10 - (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [1] هكذا ثبتت البسملة في غير رواية ابن عساكر، وسقطت فيها كذا قال القسطلاني. وقال الحافظ العسقلاني، ومحمود العيني إنها سقطت في رواية القابسي وغيره.
(كِتَابُ الأَذَانِ) في بعض النُّسخ . والأذان لغة الإعلام، قال الله تعالى {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة 3] مِنْ أذَّن يؤذِّن تأذينًا وأذانًا، مثل كلَّم يُكلِّم تكلُّمًا وكلامًا، فالأذان والكلام اسم المصدر القياسي.
وقال الهرويُّ الأذان والأَذِيْن والتَّأْذِين بمعنىً، وقيل الأَذِين المؤَذِّن، فعيل بمعنى مفعِّل، واشتقاقه من الأَذَن _ بفتحتين _ وهو الاستماع، كأنَّه يلقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة.
وفي الشَّريعة الإعلام بوقت الصلاة بألفاظٍ مخصوصةٍ.
وقال القاضي عياض والقرطبي وغيرهما ما حاصله إنَّ الأذان على قلَّة ألفاظه مشتملٌ على مسائل العقيدة؛ لأنَّه بدأ بالأكبريَّة، وهي تتضمَّن وجوده تعالى، وما يستحقه من الكمال؛ أي الصفات الثبوتيَّة، ومن التَّنزيه؛ أي الصفات السلبيَّة، ثم ثنَّى بالتوحيد، ونفى التَّشريك، وهو عمدة الإيمان المقدَّمة على كلِّ وظائف الدِّين، ثم صرَّح بالشهادة بالرسالة لنبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم التي هي قاعدة جميع العبادات، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشَّهادة بالرسالة؛ لأنها لا تُعرَف إلا من جهة الرَّسول صلى الله عليه وسلم، ولا تعرف من جهة العقل بخلاف ما قبل الشَّهادة المذكورة، ثمَّ دعا إلى الفلاح، وهو الفوز والبقاء في النَّعيم الدَّائم.
وفيه الإشارة إلى المعاد من أمور الآخرة من البعث والجزاء، وهو آخر تراجم عقائد الإسلام، ثم أعاد ما أعاد توكيدًا، ثم كرَّر ذلك بإقامة الصلاة للإعلام بالشُّروع فيها، وهو متضمِّن لتوكيد الإيمان عند الشُّروع في العبادة بالقلب واللِّسان.
وليدخل المصلِّي فيها على تنبُّه من أمره، وبصيرةٍ من إيمانه، ويستشعرَ عِظَم ما دخلَ فيه، وعَظمة حقِّ من يعبده، وجزيل ثوابه.
هذا. ثمَّ إنَّه يحصل من الأذانِ الإعلامُ بدخولِ الوقت والدُّعاء إلى الجماعة، وتعيين مكان الجماعة، وإظهار شعائرِ الإسلام. والحكمةُ في اختيار القول له دون الفعل سهولةُ القول، وتيسُّره لكلِّ أحدٍ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ.
واختلف أيُّما أفضل الأذان أو الإمامة؟ فقيل بالأول، وقيل بالثاني. وقيل إنْ عَلِمَ من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضلُ، وإلَّا فالأذان، وفي كلام الشَّافعي ما يُومئ إليه.
واختلف أيضًا
ج 4 ص 1
في الجمع بينهما فقيل يكره، وعند البيهقي من حديث جابر مرفوعًا النَّهي عن ذلك، لكنَّ سنده ضعيفٌ. وصحَّ عن عمر رضي الله عنه لو أطيق الأذان مع الخِلافة لأذَّنت. رواه سعيد بن منصور وغيره، وقيل هو خلاف الأولى، وقيل يستحبُّ، وصحَّحه النَّووي.
- (باب بَدْءِ الأَذَانِ) بالهمزة بعد الدال المهملة؛ أي ابتدائه، وفي رواية أبي ذرٍّ ، وفي رواية الأَصيلي بدون الباب والكتاب.
(وَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ) وفي رواية ، وهو بالجرِّ عطف على «بدءِ الأذان» ، ويروى مرفوعًا أيضًا ( {وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} ) يعني إذا أذَّن المؤذِّنون داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال عند أولي الألباب، وإنما أُضيف النِّداء إلى جميع المسلمين؛ لأنَّ المؤذِّن يؤذِّن لهم ويناديهم.
( {اتَّخَذُوهَا} ) أي الصلاة أو المناداة، ( {هُزُوًا وَلَعِبًا} ) يعني أنَّ الكفَّار إذا سمعوا الأذان، استهزؤوا بهم، وإذا رأوهم ركوعًا وسجودًا ضحكوا عليهم، واستهزؤوا بذلك ( {ذَلِكَ} ) الاستهزاء ( {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ} ) أي بسبب أنهم قوم لا يعلمون، ولا يدركون معاني عبادة الله وشرائعه وثوابه، أو ليسوا من أهل العقلِ، فإنَّ الذي يؤدِّي إلى ذلك الاستهزاء هو السَّفه لا العقل.
وقد ذكر أهل التَّفسير أنَّ اليهود لما سمعوا الأذان قالوا لقد أبدعتَ يا محمَّدُ شيئًا لم يكن فيما مضى فنزلت.
وقال أسباط عن السُّدِّي قال كان رجل من النَّصارى بالمدينة إذا سمع المُنادي يُنادي أشهد أنَّ محمدًا رسول الله قال حرِّق الكاذب، فدخل خادمه ليلة من اللَّيالي بنار وهو نائم، وأهله نيامٌ، فسقطتْ شرارةٌ فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وإيراد البخاري هذه الآية هاهنا إشارة إلى أنَّ ابتداء الأذان كان بالمدينة؛ لأنَّ الآية مدنيَّة.
وعن هذا قال الزَّمخشري في «تفسيره» قيل فيه دليلٌ على ثبوتِ الأذان بنصِّ الكتاب لا بالمنام وحدَه. وقال الزُّهري _ فيما ذكره الحافظ ابن كثير _؛ قد ذكر الله التَّأذين في هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم.
(وَقَوْلِهِ) تعالى بالجرِّ، ويروى بالرفع أيضًا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا} ( {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ} ) أراد بهذا النِّداءِ الأذانَ عند قعود الإمام على المنبر للخُطبة، ذكره النَّسفي في «تفسيره» .
وزاد في رواية الأَصيلي قوله . وإنما عدَّى النِّداء في الآية الأولى بـ «إلى» ، وفي الآية الثانية بـ «اللام» ؛ لأنَّ صلات الأفعال تختلفُ بحسب مقاصدِ الكلام، فالمقصودُ في الأولى معنى الانتهاء، وفي الثانية معنى الاختصاص. ويحتمل أن تكون اللام بمعنى إلى، أو بالعكس؛ لأنَّ الحروف ينوب بعضُها عن بعض، والله أعلم. ثم إنَّ هذه الآية الثانية
ج 4 ص 2
تشير إلى أنَّ ابتداء الجمعة كان بالمدينة، كما سيأتي في بابه [خ¦603 قبل] .
واختلف في السَّنة التي فرض فيها
فالرَّاجح أنَّ ذلك كان في السَّنة الأولى؛ فإنه روي أنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا قدم المدينة نزل قباء، وأقام بها إلى الجمعة، ثمَّ دخل المدينة وصلَّى الجمعة في دارٍ لبني سالم بن عوف، وهي أوَّل جمعة جَمَّعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل بل كان في السنة الثانية.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ فرض الأذان نزل مع هذه الآية. أخرجه أبو الشيخ. وقال الزين ابن المُنيِّر أعرض البخاري عن التَّصريح بحكم الأذان؛ لعدم إفصاح الآثار الواردة فيه عن حكم معيَّنٍ، فأثبت مشروعيَّته، وسَلِمَ من الاعتراض، وقد اختلف في ذلك، ومنشأ الاختلاف أنَّ مبدأ الأذان لما كان عن مَشورة أوقعها النَّبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه حتى استقرَّ برؤيا بعضهم، فأقرَّه، كان ذلك بالمندوبات أشبه. ثمَّ لما واظبَ على تقريره، ولم يُنقل أنَّه تركه، ولا رخَّص في تركه كان ذلك بالواجبات أشبه. وسيأتي التَّفصيل في ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى.
[1] في هامش الأصل قد بدئ في هذه القطعة الرابعة يوم الأربعاء اليوم الخامس والعشرين من أيام شهر الله المحرم الحرام من شهور سنة ثمان وعشرين ومائة وألف.