول.
وقيل المعنى إنَّ حكم الخلوف والمسك عند الله على ضدِّ ما هو عندكم. وقيل معناه لجزاء خلوفه أطيبُ منه، والمراد أنَّ الله تعالى يجزيه في الآخرة، فتكون نكهتُه أطيبُ من ريح المسك، كما قال في المكلوم (( الرِّيح
ج 9 ص 163
ريحُ المسك )) [خ¦2803] . وفي رواية (( يأتي المكلومُ وريح جرحه تفوح مسكًا ) ).
وقال النوويُّ إنَّ معناه أنَّ الخلوف أكثر ثوابًا من المسك حيث ندبَ إليه في الجمعات والأعياد ومجالس الذِّكر.
وقال البيضاويُّ وهو تفضيلٌ لما يستكره من الصَّائم على ما يستلذُّ من جنسه، وهو المسكُ؛ ليقاس عليه ما فوقه من آثار الصوم.
وقال الكرمانيُّ معنى الأطيب الأقبل؛ لأنَّ الطيب يستلزم القبول عادة؛ أي خلوفه أقبل عند الله من قبول ريح المسك عندكم، أو هذا الكلام جرى على سبيل الفرض؛ أي لو تصوَّر الطِّيب عند الله؛ لكان الخلوف طيب.
ونفل القاضي حسين في «تعليقه» إنَّ للطَّاعات يوم القيامة ريحًا تفوح، قال فرائحة الصِّيام فيها بين العبادات كالمسك.
ثم إنَّه وقع خلافٌ بين ابن الصَّلاح وابن عبد السلام في أنَّ طيب رائحةِ الخلوف هل هو في الدُّنيا، أو في الآخرة؟ فذهب ابنُ عبد السلام إلى أنَّه في الآخرة كما في دم الشهيد، واستدلَّ برواية مسلم والنسائي التي مضت حيث قيد فيها بيوم القيامة.
وقد قال ابنُ بطال معنى عند الله؛ أي في الآخرة، قال تعالى {وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ} [الحج 47] يريد أيام الآخرة.
وروى أبو الشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا (( يخرجُ الصَّائمون من قبورهمْ يُعرَفون بريح أفواهِهِم، أفواهُهُم أطيبُ عند الله من ريح المسك ) ).
وذهب ابن الصَّلاح إلى أنَّ ذلك في الدنيا.
واستدلَّ بحديث جابر رضي الله عنه في أثناء حديثٍ مرفوع في فضل هذه الأمَّة، وأما الثَّانية (( فإنَّ خلوف أفواههِم حين يمسون أطيبُ عند الله من ريحِ المسك ) )أخرجه الحسنُ بن سفيان في «مسنده» ، والبيهقيُّ في «الشعب» . قال المنذريُّ إسنادهُ مُقارب. وبما رواه ابنُ حبان في «صحيحه» وفيه (( فم الصَّائم حين يخلف من الطعام ) ).
ويمكن أن يحمل قوله (( حين يخلف ) )على أنَّه ظرف لوجود الخلوف المشهود له بالطِّيب، فيكون سببًا للطِّيب في الحال الثاني، فيوافق الرواية الأولى، وهي قوله (( يوم القيامة ) ). وقال العينيُّ لا مانع من أن يكون ذلك في الدُّنيا والآخرة، والله أعلم.
ثمَّ ذكر يوم القيامة في تلك الرواية؛ لأنَّه يوم الجزاء، وفيه يظهرُ رجحان الخلوف على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة طلبًا لرضا الله تعالى
ج 9 ص 164
حيث يؤمر باجتنابها، فقيَّده بيوم القيامة، وأطلق في باقي الرِّوايات نظرًا إلى أنَّ أصل أفضليته ثابتٌ في الدَّارين، وهذا كقوله تعالى {إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ} [العاديات 11] ، وهو خبيرٌ بهم في كلِّ يوم. انتهى.
ويترتَّب على هذا الخلاف المشهور كراهية إزالة هذا الخلوف بالسِّواك، وعدم كراهته، وسيأتي البحث فيه بعد بضعة وعشرين بابًا إن شاء الله تعالى [خ¦1930] .
فإن قيل لم كان خلوف فم الصَّائم أطيبُ عند الله من ريحِ المسك، ودم الشَّهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنَّفس، وبذل الروح؟.
وأُجيب بأنَّه كان أثر الصَّوم أطيبُ من أثر الجهاد؛ لأنَّ الصَّوم أحدُ أركان الإسلام المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم (( بُني الإسلام على خمس ) ) [خ¦8] ، وبأنَّ الجهاد فرضُ كفاية، والصَّوم فرضُ عين، وفرضُ العين أفضلُ من فرض الكفاية، كما نص عليه الشافعيُّ.
وروى الإمام أحمد في «مسنده» أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( دينارٌ تنفقه على أهلكَ، ودينارٌ تنفقه في سبيلِ الله أفضلهما الذي تنفقه على أهلك ) ).
ووجه دَلالته على المطلب من حيث إنَّ النَّفقة على الأهل التي هي فرضُ عين أفضل من النَّفقة في سبيل الله، وهو الجهادُ الذي هو فرضُ كفاية.
ولا يُعارض هذا ما رواه أبو داود الطَّيالسيُّ من حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال خطبَ النَّبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الجهاد وفضله على سائر الأعمال إلَّا المكتوبة، فإنه يحتمل أن يكون ذلك قبل وجوب الصَّوم.
وأمَّا قول إمام الحرمين وجماعة إنَّ فرض الكفاية أفضلُ من فرضِ العين، فمحلُّ نظرٍ.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا يلزم من ذلك أن يكون الصِّيام أفضل من الشَّهادة؛ لما لا يخفى، ولعلَّ سبب ذلك النَّظر إلى أصل كلٍّ منهما، فإنَّ أصل الخلوف طاهرٌ، وأصل الدَّم بخلافه، فكان ما أصله طاهر أطيب ريحًا. انتهى، فليتأمل.
(يَتْرُكُ) أي الصَّائم (طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ) قال الحافظ العسقلانيُّ والمراد بالشَّهوة هنا شهوة الجماع؛ لعطفها على الطَّعام والشَّراب، ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص، وقد وقع في رواية «الموطأ» بتقديم الشَّهوة عليهما، فيكون من الخاصِّ بعد العام.
وفي رواية ابن خزيمة من طريق سهيل، عن أبي صالح، عن أبيه (( يدع الطعام والشَّراب من أجلي، ويدع لذَّته من أجلي، ويدع زوجته من أجلي ) ). وفي رواية أبي قرَّة من هذا الوجه (( يدعُ امرأته وشهوته وطعامه وشرابه من أجلي ) ). وأصرح من ذلك ما وقع عند الحافظ سمويه في «فوائده» من طريق المسيب بن رافع، عن أبي صالح (( ترك شهوته من الطَّعام والشَّراب والجماع من أجلي ) ). انتهى.
ج 9 ص 165
وقوله (مِنْ أَجْلِي) يقتضي في الحديث قبل قوله (( يترك طعامه ) )... إلى آخره تقديرًا؛ لأنَّ السِّياق يقتضي أن يكون ضمير المتكلم في لفظ (( والذي نفسي بيده ) ). وفي لفظ (( من أجلي ) )عبارة عن متكلِّمٍ واحدٍ، ولا يصحُّ المعنى على ذلك كما لا يخفى. فالتقدير قال الله تعالى يترك طعامه ... إلى آخره، وإنَّما لم يصرِّح به للعلم به، وعدم الإشكال فيه.
وقد روى أحمد هذا الحديث عن إسحاق بن الطَّباع عن مالك فقال بعد قوله (( من ريح المسك ) ) (( يقول الله عزَّ وجلَّ إنَّما يذر شهوته ... ) )إلى آخره.
وكذلك رواه سعيد بن منصور عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزِّناد فقال في أول الحديث (( يقول الله عزَّ وجلَّ كلُّ عمل ابن آدم هو له إلَّا الصيام فهو لي وأنا أجزي به، وإنما يذرُ ابن آدم شهوته وطعامه من أجلي ) )الحديثَ.
وقد يُفهم من الإتيان بصيغة الحصر في قوله (( إنما يذر ... ) )إلى آخره التَّنبيه على الجهة الَّتي بها يستحقُّ الصَّائم ذلك، وهو الإخلاص الخاصُّ به، حتى لو كان ترك المذكورات لغرضٍ آخر كالتُّخمة لا يحصل للصائم ذلك الفضل المذكور، لكن المدار في هذه الأشياء على الدَّاعي القويِّ الذي يدورُ معه الفعل وجودًا وعدمًا، ولا شكَّ أن من لم يعرض في خاطره شهوة شيء من هذه الأشياء طول نهاره إلى أن يفطر ليس هو في الفضل كمن عرض له ذلك، فجاهد نفسه في تركه، والله أعلم.
قال الكرمانيُّ فإن قلت فهذا قول الله وكلامه، فما الفرق بينه وبين القرآن؟.
قلت القرآن لفظه معجزٌ ومنزل بواسطة جبريل عليه السلام، وهذا غير معجزٍ، وبدون الواسطة، ومثله يسمى بالحديث القدِّسي والإلهي والرَّباني.
فإن قلت الأحاديث كلُّها كذلك، وكيف وهو ما ينطق عن الهوى؟.
قلت الفرق بأنَّ القدسي مُضاف إلى الله، ومرويٌّ عنه، بخلاف غيره، وقد يفرَّق بأن القدسيَّ ما يتعلق بتنزيه ذات الله تعالى وبصفاته الجلاليَّة والجمالية منسوبًا إلى الحضرة القدسيَّة تعالى وتقدَّس.
وقال الطيبيُّ القرآن هو اللَّفظ المنزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم للإعجاز، والقدسي إخبار الله تعالى رسوله معناه بالإلهام، أو بالمنام، فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أمَّته بعبارة نفسه، وسائر الأحاديث لم يضفه إلى الله تعالى، ولم يروه عنه. انتهى بعبارته.
(الصِّيَامُ لِي) كذا وقع
ج 9 ص 166
من غير أداة عطف ولا غيرها، وفي «الموطأ» (( فالصيام ) )بالفاء وهي للسببية. وفي رواية مغيرة عن أبي الزِّناد عند سعيد بن منصور (( كلُّ عمل ابن آدم هو له إلَّا الصِّيام فهو لي وأنا أجزي به ) )كما تقدَّم، ومثله في رواية عطاء عن أبي صالح الآتية [خ¦1904] .
(وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) بيان لكثرة ثوابه؛ لأنَّ الكريم إذا أخبر بأنه يتولَّى بنفسه الجزاء كان في ذلك إشارة إلى تعظيمِ ذلك الجزاء وتفخيمهِ.
وقال الكرمانيُّ تقديم الضَّمير للتَّخصيص، أو للتَّأكيد والتَّقوية، لكن الظَّاهر من السِّياق هو الأول؛ أي أنا أجزي به لا غيري، بخلاف سائر العبادات، فإنَّ جزاءها قد يفوَّض إلى الملائكة. انتهى.
اعلم أنَّهم قد أكثروا في معنى قوله (( الصِّيام لي وأنا أجزي به ) )مع أنَّ الأعمال كلَّها لله تعالى، وهو الَّذي يجزي بها، فمن جملة الأقوال أنَّ الصَّوم لا يقع فيه الرِّياء كما يقع في غيره، حكاه المازريُّ، ونقله القاضي عياض عن أبي عُبيد بلفظ أبي عُبيد في (( غريبه ) )قال قد علمنا أنَّ أعمال البرِّ كلها لله تعالى، وهو الَّذي يجزي بها، فنرى والله أعلم أنَّه إنَّما خصَّ الصِّيام؛ لأنَّه ليس يظهر من ابن آدم بفعله، وإنَّما هو شيءٌ في القلب، ويؤيِّد هذا التَّأويل قوله صلى الله عليه وسلم (( ليس في الصوم رياء ) )رواه شبابة عن عقيل، عن الزُّهري، فذكره؛ يعني مرسلًا.
قال وذلك لأنَّ الأعمال لا تكون إلَّا بالحركات إلَّا الصوم، فإنَّما هو بالنيَّة التي تخفى عن النَّاس، هذا وجه الحديث عندي. انتهى.
وقد روى البيهقي هذا الحديث في «الشعب» من طرق عن عقيل، وأورده من وجهٍ آخر عن الزُّهري موصولًا عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وإسناده ضعيفٌ، ولفظه (( الصِّيام لا رياءَ فيه قال الله تعالى هو لي وأنا أجزي به ) ). وهذا لو صحَّ لكان قاطعًا للنِّزاع.
وقال الطبريُّ لما كانت الأعمال يدخلها الرِّياء، والصَّوم لا يطَّلع عليه بمجرَّد فعله إلَّا الله تعالى، فأضافه إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث (( يدع شهوته من أجلِي ) ).
وقال ابنُ الجوزي جميعُ العبادات تظهر بفعلها، وقلَّ أن يسلمَ ما يظهرُ من شوبٍ بخلاف الصَّوم. وارتضى هذا الجواب المازريُّ. وقرره القرطبيُّ بأن أعمال بني آدم لما كانت يمكن دخول الرياء فيها أضيفت إليهم، بخلاف الصَّوم.
وقال الحافظ العسقلانيُّ معنى النفي في قوله (( لا رياء في الصوم ) )أنَّه
ج 9 ص 167
لا يدخله الرِّياء بفعله وإن كان قد يدخله الرِّياء بالقول كمن يصوم، ثمَّ يخبر بأنَّه صائمٌ فقد يدخله الرِّياء من هذه الحيثيَّة، فدخولُ الرِّياء في الصَّوم إنَّما يقع من جهة الإخبار بخلاف بقيَّة الأعمال، فإنَّ الرِّياء قد يدخلها بمجرَّد فعلها.
وقد حاول بعض الأئمَّة إلحاق شيءٍ من العبادات البدنية بالصَّوم فقال إنَّ الذكر بـ (( لا إله إلا الله ) )يمكن أن لا يدخله الرِّياء؛ لأنَّه بحركة اللِّسان خاصة دون غيرها من أعضاء الفم، فيمكن للذَّاكر أن يقولها بحضرة الناس ولا يشعرون عنه بذلك.
والحاصل أنَّه عبادة خالصة لا يستولي عليها الرِّياء ولا السُّمعة؛ لأنَّه عمل سر ليس كسائر الأعمال التي يطَّلع عليها الخلق، وهذا كما روي (( نيَّة المرء خيرٌ من عمله ) ). وذلك أنَّ النية محلُّها القلب، ولا يطَّلع عليها غير الله تعالى، وتقديره أنَّ النِّيَّة مفردة عن العمل خير من العمل الخالي عن النيَّة، كما قال الله تعالى {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر 3] ؛ أي ألف ليس فيها ليلة القدر.
ومنها أنَّ المراد أنَّني أنفرد بعلمِ مقدارِ ثوابه وتضعيفِ حسناته، وأمَّا غيره من العبادات فقد يطَّلع عليها بعض الناس.
قال القرطبيُّ معناه أنَّ الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للنَّاس، وأنَّها تضعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، كما روي في «الموطأ» (( تضاعف الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ إلى ما شاء الله، قال الله تعالى إلَّا الصَّوم فإنه لي وأنا أجزي به ) )أي أُجازي عليه جزاء كثيرًا من غير تعيين لمقداره. وهذا كقوله تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر 10] ، والصابرون الصَّائمون في أكثر الأقوال.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد سبق إلى هذا أبو عُبيد في «غريبه» فقال بلغني عن ابن عيينة أنَّه قال ذلك، واستدلَّ له بأنَّ الصَّوم هو الصَّبر؛ لأنَّ الصَّائم يصبِّر نفسه عن الشَّهوات، وقد قال الله تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر 10] . ويشهد له رواية المسيب بن رافع عن أبي صالح عند سمويه (( إلى سبعمائة ضعفٍ إلَّا الصَّوم فإنه لا يدري أحد ما فيه ) ). ويشهد له أيضًا ما رواه ابن وهب في «جامعه» عن عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن جدِّه زيد، مرسلًا. ووصله الطبرانيُّ والبيهقيُّ في «الشعب» من طريق أخرى عن عمر بن محمد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( الأعمال عند الله سبع ) )الحديثَ، وفيه (( عمل لا يعلم ثواب عامله إلَّا الله، ثمَّ قال وأمَّا العمل الذي لا يعلمُ ثواب عامله إلَّا الله فالصِّيام ) ). انتهى.
وقد استبعد القرطبيُّ هذا، بل أبطله بقوله قد أتى في غير ما حديث أنَّ صوم اليوم بعشرة أيام، فهذا نصٌّ في إظهار التضعيف.
وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لا يلزم من ذلك بطلانه؛ إذ المراد بما أورده أنَّ صيام اليوم الواحد يكتب بعشرة أيام،
ج 9 ص 168
وأما مقدار ثواب ذلك فلا يعلمه إلَّا الله تعالى.
ويؤيده أيضًا العرف المستفاد من قوله (( وأنا أجزي به ) )لأنَّ الكريم إذا قال أنا أتولَّى الإعطاء بنفسي كان في ذلك إشارةً إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه، كما مرَّ.
ومنها أنَّ معناه أنَّ الصوم أحبُّ العبادات إلي، والمقدَّم عندي.
قال ابنُ عبد البر قال تعالى (( الصِّيام لي ) )فأضافه إلى نفسه، وكفى به فضلًا على سائر العبادات. وروى النسائيُّ وغيره من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعًا (( عليك بالصوم فإنه لا مثل له ) )كما تقدم، لكن يعكِّر عليه ما في «الصحيح» (( واعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة ) ).
ومنها أنَّ الإضافة إضافة تشريفٍ كما يقال بيت الله، وناقة الله، مع أنَّ العالم كله لله.
قال الزين ابن المنيِّر التَّخصيص في موضع التَّعميم في مثل هذا السياق لا يُفهم منه إلَّا التَّشريف والتَّعظيم.
ومنها أنَّ الاستغناء عن الطَّعام وغيره من الشَّهوات من صفات الله عزَّ وجلَّ، فلمَّا تقرب الصَّائم إليه بما يوافق صفاته أضافه إليه.
وقال القرطبيُّ معناه أنَّ أعمال العباد مناسبة لأحوالهم إلَّا الصِّيام، فإنَّه مناسبٌ لصفة من صفات الحقِّ تعالى كأنه قال إنَّ الصَّائم تقرب إليَّ بأمر هو متعلِّق بصفة من صفاتي، وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيءٌ.
ومنها أنَّ المعنى كذلك، لكن بالنسبة إلى الملائكة؛ لأنَّ ذلك من صفاتهم.
ومنها أنَّه خالصٌ لله تعالى، وليس للعبد فيه حظ، قاله الخطابيُّ، هكذا نقله القاضي عياض وغيره، فإن أراد بالحظِّ ما يحصل من الثناء عليه لأجل العبادة رجع إلى المعنى الأول.
وقد أفصح بذلك ابنُ الجوزي فقال المعنى ليس لنفس الصَّائم فيه حظٌّ بخلاف غيره فإنَّ له حظًا؛ لثناء النَّاس عليه بعبادته.
ومنها أنَّه لم يعبد به غير الله، فلم يعظم الكفَّار في عصرٍ من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظِّمونه بصورة الصَّلاة والسُّجود والصَّدقة وغير ذلك كالطواف.
واعترض على هذا بما يقعُ من عبَّاد النجوم وأصحاب الهياكل والاستخدامات؛ فإنهم يتعبَّدون لها بالصيام. وأجاب عنه الشيخ زين الدين العراقي بأنَّهم لا يعتقدون أنَّ الكواكب آلهة، وإنَّما يعتقدون أنَّها فعَّالة بأنفسها، وإن كانت عندهم مخلوقة.
قال الحافظ العسقلانيُّ وهذا الجواب عندي ليس بطائل. ولم يبيِّن وجه ذلك، والله أعلم.
ج 9 ص 169
ومنها أنَّ جميع العبادات يوفى منها مظالم العباد إلَّا الصِّيام، روى ذلك البيهقيُّ من طريق إسحاق بن أيُّوب بن حسان الواسطي، عن أبيه، عن ابن عيينة قال إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من عمله حتى لا يبقى له إلَّا الصَّوم، فيتحمل الله عزَّ وجلَّ ما بقي عليه من المظالم، ويدخله بالصَّوم الجنة.
قال القرطبي قد كنتُ أستحسن هذا الجواب إلى أن وجدتُ في حديث المقاصة ذكر الصَّوم في جملة الأعمال حيث قال فيه (( المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصدقةٍ وصيامٍ، ويأتي قد شتمَ هذا، وضرب هذا، وأكلَ مال هذا ) )الحديث، وفيه (( فيؤخذُ لهذا من حسناته، ولهذا من حسناتهِ، فإن فنيتْ حسناته قبل أن يقضيَ ما عليه أخذَ من سيئاتهم فطرحتْ عليه، ثمَّ طرح في النار ) )فظاهره أنَّ الصِّيام مشتركٌ مع بقية الأعمال في ذلك.
وقال الحافظ العسقلانيُّ إن ثبت قول ابن عُيينة أمكنَ تخصيصُ الصِّيام من ذلك.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه يجري الإمكان في كلِّ عام، ولا يثبت التَّخصيص إلَّا بدليل، وإلَّا يلزم إلغاء حكم العام، وهو باطلٌ.
قال الحافظ العسقلانيُّ وقد يستدلُّ له أيضًا بما رواه أحمد من طريق حماد بن سلمة عن محمَّد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( كلُّ العمل كفَّارة إلَّا الصَّوم، الصَّوم لي وأنا أجزي به ) ). وكذا رواه أبو داود الطيالسيُّ في «مسنده» عن شعبة عن محمد بن زياد، ولفظه (( قال ربُّكم تبارك وتعالى كلُّ العمل كفَّارة إلَّا الصَّوم ) ). ورواه قاسمُ بن أصبغ من طريق أخرى عن شعبة بلفظ (( كلُّ ما يعمله ابنُ آدم كفارةٌ له إلَّا الصوم ) ).
وقد أخرجه البخاري في التَّوحيد عن آدم عن شعبة بلفظ (( يرويه عن ربكم عزَّ وجلَّ قال لكلِّ عمل كفَّارة، والصوم لي وأنا أجزي به ) ) [خ¦7538] .
ولم يذكر إلَّا الصوم، فدخل في صدر الكلام الصَّوم؛ لأنَّ لفظ كلٍّ إذا أضيف إلى النَّكرة يقتضِي عموم الأفراد، ولكنه أخرجه من ذلك بقوله (( والصَّوم لي وأنا أجزي به ) )لخصوصيَّةٍ فيه، وإن كانت جميع الأعمال لله تعالى، كما ذكر. وكذا رواه أحمد عن غندر عن شعبة، لكن قال (( كلُّ العمل كفَّارة ) ).
وهذا يخالف رواية آدم؛ لأنَّ معناها أنَّ لكلِّ عملٍ من المعاصِي كفَّارة من الطَّاعات. ومعنى رواية غندر كلُّ عملٍ من الطَّاعات كفارة للمعاصي. وقد بين الإسماعيلي الاختلاف فيه في ذلك على شعبة، وأخرجه من طريق غندر بذكر الاستثناء فاختلف فيه أيضًا على غندر، والاستثناء المذكور يشهد لما ذهب إليه ابن عيينة،
ج 9 ص 170
لكنه وإن كان صحيح السَّند فإنه يعارضه حديث حذيفة رضي الله عنه (( فتنة الرجل في أهله وماله وجاره يكفِّرها الصلاة والصيام والصدقة ) ) [خ¦1895] . ولعلَّ هذا هو السرُّ في تعقيب البخاري لحديث الباب بباب الصوم كفارة، وأورد حديث حذيفة [خ¦1895] .
وسيأتي وجه الجمع بينهما في الكلام على الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.
ومنها أنَّ الصَّوم لا يظهرُ فيكتبه الحفظة كما لا يكتب سائر أعمال القلوب، واستندَ قائله إلى حديث واهٍ جدًّا أورده ابنُ العربي في «المسلسلات» ولفظه (( قال الله تعالى الإخلاص سرٌّ من سرِّي استودعته قلبَ من أُحِبُّ لا يطِّلع عليه ملك فيكتبه، ولا شيطانٌ فيفسدُه ) ).
ويكفي في ردِّ هذا القول الحديثُ الصَّحيح في كتابة الحسنة لمن هم بها، وإن لم يعملْها [خ¦6491] .
ومنها أنَّ معناه الصَّوم لي لا لك؛ أي أنا الذي لا ينبغِي لي أن أطعمَ وأشربَ، وإذا كان بهذهِ المثابة، وكان دخولك فيه لكوني شرعتُه لك، فأنا أجزِي به كأنه يقول أنا جزاؤه؛ لأنَّ صفة التَّنزه عن الطَّعام والشَّراب تطلبني، وقد تلبَّست بها، وليست لك، لكنَّك اتَّصفت بها في حال صومك فهي تُدخلك عليَّ، فإن الصَّوم حبس النَّفس، وقد حبستها بأمري عمَّا تُعطيه حقيقتها من الطَّعام والشَّراب، فلهذا قال صلى الله عليه وسلم (( للصَّائم فرحتان فرحة عند فطره ) )وتلك الفرحة لروحه الحيواني (( وفرحة عند لقاء ربه ) ) [خ¦7492] وتلك الفرحة لنفسه النَّاطقة لطيفته الربانية، فأورثه الصَّوم لقاء الله تعالى، وهو مشاهدةُ جماله، رزقنا الله بتلك اللَّطيفة الربانية.
وقال الحافظ العسقلانيُّ قد بلغني أنَّ بعض العلماء ذكر في توجيه هذا الحديث أكثر من هذا، وهو الطالقانيُّ في «حظائر القدس» ولم أقف عليه.
قال وأقرب الأجوبة التي ذكرت إلى الصَّواب الأول والثاني، ويقربُ منهما الثامن والتاسع، ثم إنَّهم اتَّفقوا على أنَّ المراد بالصِّيام هنا صيام من سلم صيامه من المعاصي قولًا وفعلًا. ونقل ابن العربي عن بعض الزُّهاد أنَّه مخصوصٌ بصيام خواص الخواص، فقال إنَّ الصوم على أربعة أنواع
صيام العوام، وهو الصوم عن الأكل والشُّرب والجماع.
وصيامُ خواص العوام،
ج 9 ص 171
وهو هذا مع اجتناب المحرمات من قول وفعل.
وصيامُ الخواص، وهو الصَّوم عن غير ذكر الله تعالى وعبادته.
وصيامُ خواص الخواص، وهو الصوم عن غير الله تعالى، فلا فطر لهم إلَّا يوم لقائه، وهذا مقامٌ عالٍ.
لكن في حصرِ المراد من الحديث في هذا النوع نظرٌ لا يخفى. وقيل وأدنى درجات الصَّوم الاقتصار على الكفِّ عن المفطرات، وأوسطها أن يضمَّ إليه كفَّ الجوارح عن الجرائم، وأعلاها أن يضمَّ إليهما كفَّ القلب عن الوساوس، وحديث (( الغيبة تفطرُ الصَّائم ) )على ما في «الإحياء» . قال العراقي ضعيفُ. بل قال أبو حاتم كذب. نعم؛ يأثم ويمنع ثوابه إجماعًا، ذكره السبكيُّ.
(وَالْحَسَنَةُ) أي وسائر الأعمال (بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) كذا وقع مختصرًا عند البخاري. وروى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث بعد قوله (( والحسنة بعشر أمثالها ) )فقال (( كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به ) ).
ورواه أبو نُعيم في «المستخرج» من «موطأ القعنبي» شيخ البخاري فيه فقال بعد قوله (( وأنا أجزي به كل حسنة يعملها ابن آدم بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به ) )فأعاد قوله (( وأنا أجزي به ) )في آخر الكلام تأكيدًا، فخصَّ الصِّيام بالتضعيف على سبعمائة ضعف في هذا الحديث، والله يضاعف لمن يشاء، وإنما عقبه بقوله (( والحسنة بعشر أمثالها ) )إعلامًا بأن الصَّوم مستثنىً من هذا الحكم، فكأنه قال وسائر الحسنات بعشر الأمثال، بخلاف الصوم فإنه بأضعافه بلا حساب.
والحاصل أنَّ الصَّيام لا يتقيد بأعداد التَّضعيف، بل الله يجزيه على ذلك بغير حساب.
فإن قيل الأمثال جمع مثل، وهو مذكر، فالقياس بعشرة أمثالها، بالتاء. فالجواب أنَّ مثل الحسنة هي الحسنة، فكأنه قال بعشر حسنات.
فإن قيل قد يكون سبعمائة، فما معنى قوله بعشر حسنات؟ فالجواب أنه بيان الأقل، والتَّنصيص على العدد لا يدلُّ على نفي الزيادة.
فائدة والحديث أخرجه أبو داود في الصوم عن القعنبيِّ، ولم يذكر (( الصيام جنة ) ). وروى الترمذيُّ قال ثنا عمران بن موسى القزاز ثنا عبد الوارث بن سعيد، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إن ربكم يقول كلُّ حسنةٍ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعفٍ، والصَّوم لي وأنا أجزي به، والصَّوم جنَّة من النار، ولخلوف فم الصَّائم أطيب عند الله من ريح المسك، وإن جهل على أحدكم جاهلٌ وهو صائم،
ج 9 ص 172
فليقل إني صائم )) . وقال حديث حسنٌ صحيحٌ غريب من هذا الوجه. وقد انفرد الترمذيُّ بإخراجه من هذا الوجه.
وروى ابن عدي في «الكامل» من رواية الوليد بن جميل، عن القاسم، عن أبي أمامة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من صامَ يومًا في سبيل الله جعلَ الله بينه وبين النار خندقًا بُعْد ما بين السَّماء والأرض ) ).
وروى النَّسائي من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( من صام يومًا في سبيل الله تبارك وتعالى باعدَ الله منه جهنَّم مسيرة مائة عامٍ ) ). وزاد الطَّبراني في روايته (( ركْضَ الفرس الجواد المضمرِ ) ).