فهرس الكتاب

الصفحة 2597 من 11127

82 - (باب) بيان (الإِهْلاَلِ) بكسر الهمزة؛ أي الإحرام (مِنَ الْبَطْحَاءِ) أي من وادي مكَّة (وَغَيْرِهَا) من سائر أجزاء مكَّة (لِلْمَكِّيِّ) أي للذي من أهل مكَّة وأراد الحج (وَلِلْحَاجِّ) أي وللحاج الذي هو الآفاقي الذي يريد التمتُّع (إِذَا خَرَجَ) أي من مكَّة

ج 8 ص 117

(إِلَى مِنًى) وإنَّما قيَّد بهذا؛ لأنَّ شرط الخروج من مكَّة ليس إلَّا للتمتُّع، فالحاصل أن مُهَل المكِّي والمتمتِّع للحجِّ هو نفس مكَّة، ولا يجوز تركها ومهل الذي يريد الإحرام بالحج خارج نفس مكَّة سواءٌ الحِلُّ والحَرم.

وقوله (( إلى منى ) )كذا وقع في نسخة معتمدة من طريق أبي الوقت، وكذا ذكره ابن بطَّال في «شرحه» والإسماعيلي في «مستخرجه» ، وفي معظم الروايات بكلمة من، فوجه كلمة (إلى) ظاهرٌ، وأمَّا وجه كلمة (من) فيحتمل أن يكون إشارة إلى الخلاف في ميقات المكِّي.

فمذهب الشَّافعي أنَّ ميقات أهل مكَّة نفس مكَّة، وقيل مكَّة وسائر الحرم، والصحيح الأوَّل. ومذهب أبي حنيفة أنَّ ميقات أهل مكَّة في الحج الحرم، ومن المسجد أفضل، وفي مناسك الحصري الأفضل لأهل مكَّة أن يحرموا من منزلهم ويسعهم التأخُّر إلى آخر الحرم بشرط أن يدخلوا الحلَّ محرمين، فلو دخلوا من غير إحرام لِزَمَهُم دمٌ كالآفاقي.

وقال المهلَّب من أنشأ الحجَّ من مكَّة فله أن يهلَّ من بيته ومن المسجد الحرام أو من البطحاء، وهو طريق مكَّة أو من حيث أحبَّ فما دون عرفة، ذلك كله واسع؛ لأنَّ ميقات أهل مكَّة منها، وليس عليه أن يخرج إلى الحلِّ؛ لأنه خارج في حجَّته إلى عرفة فيحصل له بذلك الجمع بين الحلِّ والحرم وهو بخلاف منشئ العمرة من مكَّة.

واختلفوا في الوقت الذي يهلَّ فيه، فذهب الجمهور إلى أنَّ الأفضل أن يكون يوم التَّروية، وروي عن مالك وغيره بإسنادٍ منقطعٍ، وابن المنذر بإسنادٍ متَّصل عن عمر رضي الله عنه (( أنَّه قال لأهل مكَّة ما لكم يقدم النَّاس عليكم شعثًا وأنتم تنضحون طيبًا مدهنين إذا رأيتم الهلال فأهلُّوا بالحجِّ ) )، وهو قول ابن الزُّبير ومن أشار إليه عبيد بن جريج بقوله أهلَّ النَّاس إذا رأوا الهلال، وقيل إنَّ ذلك محمول منهم على الاستحباب، وبه قال مالك وأبو ثور.

وقال ابن المنذر الأفضل أن يهلَّ يوم التروية إلَّا المتمتع الذي لا يجد الهدي ويريد الصَّوم فيعجل الإهلال ليصوم ثلاثة أيَّام بعد أن يحرم. واحتجَّ الجمهور بحديث أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه وهو الذي علَّقه البخاري في هذا الباب.

(وَسُئِلَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (عَنِ الْمُجَاوِرِ) أي بمكَّة وهو المقيم بها

ج 8 ص 118

(يُلَبِّي بِالْحَجِّ) جملة وقعت حالًا (قَالَ) أي عطاء (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يُلَبِّي يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) هو اليوم الثامن ذي الحجَّة وسيأتي وجه تسميتها في الباب الآتي [خ¦1653] إن شاء الله تعالى (إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ وَاسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ) ومطابقة هذا الأثر للتَّرجمة من حيث إنَّ الاستواء على الرَّاحلة كناية عن السَّفر، فابتداء الاستواء هو ابتداء الخروج من البلد.

وهذا التَّعليق وصله سعيد بن منصور من طريق عطاء بلفظ (( رأيت ابن عمر رضي الله عنهما في المسجد فقيل له قد رئي الهلال، فَذَكَرَ قِصَّةً فيها، فأمسَكَ حتَّى كان يوم التَّروية فأَتَى البطحاء، فلمَّا استوت به راحلته أحرم ) ).

(وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ) قال الكِرماني عبد الملك هذا هو ابن عبد العزيز بن جريج، وقال الحافظ العسقلاني الظَّاهر أنَّ عبد الملك هذا هو ابن أبي سليمان، وقد وصله مسلم من طريق ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر، وقد روى عبد الملك بن جريج نحو هذه القصَّة، وسيأتي إن شاء الله تعالى في أثناء حديث (عَنْ عَطَاءٍ) هو ابن أبي رباح (عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدِمْنَا) بكسر الدال؛ أي أتينا مكَّة.

(مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَلْنَا حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ) يوم منصوب على الظرفية؛ أي حتَّى في يوم التَّروية (وَجَعَلْنَا مَكَّةَ بِظَهْرٍ) أي جعلنا مكَّة وراء ظهورنا (لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ) أي حال كوننا مهلِّين بالحجِّ، فعلم أنَّهم حين الخروج من مكَّة كانوا محرمين، وفي رواية مسلم عن جابر رضي الله عنه قال (( أهللنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكَّة أُمرنا أن نحلَّ ونجعلها عمرة فكَبُر ذلك علينا ) )الحديث وفيه (( أيُّها النَّاس أحلُّوا، فأحْلَلْنا حتَّى كان يوم التَّروية وجعلنا مكَّة بِظَهْرٍ أهللنا بالحج ) ).

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ قوله (لبَّينا) ، جملة حالية بتقدير قد، كما قرَّرنا.

(وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ) هو محمَّد بن مسلم بن تَدْرُس، بفتح المثناة الفوقية وسكون الدال المهملة وضم الراء آخره سين مهملة، المكِّي،، وقد مرَّ في باب من شكا إمامه [خ¦705] (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه (أَهْلَلْنَا مِنَ الْبَطْحَاءِ) وهذا التَّعليق وصله أحمد في «مسنده» ، ومسلم في «صحيحه» من طريق ابن جريج عنه، عن جابر رضي الله عنه قال (( أمرنا النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا أحللنا أن نحرم إذا توجَّهنا إلى منى قال فأهللنا من الأبطح ) )، وأخرجه مسلم مطوَّلًا من طريق اللَّيث،

ج 8 ص 119

عن أبي الزُّبير فذكر قصَّة فسخهم الحج إلى العمرة، وقصَّة عائشة رضي الله عنها لمَّا حاضت وفيه (( ثمَّ أهللنا يوم التَّروية ) )، وزاد من طريق زهير، عن أبي الزُّبير (( أهللنا بالحجِّ ) ).

(وَقَالَ عُبَيْدُ) بضم العين (ابْنُ جُرَيْجٍ) بضم الجيم، وقد مرَّ في باب غسل الرجلين في النَّعلين في كتاب الوضوء [خ¦166] (لاِبْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (رَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ) من الإهلال وهو رفع الصَّوت بالتلبية (إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ) أي هلال ذي الحجَّة (وَلَمْ تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَقَالَ) أي ابن عمر رضي الله عنهما (لَمْ أَرَ النَّبِيَّ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) أي تسرع به؛ يعني فلذا فعلت ذلك.

وهذا التَّعليق وصله البخاري في باب غسل الرجلين في النَّعلين في كتاب الوضوء مطوَّلًا [خ¦166] قال حدَّثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك، عن سعيد المقبري، عن عُبيد بن جُريج (( أنَّه قال لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما يا أبا عبد الرَّحمن رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها قال وما هي يا ابن جريج قال رأيتك لا تمسُّ من الأركان إلَّا اليمانيين، ورأيتك تلبس النِّعال السَّبتيَّة، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكَّة أهل النَّاس إذا رأوا الهلال ولم تهلَّ أنت حتَّى كان يوم التَّروية ) ).

قال عبد الله أمَّا الأركان فإنِّي لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمَسّ إلَّا اليمانيين، وأمَّا النعال السَّبتيَّة فإنِّي رأيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يلبس النِّعال التي ليس فيها شعر ويتوضَّأ فيها فأنا أحبُّ أن ألبسها، وأمَّا الصفرة فإنِّي رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحبُّ أن أصبغ بها. وأمَّا الإهلال فإنِّي لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يهلُّ حتَّى تنبعث به راحلته )) ، وقد مرَّ الكلام المتعلَّق بهذا الحديث في ذلك الباب [خ¦166] .

قال ابن بطَّال وجه احتجاج ابن عمر رضي الله عنهما بإهلال النَّبي صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة وهو غير مكِّي على من أنشأ الحج أنَّه يجب أن يهلَّ يوم التَّروية هو أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أهلَّ من ميقاته حين ابتدائه في عمل حجته، ولم يكن مكث

ج 8 ص 120

بين الإهلال وبين سائر أعمال الحج يقطع عمل الحج، فكذلك المكي لا يهلُّ إلَّا يوم التَّروية الذي هو أوَّل عمله ليتَّصل له عمله تأسيًا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف ما لو أهلَّ من أوَّل الشَّهر، وقد قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا يهلُّ أحد من مكَّة بالحج حتَّى يريد الرواح إلى منى ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت