فهرس الكتاب

الصفحة 6474 من 11127

27 - (باب {أُحِلَّ لَكُمْ} ) وفي بعض النسخ لفظ بضم الهمزة على البناء للمفعول؛ أي أَحَلَّ الله، وقرئ على بناء الفاعل ونصب (( الرَّفَثَ ) ) ( {لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ) أي الجماع، وقَرأ عبدُ الله (( الرفوث ) )وإنَّما أفصحَ فيما ينبغي أن يُكنى عنه استقباحًا لما وجدَ منهم قبل الإباحة، كما سمَّاه اختيانًا لأنفسهم، وعدى بكلمة {إِلَى} والأصل أن يتعدَّى بالباء، يُقال أرفث فلانٌ بامرأته لتضمُّنه معنى الإفضاء، قال تعالى {وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء 21] كأنَّه قيل أُحِلَّ لكم الإفضاء إلى نساءكم بالرَّفث.

وسبب نزول هذه الآية هو رفع المشقَّة عن عباده، وذلك أنَّ الرَّجل كان يحلُّ له الأكل والشُّرب والجماع إلى أن يصلِّي العشاء الأخيرة أو يرقد، فإذا صلَّى أو رقد ولم يفطر حرُم عليه الطَّعام والشَّراب والجماع إلى القابلة، ثم إنَّ ناسًا من المسلمين أصابوا

ج 19 ص 82

من الطَّعام والشَّراب بعد العشاء منهم عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه واقع أهله بعد العشاء، فلمَّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبره بما فعلَ، وقام ناسٌ أيضًا فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء، فنزلت رخصة من الله تعالى، ورفع ما كانوا عليه في ابتداء الإسلام.

( {هُنَّ} ) أي نساؤكم ( {لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} ) استئنافٌ كالبيان لسبب الإحلال، وهو قلَّة الصَّبر عنهنَّ، وصعوبة اجتنابهنَّ لكثرة المخالطة وشدَّة الملابسة، فلذلك رخَّص في المباشرة، قاله السَّمرقندي.

قال الزَّمخشري لمَّا كان الرَّجل والمرأة يعتنقان، ويشتملُ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه في عناقهِ، شبه باللِّباس المشتمل عليه، قال الهذلي

~إِذَا مَا الضَّجِيْعُ ثَنَى عِطْفَهَا تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسًا

وزاد القاضي فقال ولأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يسترُ حال صاحبهِ، ويمنعه من الفجورِ ونحوه.

( {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ} ) أي تظلمونها بتعريضها للعقابِ، وتنقصونها حظَّها من الخير والثَّواب، والاختيان من الخيانة كالاكتساب من الكسب، فيه زيادةٌ وشدَّةٌ واعتمالٌ ( {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} ) أي حين تبتم ممَّا ارتكبتُم من المحظور ( {وَعَفَا عَنْكُمْ} ) يحتمل أن يريدَ عن المعصية بعينها، فيكون تأكيدًا وتأنيسًا زيادةً على التَّوبة، ويحتمل أن يريدَ عفا عمَّا كان ألزمكم من اجتناب النِّساء، بمعنى تركه لكم كما تقول شيءٌ معفوٌّ عنه؛ أي متروكٌ.

( {فَالآنَ} ) أي في الوقت الَّذي كان يحرمُ عليكم فيه الجماع من اللَّيل ( {بَاشِرُوهُنَّ} ) أي جامعوهنَّ، وعبَّر عن الجماعِ بالمباشرة لتلاصق بشرة كلٍّ منهما بصاحبه ( {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} ) أي اطلبوه، يُقال بغى الشَّيء يبغيه بغيًا وابتغاه يبتغيه ابتغاءً، والمعنى اطلبوا ما قدَّره الله لكم وأثبته في اللَّوح المحفوظ من الولد، وفيه إشارةٌ إلى أنَّ المباشر ينبغي أن يكون غرضه الولد، فإنَّه الحكمة من خلق الشَّهوة وشرع النِّكاح لا قضاءَ الوطر، قاله في «أسرار التنزيل» كـ «الكشاف» ، وقال السَّمرقندي ابتغوا بالقرآن ما أُبيح لكم فيه وأُمرتم به، والأمرُ أمر إباحةٍ.

وقال أهل الظَّاهر أمر إيجابٍ وحتم. وسقط في رواية أبي ذرٍّ من قوله < {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ} > إلى آخره،

ج 19 ص 83

وقال بعد قوله {إِلَى نِسَائِكُمْ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت