هذا وقال ابنُ الأثير الخيار على ثلاثة أضرب خيار المجلس، وخيار الشَّرط، وخيار النَّقيصة، وبَيَّنَ الكلَّ، وقال وأمَّا خيار النَّقيصَةِ فإنَّه يظهر بالمبيع عيبٌ يُوجب الرَّد، أو يلتزم البائع فيه شرطًا لم يكن فيه، انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ والكلام هنا على خيار الشَّرط والتَّرجمة معقودةٌ لبيان مقداره، وليس في حديثي الباب بيانٌ لذلك، قال ابن المُنيِّر لعلَّه أخذه من عدم تحديده في الحديث أنَّه لا يتقيَّد بل يُفَوَّضُ الأمرُ فيه إلى الحاجةِ لتفاوتِ السِّلع في ذلك، وقال العينيُّ فعلى هذا كان ينبغي أن لا يذكرَ في الترجمة لفظةَ كَمْ التي هنا استفهاميَّةٌ بمعنى أيُّ عدد، وقال الحافظ العسقلانيُّ ويُحْتَمَلُ أن يكون مرادُ البخاريِّ بقوله كم يجوز الخيار؛ أي كم يُخَيِّرُ أحدُ المتبايَعينِ الآخرَ مرَّةً.
وأشار إلى ما في الطَّريق الآتية بعد ثلاثة أبواب من زيادة همام ويختار ثلاثَ مرارٍ، لكنْ لَمَّا لم تكنِ الزيادةُ ثابتةٌ أبقى الترجمةَ على الاستفهامِ كعادته، انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ هذا الاحتمال الذي ذكره لا يساعد البخاريَّ في ذكرِه لفظة كم؛ لأنَّ وَضْعَها للعدد والعددُ في مدَّة الخيار لا في تخيير أحدِ المتبايعَينِ الآخرَ، وليس في حديثَيْ الباب ما يدلُّ على هذا، وقوله أيضًا وأشار إلى زيادة همام لا يفيد؛ لأنَّه بعيدٌ أن يعقدَ ترجمة، ثمَّ يشيرَ إلى ما تتضمَّنه الترجمة في بابٍ آخرَ.
هذا، وقد روى البيهقيُّ من طريق أبي عَلْقَمَةَ الفُرْوِيِّ، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( الخيار ثلاثة أيام ) )، وهذا كأنَّه مختصرٌ من الحديث الذي أخرجه أصحاب «السُّنن» من طريق محمد بن إسحاق، عن نافع في قصة حبان بن مُنْقذ،
ج 10 ص 142
وسيُذْكَرُ إن شاء الله تعالى بعد خمسة أبواب [خ¦2117] ، وبه احتجَّ الحنفيَّة والشافعيَّة في أنَّ أمد الخيار ثلاثةُ أيام.
وأنكر مالكٌ التوقيت في خيار الشرط ثلاثة أيام بغير زيادة، وإن كانت في الغالب يمكن الاختيار فيها لكن لكلِّ شيءٍ أمد بحسبه يُخَيَّرُ فيه، فالدَّابة والثَّوب مثلًا يوم أو يومان، وللجارية جمعة وللدار شهر. وقال الأوزاعيُّ يمتدُّ الخيار شهرًا أو أكثر بحسب الحاجة إليه، وقال الثوريُّ يختصُّ الخيار بالمشتري ويمتدُّ له إلى عشرة أيام وأكثر، ويقال إنَّه انفرد بذلك، وقد صحَّ القول بامتداد الخيار عن عمر رضي الله عنه وغيرِه.