وقال العيني أي إن فزعتم وفرقتم، وهو ضدُّ الأمن، ثمَّ قد يكون المخوف منه معلوم الوقوع، وقد يكون مظنونًا؛ فلذلك اختلفَ العلماء في تفسير هذا الخوف هل هو بمعنى العلم أو بمعنى الظَّنِّ؟
ومعنى «ألا تقسطوا» ؛ أي أن لا تعدلوا، من أقسط يُقال قسط إذا جار، وأقسطَ إذا عدلَ، على المشهور من أنَّ الرباعي بمعنى عدل، والثلاثي بمعنى جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلب فمعنى أقسط أزال القسط وهو الجور، ومنه قوله تعالى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة 42] وقوله تعالى {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن 15] . وقيل هو من القسط بمعنى العدل، والهمزة للإزالة أيضًا.
و «لا» على هذا زائدة ليس إلَّا، وإلا يفسد المعنى كهي في (( لئلا يعلم ) ) [الحديد 39] ، ورجَّحه ابن التين لقوله تعالى {ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} [البقرة 282] لأنَّ أفعل في أبنية المبالغة لا يجيء في المشهور إلَّا من الثلاثي. وحكى الزَّجاج أنَّ قسطَ الثلاثي يستعملُ استعمال الرُّباعي، وقد قيل إن قسطَ من الأضداد.
وحاصل معنى الآية إذا كانت تحت حجر أحدكم يتيمةٌ وخاف أن لا يُعطيها مهرَ مثلها فليعدل إلى ما سواها من النِّساء، فإنهنَّ كثيرٌ، ولم يضيِّق الله عليه، فجواب الشَّرط قوله تعالى {فَانْكِحُوا}
4573 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى) الفرَّاء الرازي الصغير، قال (أخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ يوسف الصَّنعاني (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أنَّه (قَالَ أخْبَرَنِي) بالإفراد (هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ) عروة بن الزُّبير، ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ ابن جريجٍ وقع بين هشامين (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ) أي كانت عنده، واللام تأتي
ج 19 ص 254
بمعنى عند كقولهم كتبته لخمسٍ خلون.
(فَنَكَحَهَا) هكذا قال هشام عن ابن جُريج، فأوهم أنَّها نزلت في شخصٍ معيَّنٍ، والمعروف عن هشام بن عروة التَّعميم من غير تعيينٍ، كما رواه الإسماعيلي من طريق حجَّاج بن محمد عن ابن جُريج أخبرني هشام بن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} أُنزلت في الرَّجل يكون عنده اليتيمة، وهي ذاتُ مالٍ فلعلَّه ينكحها على مالها وهو لا يُعجبه شيءٌ من أمورها ثمَّ يضربها ويسيءُ صحبتها، فوعظ في ذلك، وكذا هو عند المصنِّف في الرِّواية التي تلي هذه [خ¦4574] من طريق ابن شهابٍ عن عروة، وفيه شيءٌ آخر نبَّه عليه الإسماعيلي، وهو قوله «وكان لها عذقٌ، فكان يمسكها عليه» ، فإنَّ هذا نزلَ في التي يرغبُ في نكاحها فهي التي يعجبه مالها وجمالها، فلا يزوِّجها لغيره، ويريد أن يتزوَّجها بدون صداق مثلها.
وقد وقع في رواية ابن شهاب التي بعد هذه التَّنصيص على القصتين، ورواية حجاج بن محمد سالمةٌ من هذا الاعتراض، فإنَّه قال فيها أُنزلت في الرَّجل يكون عنده اليتيمة، وهي ذاتُ مالٍ ... إلى آخره.
وكذا أخرجه المصنِّف في أواخر هذه السُّورة [خ¦4600] من طريق أبي أسامة، وفي «النِّكاح» [خ¦5125] من طريق وكيع كلاهما عن هشامٍ. وروى الطَّبري من حديث عكرمة كان الرَّجل من قريشٍ يكون عنده النِّسوة ويكون عنده الأيتام فيذهبُ ماله، فيميل على مال الأيتام، فنزلت {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء 3] .
وروى من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال كان الرَّجل يتزوَّج بمال اليتيمِ ما شاء الله، فنهى الله عزَّ وجلَّ عن ذلك. وعن سعيد بن جُبير كان النَّاس على جاهليَّتهم إلَّا أن يؤمروا بشيءٍ أو ينهوا عنه قال فذكروا اليتامى فنزلت هذه الآية، قال فكمَّا خفتُم أن لا تُقسطوا في اليتامى، فكذلك فخافوا أن لا تقسطوا في النِّساء.
(وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ) بفتح المهملة وسكون المعجمة وآخره قاف، وهي النَّخلة، وبالكسر الكُبَاسة
ج 19 ص 255
والقِنْو، وهو من النَّخلة كالعنقودِ من العنب، والمراد هنا الأوَّل، وأغرب الدَّاودي ففسَّر العذق في حديث عائشة رضي الله عنها هذا بالحائط (وَكَانَ) أي وكان الرَّجل (يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ) أي يمسك تلك اليتيمة على العذق؛ أي لأجله. وكلمة على تأتي للتَّعليل، كما في قوله تعالى {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} [البقرة 185] ؛ أي لأجل هدايته إيَّاكم، وفي رواية أبي ذرٍّ عن الكُشميهني [1] .
(وَلَمْ يَكُنْ لَهَا) أي لليتيمة (مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ {وَإِنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى} [النساء 3] أحْسِبُهُ) أي قال هشام بن يوسف أحسبه.
(قَالَ) أي هشام بن عروة، أو قال هشام بن عروة أحسبه قال؛ أي عروة؛ أي أظنُّ عروة قال (كَانَتْ شَرِيكَتَهُ) أي كانت اليتيمة شريكة الرَّجل (فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ) ووقع مبينًا مجزومًا في رواية أبي أسامة [خ¦4600] ، ولفظه هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليُّها وتشركه في ماله حتَّى في العَذْق، ويرغب عن أن ينكحهَا، ويكره أن يُزوِّجها رجلًا فيشركه في ماله يعضلها فنهوا عن ذلك، ورواية ابن شهاب شاملةٌ للقصَّتين، وقد تقدَّمت في «الوصايا» [خ¦2763] من رواية شعيبٍ عنه.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة.
[1] كذا في القسطلاني، وفي الفتح (( وفي رواية الكشميهني «فيمسك بسببه» ) .