فهرس الكتاب

الصفحة 9601 من 11127

11 - (بابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ) تقدَّم شرحه قريبًا في باب «ما يحذر من زهرة الدُّنيا» في حديث أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه [خ¦6427] (وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى) وفي روايةٍ ( {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} ) المزيِّن هو الله تعالى عند الجمهور للابتلاء؛ لقوله تعالى {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ} [الكهف 7] وعن الحسن الشَّيطان.

وقد يجمعُ بين القولين

ج 27 ص 103

بأنَّ نسبةَ ذلك إلى الله؛ لأنَّه هو الفاعل حقيقةً، فهو الَّذي أوجد الدُّنيا وما فيها وهيأتها للانتفاع، وجعلَ القلوب مائلةً إليها، وإلى ذلك الإشارة بالتَّزيين ليدخل فيه حديث النَّفس، ووسواس الشَّيطان فنسبة ذلك إلى الله تعالى باعتبار الخلق والتَّقدير والتَّهيئة، وقد قرأ مجاهد {زَيَّنَ للنَّاسِ} [آل عمران 15] على البناء للفاعل {حبَّ} مفعول به، والفاعل ضمير الله تعالى؛ لتقدَّم ذكره الشَّريف في قوله {وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ} [آل عمران 13] .

ونسبة ذلك إلى الشَّيطان باعتبار ما أقدره الله عليه من التَّسليط على الآدميِّ بالوسوسة النَّاشئ عنها حديث النَّفس، وعلى تقدير القراءة بالبناء للفاعل يحتمل أن يكون الضَّمير للشَّيطان وإن لم يجرِ له ذكرٌ؛ لأنَّه أصلٌ في ذلك، وذكر هذه الأشياء مُؤْذِنٌ بذكرهِ، وأضيف المصدر إلى مفعوله في {حُبُّ الشَّهَوَاتِ} وهي جمع شِهْوة _ بسكون العين _ فحرَّكت في الجمع، ولا يجوز التَّسكين إلَّا في ضرورةٍ كقوله

~وَحُمِّلتُ زَفْرَاتِ الضُّحَى فَأطَقْتُهَا وَمَا لِي بِزَفْرَاتِ العَشِيِّ يَدَانِ

بتسكين الفاء، والشَّهوة مصدرٌ يراد به المفعول؛ أي المشتبهات فهو من باب رجلٍ عَدْلٍ حيث جعلت نفس المصدر مبالغةً، والشَّهوة ميلُ النَّفس إلى الشَّيء، فجعل الأعيان الَّتي ذكرها شهواتٌ مبالغة في كونها مشتهاةٌ؛ كأنَّه أراد بخسيسها بتسميتها شهوات إذ الشَّهوة مسترذلةٌ عند الحكماء، مذمومٌ من اتَّبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكأنَّ المقصود من ذكر هذا اللَّفظ التَّنفير عنها.

ولفظ «النَّاس» دخله حرف التَّعريف ليفيد الاستغراق، فظاهر اللَّفظ يقتضي أنَّ هذا المعنى حاصل لجميع النَّاس، والعقل أيضًا يدلُّ عليه؛ لأنَّ كلُّ ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوبٌ ومطلوب لذاته، والمنافع قسمان جسمانيٌّ وروحانيٌّ.

فالجسمانيُّ حاصلٌ لكلِّ أحدٍ في أوَّل الأمر، فلا جرم كان الغالب على الخلقِ هو الميل الشَّديد إلى اللَّذَّات الجسمانيَّة.

( {مِنَ النِّسَاءِ} ) والإماء داخلةٌ فيه ( {وَالْبَنِينَ} ) جمع ابن، وقد يقع في غير هذا الموضع على الذُّكور والإناث، وهنا أريد الذُّكور؛ لأنَّهم المشتهون في الطِّباع،

ج 27 ص 104

والمعدون في الدِّفاع، وقدَّم النِّساء؛ لأنَّ الالتذاذ بهنَّ أكثر، والاستئناس بهنَّ أتمُّ والفتنة بهنَّ أشدُّ لقوله صلى الله عليه وسلم (( ما تركتُ بعدي فتنةً أضر على الرِّجال من النِّساء ) )ومعنى تزيينها إعجاب الرَّجل بهنَّ وطواعيته لهنَّ، فإذا كان القصد بهنَّ الإعفاف وكثرة الأولاد، فهذا مطلوبٌ مرغوبٌ فيه مندوبٌ إليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( الدُّنيا متاعٌ وخيرُ متاعها المرأة الصَّالحة ) ).

ثمَّ ذكر البنين؛ لأنَّه لا يخلو حبُّهم إمَّا أن يكون للتَّفاخر والزِّينة فهو داخلٌ فيها، وإمَّا أن يكون لتكثير النَّسل وتكثير أمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، فهذا ممدوحٌ محمودٌ، كما في الحديث (( تزوَّجوا الولود الودود، فإنِّي مكاثرٌ بكم الأمم يوم القيامة ) ). ولله تعالى في إيجاد حبِّ الزَّوجة والولد في قلب الإنسان حكمةٌ بالغةٌ لولا هذا الحبُّ لما حصل التَّوالد والتَّناسل.

( {وَالْقَنَاطِيرِ} ) جمع قنطارٍ، واختلف في تقديره على أقوالٍ، فقال الضَّحاك المال الجزيل، وقيل ألف دينارٍ، وقيل ألف ومائتا دينارٍ، وقيل اثنا عشر ألفًا، وقيل أربعون ألفًا، وقيل ستُّون ألفًا، وقيل سبعون ألفًا، وقيل ثمانون ألفًا. وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( القنطار اثنا عشرَ ألف أوقيةٍ كلُّ أوقيةٍ خيرٌ ممَّا بين السَّماء والأرض ) )، ورواه ابن ماجه أيضًا.

وروى ابن أبي حاتمٍ حدَّثنا أبي أخبرنا عارم، عن حمَّاد، عن سعيد الجرشي، عن أبي نضرةَ، عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال (( القنطارُ ملء مسك الثَّور ذهبًا ) ). وعن سعيد بن جبيرٍ القنطار مائة ألف دينارٍ، وقيل مائة وعشرون رطلًا، وقيل مائة رطلٍ، وقيل ألف مثقالٍ، وقيل ألف ومائتا أوقيةٍ.

وقال ابن عطيَّة أصحُّ الأقوال أنَّه المال الكثير، وقيل يختلف القنطار في البلاد باختلافها في قدر الأوقية، والله تعالى أعلم.

( {الْمُقَنْطَرَةِ} ) مُفَعللة من القنطار، وهو للتَّأكيد كقولهم ألفٌ مؤلَّفةٌ، ودراهم مدرهمةٌ، وبدرة مبدرة، وقال قتادة الكثيرة بعضُها فوق بعضٍ، وقيل المدفونة ( {مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} ) وإنَّما كانا محبوبين؛ لأنَّهما ثمن الأشياء فمالكها كمالك جميع الأشياء ( {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} ) أي المعلمة أو المرعيَّة، مِنْ أسام الدَّابة وسوَّمها ( {وَالأَنْعَامِ} ) جمع نِعَم،

ج 27 ص 105

وهي الإبلُ والبقر والغنم، وقيل الأزواجُ الثَّمانية ( {وَالْحَرْثِ} ) مصدرٌ واقعٌ موقع المفعول به، ولذلك وحَّد ولم يجمع كما جمعت أخواته، والمراد الأراضي المتَّخذة للغرس والزِّراعة.

وروى أحمد من حديث سُوَيد بن هبيرة، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال (( خيرُ مال امرئٍ مَهرةٌ مأمورةٌ أو سكَّة مأبورة ) )المأمورة الكثير النَّسل، والسِّكة النَّخل المصطف، والمأبورة الملقحة.

( {ذَلِكَ} ) أي المذكور ( {مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ) أي إنَّما ذلك يتمتَّع به في الدُّنيا من زهرتها وزينتها الفانية الزَّائلة ( {وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ} ) أي حسن المرجع والثَّواب، سيقت هذه الآية بتمامها هكذا في رواية كريمة، وفي رواية أبي ذرٍّ < {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} الآية>، وفي رواية أبي زيدٍ المروزي < {حُبُّ الشَّهَوَاتِ} الآية>، وفي رواية الإسماعيليِّ مثل رواية أبي ذرٍّ، وزاد إلى قوله < {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} >.

وقد تضمَّنت هذه الآية الكريمة أنواعًا من الفصاحة والبلاغة منها الإتيان بها مجملة، ومنها جعلها نفس الشَّهوات مبالغةً في التَّنفير عنها كما مرَّ، ومنها البداءة بالأهمِّ فذكر أوَّلًا النِّساء؛ لأنهنَّ أكثر امتزاجًا ومخالطةً بالإنسان، وهنَّ حبائل الشَّيطان، وقيل فيهنَّ فتنتان، وفي البنين فتنةٌ واحدةٌ؛ لأنهنَّ يقطعنَ الأرحام والصِّلات بين الأهل غالبًا، وهنَّ سببٌ في جمع المال من حرامٍ وحلال غالبًا، والأولاد يجمع لأجلهم المال فلذلك ثنَّى بهم، ولأنَّهم فروعٌ منهنَّ وثمرات نشأت عنهنَّ، وفي كلامهم المرء مفتونٌ بولده، وقدِّمت على الأموال؛ لأنَّها أحبُّ إلى المرء من ماله، وأمَّا تقديم المال على الولد في بعض المواضع فإنَّما ذلك في سياق امتنانٍ وإنعام، أو نصرة ومعاونةً؛ لأنَّ الرِّجال تستمال بالأموال، ثمَّ ذكر تمام اللَّذَّة وهو المركوب البهيُّ من بين سائر الحيوانات، ثمَّ أتى بما يحصل به جمالٌ حين يريحون وحين يسرحون كما تشهد به الآية الأخرى، ثمَّ ذكر ما به قوامهم وحياة بنيتهم وهو الزُّروع والثِّمار، ومنها الإتيان بلفظٍ يشعر بشدة حبِّ هذه الأشياء بقوله {زُيِّن} والزِّينة محبوبةٌ بالطَّبع،

ج 27 ص 106

ومنها التَّجنيس في {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ} ، ومنها الجمع بين ما يشبه المطابقة في قوله {الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ} لأنَّهما صارا متقابلين في غالب العرف وغير ذلك.

(قَالَ عُمَرُ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه في الآية المذكورة (اللَّهُمَّ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ) أي لا نقدِر (إِلاَّ أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ) بإثبات الضَّمير، وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاطه (لَنَا) أي بما حصل لنا ممَّا في آية {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} [آل عمران 14] ، ثمَّ لمَّا رأى أنَّ فتنة المال والغنى مسلطةً على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له، ولشهوات الدُّنيا في نفوس العباد، وإنَّهم جُبلوا على ذلك، لكن منهم من استمرَّ على ما طُبع عليه من ذلك، وانهمك فيه وهو المذمومُ، ومنهم من راعى الأمر والنَّهي ووقف عند حاجةٍ له من ذلك، وذلك بمجاهدة نفسه بتوفيق الله تعالى، فهذا لم يتناوله الذَّم، ومنهم من ارتقى عن ذلك فزَهد فيه بعد أن قدر عليه وأعرض عنه مع إقباله عليه وتمكُّنه منه، فهذا هو المحمود، [وأشار إليه] .

دعاء عمر رضي الله عنه بقوله (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ) لأنَّ مَن أخذَ المال من حقِّه ووضعه في حقِّه فقد سلِم من فتنته، وهذا الأثرُ وصله الدَّارقطني في «غرائب مالك» من طريق إسماعيل بن أبي أويسٍ، عن مالك، عن يحيى بن سعيدٍ هو الأنصاريُّ أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُتِيَ بمالٍ من المشرق، يقال له نفل كسرى فأمر به فَضُبَّ وغُطِّي، ثمَّ دعا النَّاس فاجتمعوا، ثمَّ أمر به فكُشف عنه فإذا هو حليٌّ كثيرٌ وجوهرٌ ومتاع، فبكى عمرُ رضي الله عنه وحمد الله عزَّ وجلَّ، فقالوا له ما يبكيك يا أمير المؤمنين هذه غنائم غنمها الله تعالى لنا ونزعها من أهلها، فقال ما فتحَ من هذا على قومٍ إلَّا سفكوا دماءهم، واستحلُّوا حرمهم.

قال فحدَّثني زيد بن أسلم أنَّه بقيَ من ذلك المال مناطق وخواتم فرُفِعَ، فقال له عبد الله بن أرقم حتَّى متَّى تحبسه لا تقسمه، قال بلى إذا رأيتني فارغًا فآذني به، فلمَّا رآه فارغًا بسطَ شيئًا في حشِّ نخلةٍ، ثمَّ جاءه به في مكتلٍ، فصبَّه كأنَّه استكثره، ثمَّ قال اللَّهم أنت قلت

ج 27 ص 107

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ} [آل عمران 14] فتلا الآية حتَّى فرغ منها، ثمَّ قال لا أستطيع إلَّا أن نحبَّ ما زينت لنا فقني شرَّه، وارزقني أن أنفقه في حقِّه [1] ، فما قام حتَّى ما بقي منه شيءٌ، وهذا التَّعليق قد سقط في رواية أبي زيد المروزي.

[1] في هامش الأصل في نسخة في حقك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت