فهرس الكتاب

الصفحة 4631 من 11127

2964 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ) شقيق بن سلمة، أنَّه (قَالَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه (لَقَدْ أَتَانِي الْيَوْمَ رَجُلٌ) فاعل أتاني، ولم يدر اسمه (فَسَأَلَنِي عَنْ أَمْرٍ مَا دَرَيْتُ) أي ما علمتُ (مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ) جملة في محل النصب على أنها مفعول قوله ما دريت.

(فَقَالَ أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (رَجُلًا مُؤْدِيًا) بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الدال المهملة؛ أي كاملُ أداة الحرب تامُّ السِّلاح، ولا يجوز حذف الهمزة منه حتَّى لا يتوهَّم أنَّه من أودى إذا هلك. وقال الكرمانيُّ معناه قويًّا متمكِّنًا، وكذا فسَّره الدَّاودي، والأوَّل أظهر.

(نَشِيْطًا) بفتح النون وكسر الشين المعجمة، من النَّشاط، وهو الأمر الذي ينشطُ له ويخف إليه ويُؤْثِرُ فِعْلَه (يَخْرُجُ مَعَ أُمَرَائِنَا فِي الْمَغَازِي، فَيُعْزَمُ عَلَيْنَا) على البناء للمفعول؛ أي من طرف الأمراء، والمعنى يكلَّف علينا ويراد منَّا. ويروى على البناء للفاعل؛ أي يعزمُ الأميرُ علينا، يقال عزمتُ على كذا عزمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه، ويقال أيضًا عزمتُ عليك بمعنى أقسمتُ عليك.

(فِي أَشْيَاءَ لاَ نُحْصِيهَا؟) أي لا نُطيقها، وقيل لا يُدْرَى أهي طاعةٌ أم معصية؟

والأوَّل مطابقٌ لما فهم البخاريُّ فترجم به، والثَّاني موافقٌ لقول ابن مسعودٍ رضي الله عنه، وإذا شكَّ في نفسه شيءٌ إلى آخره،

ج 13 ص 509

ثمَّ قوله (( يخرج ) )بالتحتانية، والضَّميرُ يرجع إلى قوله (( رجلًا ) ).

وقال الحافظ العسقلانيُّ قوله (( نخرج مع أمرائنا ) )كذا في الرواية بالنون، والمراد بقوله رجلًا أحدنا، أو هو محذوف الصِّفة؛ أي رجلًا منَّا، وفيه حينئذٍ التفاتٌ. انتهى.

وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ الرواية بالنون مجرَّد دعوى لا تسمع، بل يحتاج في ذلك إلى برهانٍ، بل الظَّاهر أنه بالياء، فإن قيل إذا كان بالياء كان مقتضى الكلام أن يقولَ مع أُمَرَائِه بلفظ الغائب؛ ليوافق رجلًا.

فالجواب أنَّ هذا من باب الالتفات، وهو نوعٌ من أنواع البديع، فالحاصل أن يقال أخبِرْني عن حُكْمِ رَجُلٍ منَّا يخرج مع أمرائنا فيعزم علينا؛ أي يكلِّف ويشدُّ علينا، أو يكلِّف الأمير ويشدُّ علينا في أشياء لا نطيقها، أو لا ندري أهي طاعةٌ أم معصية، هل يجب على ذلك الرجل منَّا إطاعة أمره، أو لا؟

قال ابن مسعودٍ رضي الله عنه (فَقُلْتُ لَهُ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لَكَ، إِلاَّ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَسَى أَنْ لاَ يَعْزِمَ عَلَيْنَا فِي أَمْرٍ) أي لا يكلَّف علينا، ولا يشدُّ في أمرٍ من الأمور (إِلاَّ مَرَّةً حَتَّى نَفْعَلَهُ) غاية لقوله لا يعزم، أو للعزم الّذي يتعلَّق به المستثنى، وهو مرَّة.

(وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَزَالَ بِخَيْرٍ مَا اتَّقَى اللَّهَ) وحاصل جواب ابن مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه يجب المطاوعة بشرط أن يكون المأمور به والمعزومُ عليه موافقًا لتقوى الله.

وقال الكرمانيُّ وحاصل الجواب وجوب المطاوعة؛ يُعْلَمُ ذلك من الاستثناء؛ إذ لولا صحَّته لما أوجب الرَّسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم، ويحتمل عزمه صلى الله عليه وسلم تلك المرة؛ لضرورةٍ كانت باعثةً له عليه، والله تعالى أعلم.

(وَإِذَا شَكَّ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ) هذا من باب القلب، وأصله شك نفسه في شيءٍ؛ أي تردَّد فيه أنَّه جائزٌ أم غير جائزٍ، أو يقال شكَّ بمعنى لصق (سَأَلَ رَجُلًا فَشَفَاهُ مِنْهُ) أي أزال مرض التردُّد فيه، وأجاب له بما هو الصَّواب. والمعنى من تقوى الله أن لا يُقْدِم المرء على ما يشكُّ فيه حتَّى يسأل مَن عنده عِلْمٌ، فيدلُّه على ما فيه شفاؤه.

ج 13 ص 510

(وَأَوْشَكَ) أي قرُبَ وكاد (أَنْ لاَ تَجِدُوهُ) أي أن لا تجدوا في الدُّنيا أحدًا يفتي بالحقِّ ويشفي القلوب عن الشُّبَهِ والشُّكوك.

(والله الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، مَا أَذْكُرُ مَا غَبَرَ) بالغين المعجمة وبالموحدة؛ أي ما بقي والغبور من الأضداد يجيءُ بمعنى البقاء والمضي. وقال قومٌ الماضي غابر والباقي غبر، وهو هنا يحتمل الأمرين، وقال ابن الجوزي هو بالماضي هنا أشبه لقوله (( ما أذكر ) ).

(مِنَ الدُّنْيَا إِلاَّ كَالثَّغْبِ) بفتح المثلثة وسكون الغين المعجمة، ويجوز فتحها، وهو الماء المستنقع في الموضع المطمئنِّ. وقيل هو الغديرُ الذي يكون في ظلٍّ فيبرد ماؤه ويروق. وقيل هو ما يحتفره السَّيل في الأرض المنخفضة فيصير مثل الأخدود فيبقى الماء فيها فيصفِّقه الريح فيصير صافيًا باردًا، فليس أصفى منه ولا أبرد، فسمِّي الماء بذلك المكان.

وقيل هو نقرةٌ في صخرةٍ يبقى فيها الماء كذلك، والكلُّ متقاربٍ، والجمع ثُغْبان، كحَمَلٍ وحُمْلان، ومن سكَّن قال ثِغَاب، والفتح أكثر من الإسكان، على ما قال القزَّاز.

وفي «المحكم» الثَّغَب بقيَّة الماء العذب في الأرض، وقيل كلُّ غديرٍ ثَغْب.

(شُرِبَ صَفْوُهُ) على البناء للمفعول (وَبَقِيَ كَدَرُهُ) شبَّه عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه ما مضى من الدُّنيا بماء شرب من صفوه، وما بقي بما تأخَّر من كدره.

قال الحافظ العسقلانيُّ وإذا كان هذا في زمن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه، وقد مات هو قبل مقتل عثمان رضي الله عنه، ووجود تلك الفتن العظيمة، فماذا يكون اعتقاده فيما جاء بعد ذلك، وهلمَّ جرًا.

وقال المهلَّب في هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّهم كانوا يعتقدون وجوب طاعة الإمام، ومن يستعمله الإمام، وأمَّا توقُّف ابن مسعودٍ رضي الله عنه عن خصوص جوابه، وعدوله إلى الجواب العام؛ فللإشكال الذي وقع له في ذلك، وقد أشار إليه في بقيَّة حديثه.

قال الحافظ العسقلانيُّ ويستفاد منه التوقُّف في الإفتاء

ج 13 ص 511

فيما أشكل من الأمر كما لو أنَّ بعض الأجناد استفتى أنَّ السُّلطان عيَّنه في أمر مخوف بمجرَّد التَّشهِّي وكلَّفه من ذلك مالا يُطيق، فمن أجابه بوجوب طاعة الإمام أشكل الأمر؛ لما قد يفضي به ذلك إلى الفتنة، فالصَّواب التَّوقُّف عن الجواب في ذلك وأمثاله، والله الهادي إلى الصواب.

ومطابقةُ الحديث للترجمة تؤخذ من قوله (( في أشياء لا نحصيها ) )أي لا نطيقها من قوله تعالى {عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ} [المزمل 20] ، وقد مرَّ ما يتعلَّق بذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت