4 - (باب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ) وفي بعض النُّسخ (مِنَ الأُمَرَاءِ) كعتَّاب بن أُسَيد على مكَّة، وعثمان بن أبي العاص على الطَّائف، والعلاء بن الحضرمي على البحرين، وعَمرو بن العاص على عمان، وأبي سفيان بن حرب على نجران، وغيرهم.
(وَالرُّسُلِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) فإنَّه صلى الله عليه وسلم أرسل حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب إسكندرية، فمضى بكتاب النَّبي صلى الله عليه وسلم، فقبَّل الكتاب وأكرم حاطبًا، وأحسن نزله، وسرَّحه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأهدى له مع حاطبٍ كسوة وبغلة بسرجها، وجاريتين إحداهما مارية أمِّ إبراهيم، والأخرى وهبها النَّبي صلى الله عليه وسلم لمحمَّد بن قيسٍ العبدي.
وأرسل شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغسَّاني ملك البلقاء من أرض الشَّام
ج 29 ص 692
وقال ابن إسحاق بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب إلى المنذر بن الحارث بن أبي شمر الغسَّاني صاحب دمشق.
قال شجاع فانتهيتُ إليه وهو بغوطة دمشق، فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورمى به، وقال ها أنا أسيرُ إليه، وعزم على ذلك، فمنعه قيصر، ولمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك قال (( باد ملكه ) ).
وأرسل دحية بن خليفة إلى قيصر ملك الرُّوم؛ فأكرمه قيصر، ووضع كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذه، وسأله عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وثبت عنده صحَّة نبوته فهمَّ بالإسلام، فلم توافقه الرُّوم، فخافهم على مُلْكه، فأمسك وردَّ دحية ردًّا جميلًا.
وأرسل عمر بن أميَّة الضَّمري إلى النَّجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمةَ، فأخذ كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعَه على عينيه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالبٍ، ولمَّا مات صلَّى عليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وأرسل عبد الله بن حذافة إلى كسرى أبرويز بن هرمز، فمزَّق كتابه وقال يكاتبني وهو عبدي، ولمَّا بلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال (( مزَّق الله ملكه ) ).
ثمَّ كتب كسرى إلى باذان، وهو نائبُه على اليمن أن ابعث إلى هذا الرَّجل بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به، فبعث باذان قهرمانه، وكان كاتبًا حاسبًا بكتاب فارس، وبعثَ معه رجلًا من الفرس يقال له خرخرة، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرفَ معهما إلى كسرى، فخرجا وقدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخلا عليه صلى الله عليه وسلم، وقد حَلَقا لحاهما، وأعفيا شواربهما، فكره النَّظر إليهما، وقال لهما (( ارجعا حتَّى تأتيان غدًا ) ).
وأتى الخبر من السَّماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّ الله عزَّ وجلَّ قد سلَّط على كسرى ابنه شيرويه، فقتله في شهر كذا وفي ليلة كذا ومن اللَّيل كذا.
فدعاهما النَّبي صلى الله عليه وسلم فأخبرهما، فأعطى خرخرة منطقةٍ فيها ذهبٌ وفضَّة كان أهداها له بعض الملوك، فخرجا من عنده حتَّى قدما على باذان، وأخبراه الخبر، فقال والله ما هذا بكلام مَلِك، وإنِّي لأرى الرَّجل نبيًّا، كما يقول وليكوننَّ ما قد قال.
فلم ينشب باذان أن قدمَ عليه كتاب شيرويه فيه أنَّه قتل كسرى في تاريخ كذا وكذا، فلمَّا وقف عليه قال إنَّ هذا الرَّجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلمتِ الأبناءُ من فارس، وقرَّره النَّبي صلى الله عليه وسلم في موضعهِ، وهو أوَّل نائبٍ من نوابه صلى الله عليه وسلم.
ويقال إنَّه صلى الله عليه وسلم أرسل العلاء بن الحضرمي إلى منذر بن ساوى العبدي ملك البحرين من قِبَل الفرس
ج 29 ص 693
فأسلم وأسلم جميع العرب بالبحرين، وأرسل الحارث بن عُمير إلى ملك بصرى، فلمَّا نزل أرض مؤتة عرض له عَمرو بن شرحبيل الغسَّاني فقتله، ولم يُقتَل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسولٌ غيره.
وأرسل جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع وذي عَمرو فأسلما، وتوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وجرير عندهما.
وأرسل السَّائب بن العوام أخا الزُّبير إلى فروة بن عَمرو الجذامي، وكان عاملًا لقيصر بمعانٍ، فأسلم وكتب إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وبعث إليه هديةً مع مسعود بن سعد، وهي بغلة شهباء يقال لها فضَّة، وفرس يقال لها الضَّرب، وقَبَاء سندس مُخوَّص بالذَّهب، فقَبِل صلى الله عليه وسلم هديته، وأجاز مسعودًا اثني عشر أوقيةً.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِحْيَةَ) أي ابن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس (الْكَلْبِيَّ) من كلب وبرة بن الخزرج _ بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي آخره جيم _ (بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ) أهل (بُصْرَى) بضم الموحدة وفتح الراء بينهما صاد مهملة ساكنة، الحارث بن أبي شمر (أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ) أي لأن يدفعه إلى قيصر ملك الرُّوم.
وهذا قطعةٌ من الحديث الطَّويل المذكور في (( بدء الوحي ) ) [خ¦7] ، وهذا التَّعليق لم يثبت إلَّا في رواية الكُشميهني وحده.