فهرس الكتاب

الصفحة 10718 من 11127

6 - (باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَنِّي) وهو الَّذي يكون فيه إثمٌ كالَّذي يكون داعيًا إلى الحسد والبغضاء، وعن الشَّافعي لولا أنَّا نأثم بالتَّمني لتمنَّينا كذا ( {وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} ) لأنَّ ذلك التَّفضيل قسمةٌ من الله تعالى صادرةٌ عن حكمةٍ وتدبير وعلمٍ بأحوال العباد، وممَّا ينبغي لكلِّ من بُسِط له في الرِّزق أو نُقِص أن يرضى بما قُسِم له، ولا يحسد أخاه على حظِّه.

فالحسد كما مرَّ أن يتمنَّى أنَّ ذلك الشَّيء يكون له ويزول عن صاحبه، والغبطةُ أن يتمنَّى مثل ما لغيره، والأوَّل منهيٌّ عنه؛ لِمَا فيه من اعتراضٍ على الله تعالى ممَّا يُلقيه في الكفر وفساد الدين.

وأمَّا الثَّاني وهو الغبطةُ فجوَّزه قومٌ ومنعه آخرون؛ لأنَّه ربَّما كانت تلك النِّعمة مَفْسدةٌ في دينه، ومضرةٌ

ج 29 ص 663

عليه في الدُّنيا. ولذا قالوا لا يقول اللَّهمَّ أعطني دارًا مثل دار فلان، وزوجةً مثل زوجة فلان، بل ينبغي أن تقول اللهمَّ أعطني ما يكون صلاحًا في ديني ودنياي، ومعادي ومعاشي.

وإذا تأمَّل الإنسان لم يجد دعاءً أحسن ممَّا ذكره الله تعالى في القرآن تعليمًا لعباده، وهو قوله تعالى {رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة 201] .

ولمَّا قال الرِّجال نرجو أن يكون أجرنا على الضَّعف من أجر النِّساء كالميراث، وقالت النِّساء يكون وزرنا على النِّصف من وزر الرِّجال كالميراث أنزل الله تعالى

( {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ} ) وليس ذلك على حسب الميراث ( {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} ) فإنَّ خزائنه لا تنفد، ولا تتمنَّوا ما للنَّاس من الفضل ( {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} ) فالتَّفضيل عن علمٍ بمواضع الاستحقاق.

هكذا سيقت الآية بتمامها في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذرٍّ < {وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ} إلى قوله {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} >.

قال المهلَّب بيَّن الله في هذه الآية ما لا يجوز تمنِّيه، وذلك ما كان من عَرَضِ الدُّنيا وأشباهه، وقال الطَّبري قيل إنَّ هذه الآية نزلت في نساءٍ تمنَّين منازل الرِّجال، وأن يكون لهنَّ ما لهم، فنهى الله سبحانه عن الأماني الباطلة إذا كانت الأماني الباطلة تورث أهلها الحسد والبغي بغير حقٍّ، وعلى هذا يُحمل قول الشَّافعي لولا أنَّا نأثم بالتَّمني لتمنَّينا أن يكون كذا.

وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذه الآية لا يتمنَّى الرَّجل يقول ليت لي مال فلان وأهله، فنهى الله عن ذلك وأمر عباده أن يسألوه من فضله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت