فهرس الكتاب

الصفحة 6845 من 11127

ج 20 ص 133

{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} )أي بالعقل؛ قاله ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وعن الضَّحَّاك بالنُّطق والتَّمييز، وعن عطاء بتعديل القامة وامتدادها. وعن يمان بحسن الصُّورة، وعن محمَّد بن جرير بتسليطهم على غيرهم من الخلق، وتسخير سائر الخلق لهم. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كلُّ شيءٍ يأكلُ بفيه إلَّا ابن آدم يأكلُ بيده، وقد جمع ذلك في «الأنوار» وزاد فقال بحسن الصُّورة والمزاج الأعدل واعتدال القامة والتَّمييز بالعقل والإفهام بالنُّطق والإشارة والخط والهدى إلى أسباب المعاش والمعاد، والتسلُّط على ما في الأرض، والتمكُّن من الصِّناعات إلى ما يعودُ عليهم بالمنافع إلى غير ذلك ممَّا يقف الحصر دون إحصائه.

وقد استدلَّ به على طهارة ميتة الآدمي؛ لأنَّ قضية تكريمه أن لا يحكم بنجاسته بالموت كما نصَّ عليه في «الأمِّ» ، ولأنَّه صلى الله عليه وسلم قبَّل عثمان بن مظعون رضي الله عنه بعد موته ودموعه تجري على خدِّه، فلو كان نجسًا لما قبَّله مع ظهور رطوبته، ولأنَّا تعبدنا بغسله، والنَّجس لا يُتعبَّد بغسله؛ لأنَّ غسله يزيد النَّجاسة، وسواء المسلم والكافر، وأمَّا قوله تعالى {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} [التوبة 28] فالمراد نجاسة الاعتقاد واجتنابهم كالنَّجس لا نجاسة الأبدان.

(كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا وَاحِدٌ) قال الحافظُ العسقلاني أي في الأصل، وإلَّا فبالتَّشديد أبلغ. قال أبو عُبيدة (( كرَّمنا ) )؛ أي أكرمنا، إلَّا أنَّها أشد مبالغة في الكرامة، انتهى، وهو من كَرُم _ بضم الراء _ شَرُف، وليس من الكرم الذي هو في المال، وتعقَّبه العيني بأنَّه إن كان مراده بالأصل الوضع فليس كذلك؛ لأنَّ (( كرَّمنا ) )_ بالتشديد _ من باب التَّفعيل، وأكرمنا من باب الأفعال، بل المراد أنَّهما واحد في التعدِّي، غير أن في (( كرَّمنا ) )_ بالتشديد _ من المبالغة ما ليس في أكرمنا، فافهم.

( {ضِعْفَ الْحَيَاةِ} عَذَابَ الْحَيَاةِ، {وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} عَذَابَ الْمَمَاتِ) وفي نسخة ،

ج 20 ص 134

وفي نسخة أخرى ، وفي رواية أبي ذرٍّ بدل وعذاب الممات، أشار به إلى قوله تعالى {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا*إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} [الإسراء 74 - 75] أي لو قاربت تركنُ إليهم أدنى ركنة لأذقناك.

قال أبو عُبيدة في قوله {ضِعْفَ الْحَيَاةِ} مختصر، والتقدير ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات يريد عذاب الدُّنيا والآخرة؛ أي ضعف ما يعذَّب به في الدَّارين بمثل هذا الفعل غيرك؛ لأن خطأ الخطير أخطر، وكان أصل الكلام لأذقناك عذابًا ضعفًا في الحياة وعذابًا ضعفًا في الممات بمعنى مضاعفًا، كما في قوله تعالى {عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ} [ص 61] ثمَّ حذف الموصوف، وأُقيمت الصِّفة مقامه، ثمَّ أُضيفت الصِّفة إضافة الموصوف، فقيل {ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} فهو كما لو قيل أليم الحياة مثلًا، ففي قوله تعالى {وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ} تصريح بأنَّه صلى الله عليه وسلم ما همَّ بإجابتهم مع قوَّة الدَّاعي إليها. وفيه تخويف لأمَّته لئلا يركنُ أحد من المسلمين إلى أحدٍ من المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه، وذلك لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان معصومًا.

وقال ابنُ الجوزي هذا وما شابهه محالٌ في حقِّه صلى الله عليه وسلم. وروى الطَّبري من طريق ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قوله تعالى {ضِعْفَ الْحَيَاةِ} قال عذابها {وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} قال عذاب الآخرة. ومن طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال ضعفَ عذاب الدُّنيا والآخرة. ومن طريق سعيد عن قتادة مثله، والله تعالى أعلم.

( {خِلاَفَكَ} وَ {خَلْفَكَ} سَوَاءٌ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء 76] قال أبو عُبيدة في قوله تعالى {وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا} أي بعدك، وقال «خِلَافك وخَلْفك سواء» ، وهما لغتان بمعنى، وقُرئ بهما، انتهى. والقراءتان مشهورتان والأولى _ بكسر الخاء وفتح اللام وألف بعدها _، وهي قراءة ابن عامر وحمزة

ج 20 ص 135

والكسائي وعاصم في رواية حفص، والأخرى _ بفتح فسكون _ وهما سواء في المعنى؛ أي لا يبقون بعد خروجك من مكة إلَّا زمانًا قليلًا، وقد كان كذلك فإنَّهم أهلكوا ببدر بعد هجرته بسنة.

( {وَنَأَى} تَبَاعَدَ) أشار به قوله تعالى {وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ} [الإسراء 83] وفسَّر قوله {نَأَى} بقوله «تباعد» ، وكذا فسَّره أبو عُبيدة، وقال المفسِّرون أي تباعد منَّا بنفسه. وعن عطاء تعظَّم وتكبَّر، ويُقال {نَأَى} من الأضداد، ومنه النُّؤي لحفرة حول الخِباء ليتباعد الماء منه. وقرأ ابن ذكوان وأبو جعفر بتقديم الألف على الهمزة بوزن ساء من ناء ينوء إذا نهض، وقال القسطلاني وأظنُّها رواية غير أبي ذرٍّ في البخاري.

( {شَاكِلَتِهِ} نَاحِيَتِهِ، وَهْيَ مِنْ شَكْلِهِ) أشار به قوله تعالى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} [الإسراء 84] وفسَّرها بقوله «ناحيته» ، وكذا رواه الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله {عَلَى شَاكِلَتِهِ} قال على ناحيته. ومن طريق ابن أبي نَجيح عن مجاهد قال على طبيعته وعلى حِدَته. ومن طريق سعيد عن قتادة قال يقول على ناحيته وعلى ما ينوي. وقال أبو عُبيدة {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ} ؛ أي ناحيتهِ وخليقتهِ. وعن الحسن على نيَّته، وعن ابن زيد على دينه، وعن مقاتل على جبلته، وعن الفرَّاء على طريقته التي جبلَ عليها، وقوله «وهي من شكلته» ؛ أي الشَّاكلة مشتقَّة من شكلته إذا قيَّدته، ويُروى بالفتح بمعنى المِثْل _ وبالكسر _ بمعنى الذَّلّ، والأولى هي رواية أبي ذرٍّ.

وقال في «الدر» والشَّاكلة أحسن ما قيل فيها ما قاله في «الكشاف» إنَّها مذهبه الذي يشاكل حاله في الهدى والضَّلالة من قولهم طريق ذو شواكل وهي الطَّريق الذي تشعَّبت منه الطُّرق، والدَّليل عليه قوله تعالى {فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا} [الإسراء 84] وقال الرَّاغب (( على شاكلته ) )؛ أي سجيَّته التي قيِّد بها من شكلت الدَّابة، وذلك أنَّ سلطان السَّجية على الإنسان قاهر.

( {صَرَّفْنَا} وَجَّهْنَا)

ج 20 ص 136

أشار به إلى قوله تعالى {وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ} [الإسراء 89] وفسَّره بقوله «وجَّهنا» ، وكذا فسَّره أبو عُبيدة قال (( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن ) )أي وجَّهنا وبيَّنا، وفي مفعوله وجهان أحدهما أنَّه مذكور و «في» مزيدة؛ أي ولقد صرَّفنا هذا القرآن، والثَّاني أنَّه محذوف أي ولقد صرَّفنا أمثاله ومواعظه، وقصصه وأخباره، وأوامره ونواهيه، وحاصله أنَّا بيَّنا من الأمثال وغيرها ممَّا يوجب الاعتبار به.

( {قَبِيلًا} مُعَايَنَةً وَمُقَابَلَةً، وَقِيلَ الْقَابِلَةُ لأَنَّهَا مُقَابِلَتُهَا وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا) أشار به إلى قوله تعالى {أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا} [الإسراء 92] وفسَّره بقوله «معاينة ومقابلة» ، قال أبو عُبيدة في قوله {والملائكة قبيلًا} مجازه مقابلة؛ أي معاينة. قال الأعشى

~كَصَرْخَةِ حُبْلَى بَشرَتهَا قَبِيْلُهَا

أي قابلتها. وقوله «وقيل القابلة» ؛ أي وسُمِّيت القابلة بها؛ أي قيل للمرآة التي تتلقَّى الولد عند الولادة قابلة؛ لأنها؛ مقابلتها؛ أي مقابلة المرأة التي تولدها، وقوله «وتقبل ولدها» ؛ أي تتلقَّاه عند الولادة، يُقال قبلت القابلة تقبلها قبالة بالكسر؛ أي تلقَّته عند الولادة.

وقال ابن التِّين ضبطه بعضُهم بضم الموحدة، وليس بشيءٍ، وقد يظنُّ أن تقبل ولدها من التَّقبيل وليس بظاهر. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة قبيلًا؛ أي جندًا تعاينهم معاينة، وقيل معناه كفيلًا بما يدَّعيه.

( {خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ} أَنْفَقَ الرَّجُلُ أَمْلَقَ، وَنَفَقَ الشَّيْءُ ذَهَبَ) أشار به إلى قوله تعالى {إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الإسراء 92] وفسَّر {الإِنْفَاقِ} بالإملاق، وهو الفقر والفاقة، وأشار به أيضًا إلى الفرق بين الثُّلاثي والمزيد فيه من حيث المعنى. وروى ابنُ أبي حاتم من طريق السُّدي، قال {خَشْيَةَ الإِنْفَاقَ} أي خشية أن تنفقوا فتفتقروا. وقال أبو عبيدة في قوله تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ} [الأنعام 151] أي من ذهاب مال، يقال أملقَ فلانٌ ذهب ماله، وفي قوله تعالى {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ} [الإسراء 31] أي فقر، وقوله «ونَفَق الشَّيءُ ذهب» ، بفتح الفاء، وقيل بكسرها، وصحَّح عليها في الفرع كأصله، وفي حاشية موثوقٌ بها في اليونينية بفتح الفاء،

ج 20 ص 137

هي اللُّغة الفصحى، ويُقال بكسرها، وليست بالعالية.

وفي «الصِّحاح» أنفق الرَّجل افتقرَ وذهب ماله، ومنه قوله تعالى {إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ} [الإسراء 100] .

( {قَتُورًا} مُقَتِّرًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا} [الإسراء 100] وفسَّر قتورًا الذي على وزن فعول بمعنى مقتِّرًا، على وزن اسم الفاعل من الإقتار، ومعناه بخيلًا ممسكًا، يُقال قتر يقترُ كنصرَ ينصرُ، وضربَ يضربُ قترًا وأقترَ إقتارًا إذا قصر في الإنفاق، وهو قول أبي عُبيدة أيضًا، والمعنى والله تعالى أعلم أنَّ في طبعهِ ومنتهى نظره أنَّ الأشياء تتناهَى وتفنى فهو لو ملك خزائن رحمة الله لأمسك خشيةَ الفقر.

( {لِلأَذْقَانِ} مُجْتَمَعُ اللَّحْيَيْنِ، وَالْوَاحِدُ ذَقَنٌ) أشار به إلى قوله تعالى {يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء 107] وفسَّر الأذقان بقوله «مُجْتَمَع اللَّحيين» ، اسم مكان، بضم الميم الأولى وفتح الثَّانية؛ أي محل اجتماع اللَّحيين _ بفتح اللام، وقيل بكسرها أيضًا _ تثنية لَحْي وهو العظمُ الذي عليه الأسنان، ويُروى بفتح الميمين بدون التاء، وقوله «والواحد ذَقَن» _ بفتح المعجمة والقاف، واللام _ في قوله (( للأذقان ) )بمعنى على، والمعنى يسجدون ويسقطون على أذقانهم ووجوههم تعظيمًا لأمر الله تعالى، وشكرًا لإنجاز وعده في تلك الكتب ببعثة محمَّد صلى الله عليه وسلم على فترة من الرُّسل، وإنزال القرآن عليه.

وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما الوجوه يريد يسجدون بوجوهِهم وجباهِهِم وأذقانهم. وقد سقط واو «والواحد» في رواية أبي ذرٍّ.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {مَوْفُورًا} وَافِرًا) وفي نسخة أشار به إلى قوله تعالى {فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا} [الإسراء 63] وفسَّر قوله {مَوْفُورًا} بقوله «وافرًا» ، وصله الطَّبري عنه من طريق ابن أبي نَجيح، وحاصله أنَّ المفعول هنا بمعنى الفاعل عكس (( عيشةً راضية ) ) [الحاقة 21] ، والمراد جزاؤك وجزاؤهم، لكنَّه غلب المخاطب على الغائب.

( {تَبِيعًا} ثَائِرًا) أشار به إلى قوله تعالى {ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [الإسراء 69] وفسَّر {تَبِيعًا} بقوله «ثائرًا» ؛ أي طالبًا للثَّأر منتقمًا، ويُقال

ج 20 ص 138

لكلِّ طالب بثأر وغيره تبيع وتابع، وهذا أيضًا تفسير مجاهد، وصله الطَّبري من طريق ابن أبي نَجيح عنه، وأخرج من طريق سعيد عن قتادة أي لا نخاف أن نتبع بشيءٍ من ذلك (وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (نَصِيرًا) أي فسَّر ابن عبَّاس رضي الله عنهما {تَبِيعًا} بقوله «نصيرًا» ، وصله ابنُ أبي حاتم من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه في قوله {تَبِيعًا} قال نصيرًا.

( {خَبَتْ} طَفِئَتْ) أشار به إلى قوله تعالى {كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا} [الإسراء 97] وفسَّر قوله {خَبَتْ} بقوله «طَفِئَت» _ بفتح الطاء وكسر الفاء وفتح الهمزة _، يُقال خبت النَّار تخبو خبوًا إذا سكن لهبها، والجمر على حاله، وخمدت إذا سكن الجمر وضعفَ، وهمدت إذا طفئت جملة، والمعنى كلَّما أكلت النَّار جلودهم ولحومهم زدناهم سعيرًا؛ أي توقُّدًا بأن نبدِّل جلودهم ولحومهم فترجع ملتهبة مستعرة كأنَّهم لمَّا كذبوا بالإعادة بعد الإفناء جزاهم الله تعالى بأن لا يزالوا على الإعادة والإفناء جزاءً وفاقًا، وقد سقط قوله {خَبَتْ} طفئت في رواية أبي ذرٍّ.

(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما ( {لاَ تُبَذِّرْ} لاَ تُنْفِقْ فِي الْبَاطِلِ) أي قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا} [الإسراء 26] أي لا تُنفق في الباطل، وصله الطَّبري من طريق عطاء الخراساني عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، والتَّبذير السَّرف في غير حقٍّ. ومن طريق عكرمة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال المبذِّر المنفق في غير حقٍّ. ومن طرق متعددة عن أبي العُبَيدَين وهو بلفظ التَّصغير والتَّثنية عن ابن مسعود رضي الله عنه مثله، وزاد في بعضها كنَّا أصحاب محمَّد صلى الله عليه وسلم نتحدَّث بأنَّ التَّبذير النَّفقة في غير حقٍّ، ويُقال التَّبذير إنفاق المال فيما لا ينبغي، والإسراف هو الصَّرف فيما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، وأصل التَّبذير التَّفريق، ومنه البذر؛ لأنَّه يفرَّق في الأرض للزِّراعة، ثمَّ غلب في الإسراف في النَّفقة.

( {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ} رِزْقٍ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ} [الإسراء 28] وفسَّر الرَّحمة بالرِّزق، وصله الطَّبري من طريق عطاء عن ابن عبَّاس

ج 20 ص 139

رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ} [الإسراء 28] قال ابتغاءَ رزق من الله ترجوه أن يأتيك. ومن طريق عكرمة مثله. ولابن أبي حاتم من طريق إبراهيم النَّخعي في قوله {ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} قال فضلًا.

( {مَثْبُورًا} مَلْعُونًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء 102] وفسَّره بقوله «ملعونًا» ، وصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ومن وجه آخر عن سعيد بن جُبير عنه. ومن طريق العوفي عنه قال مغلوبًا، ومن طريق الضَّحَّاك مثله، ومن طريق مجاهد قال هالكًا، ومن طريق قتادة قال مهلكًا، ومن طريق عطيَّة قال مُغيِّرًا مبدلًا، ومن طريق ابن زيد بن أسلم قال مخبولًا لا عقلَ له. وقال أبو عُبيدة المعروف في الثُّبور الهلاك والملعون هالك، وقد وقع هنا في بعض النُّسخ إملاق الفقر.

( {لاَ تَقْفُ} لاَ تَقُلْ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء 36] وفسَّر {لَا تَقْفُ} بقوله «لا تَقُل» ؛ أي في شيءٍ ممَّا لا تعلم تقليدًا أو رجمًا بالغيب، وعن قتادة لا تقل رأيتُ ولم تره، وسمعتُ ولم تسمعه، وعلمتُ ولم تعلمه، وهذه رواية عن ابن عبَّاس رضي الله عنها، وعن مجاهد ولا ترم أحدًا بما ليس لك به علم، وهي رواية أيضًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وقال القتبي هو مأخوذ من القفا، يُقال قفوت أثره على وزن دعوت، والنَّهي في {لا تقف} مثل لا تدع؛ أي ولا تتبع، وقد سقط هذا في رواية أبي ذرٍّ.

( {فَجَاسُوا} تَيَمَّمُوا) أشار به إلى قوله تعالى {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} [الإسراء 5] وفسَّر جاسوا بقوله «تيمَّموا» ؛ أي قصدوا سط الدَّار للقتل والإغارة، وجاسوا من الجوس، وهو طلب الشَّيء باستقصاء. وقال أبو عبيدة جاس يجوس؛ أي نَقّبَ، وقيل نزل، وقيل قتل، وقيل تردَّد، وقال ابنُ عرفة معناه عاثوا وأفسدوا.

(يُزْجِي الْفُلْكَ يُجْرِي الْفُلْكَ) أشار به إلى قوله تعالى رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ

ج 20 ص 140

فِي الْبَحْرِ [الإسراء 66] وفسَّر {يُزْجِي} من الإزجاء بالزاي، بقوله يجري من الإجراء بالراء المهملة. وقد وصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه به، ومن طريق سعيد عن قتادة يُزجي الفلك؛ أي يُسيِّرها في البحر، ويُقال معناه يسوق الفلك ويسيره حالًا بعد حال، ويُقال أزجيت الإبل سقتها، والرِّيح تزجي السَّحاب، والبقرة تزجي ولدها.

( {يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ} لِلْوُجُوهِ) وصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه، وكذا أخرجه عبد الرَّزاق عن مَعمر عن قَتادة مثله. وعن مَعمر عن الحسن لِلْحَيِّ، وهذا يوافق قول أبي عُبيدة الماضي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت