1641 - 1642 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى) أبو عبد الله التُّسْتَري، مصري الأصل، وكان يتَّجه إلى تُسْتَر، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ وَهَبٍ) هو عبد الله بن وهب المصري (قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ الْقُرَشِيِّ، أَنَّهُ سَأَلَ عُرْوَةَ) هو ابن الزُّبير، كيف بلغه حجُّ النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(فَقَالَ) أي عروة (قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (حِينَ قَدِمَ) أي مكَّة (أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَة) بالرفع والنصب على تقدير كون (لم تكن) تامَّة وناقصة(ثُمَّ حَجَّ
ج 8 ص 92
أَبُو بَكْرٍ)الصِّدِّيق (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَة) بالرفع والنصب أيضًا (ثُمَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِثْلُ ذَلِكَ) أي ثمَّ حجَّ عمر رضي الله عنه مثل ما حجَّ أبو بكر رضي الله عنه (ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلَ شَيْءٍ) بنصب أوَّل على أنَّه بدل من الضمير.
(بَدَأَ بِهِ الطَّوَافَ) بالنصب على أنَّه مفعول ثان لرأيته (بِالْبَيْتِ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ ثُمَّ) حجَّ (مُعَاوِيَةُ) هو ابن أبي سفيان (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهم ثُمَّ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي الزُّبَيْرِ) ليس بكنية بل قوله الزُّبير بالجرِّ بيان لقوله أبي.
(فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ) أي الزُّبير بن العوَّام (الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ آخِرُ مَنْ رَأَيْتُ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُضْهَا عُمْرَةً) أي لم ينقض حجَّتها عمرة؛ أي لم يفسخها إلى العمرة (وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ عِنْدَهُمْ فَلاَ يَسْأَلُونَهُ؟) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي أفلا يسألون عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (وَلاَ أَحَدٌ مِمَّنْ مَضَى، مَا كَانُوا يَبْدَؤُونَ بِشَيْءٍ حين يضعون أَقْدَامَهُمْ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ) قال ابن بطَّال لا بدَّ من زيادة لفظ أوَّل بعد لفظ أقدامهم.
وقال الكرماني الكلام صحيحٌ بدون زيادته، إذ معناه ما كان أحد منهم يبدأ بشيءٍ آخر حين يضع قدمه في المسجد لأجل الطَّواف؛ أي لا يصلُّون تحية المسجد، ولا يشتغلون بغيره.
وقال الحافظ العسقلاني وحاصله أنَّه لم يتعيَّن حذف لفظ أوَّل، بل يجوز أن يكون الحذف في موضع آخر، لكن الأوَّل أولى؛ لأنَّ الثَّاني يحتاج إلى جعل (من) بمعنى (من أجل) وهو قليلٌ، وأيضًا فلفظ (أوَّل) قد ثبت في بعض الرِّوايات، وثبت أيضًا في مكانٍ آخر من الحديث نفسه.
وتَعَقَّبه العيني بأنَّ قوله وهو قليل، غيرُ مسلم، بل هو كثيرٌ في كلامهم، لأنَّ أحد معاني (من) التعليل، كما عُرِفَ في موضعه، وقوله وأيضًا، فقد ثبت لفظ أوَّل في بعض الرِّوايات، مجرَّدُ دعوى فلا تُقْبَل إلا ببيان. اهـ. وفي رواية الكُشميهني بدل حين يضعون، وتوجيهه ظاهر.
ج 8 ص 93
قال الكِرماني فإن قلت المفهوم من هذا التركيب أنَّ السَّلف كانوا يبتدؤون بالشَّيء الآخر؛ إذ نفي النَّفي إثبات، وهو نقيضُ المقصود.
قلت (ما كانوا) هو تأكيد للنَّفي السَّابق أو هو ابتداء كلام، وقوله (ولا أحد) عطف على فاعل لم ينقضها؛ أي لم ينقض ابن عمر رضي الله عنهما حجَّته، ولا أحد من السَّلف الماضيين. انتهى.
(ثُمَّ لاَ يَحِلُّونَ وَقَدْ رَأَيْتُ أُمِّي) هي أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، زوجة الزُّبير رضي الله عنه (وَخَالَتِي) هي عائشة رضي الله عنها (حِينَ تَقْدَمَانِ) أي مكَّة (لاَ تَبْتَدِئَانِ بِشَيْءٍ أَوَّلَ مِنَ الْبَيْتِ تَطُوفَانِ بِهِ ثُمَّ لاَ تَحِلاَّنِ) أي سواءٌ كان إحرامهما بالحجِّ وحده أو بالقِرَان خلافًا لمن قال إنَّ من حجَّ مُفْرِدًا وطاف حلَّ بذلك، كما تقدَّم عن ابن عبَّاس [خ¦397] .
(وَقَدْ أَخْبَرَتْنِي أُمِّي أَنَّهَا أَهَلَّتْ هِيَ وَأُخْتُهَا) أي أخت أمي عائشة رضي الله عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم (وَالزُّبَيْرُ وَفُلاَنٌ وَفُلاَنٌ بِعُمْرَةٍ، فَلَمَّا مَسَحُوا الرُّكْنَ حَلُّوا) معناه طافوا وسعوا وحلقوا حلوا، وإنَّما حُذِفَت هذه المقدَّراتُ للعلم بها، لا يقال هذا مناف لقوله ثمَّ لا تحلان، فما الفائدة في ذكره؟ لأنَّا نقول الأوَّل في الحج، والثَّاني في العمرة، والمقصود أنَّهم كانوا إذا أحرموا بالعمرة يحلُّون بعد الطَّواف ليُعْلَم أنَّهم إذا لم يحلوا بعده لم يكونوا معتمرين، ولا فاسخين للحجِّ إليها، وذلك لأنَّ الطَّواف في الحجِّ للقدوم، وفي العمرة للرُّكن، والله أعلم.
ثمَّ اعلم أنَّ الدَّاوديَّ قال ما ذُكِرَ من حجِّ عثمان رضي الله عنه هو من كلام عروة، وما قبله من كلام عائشة رضي الله عنها، وقال أبو عبد الملك منتهى حديث عائشة رضي الله عنها عند قوله (ثمَّ لم تكن عمرة) ، ومن قوله (ثمَّ حجَّ أبو بكر) إلى آخره من كلام عروة.
فعلى قول الدَّاودي يكون الحديث كلُّه متَّصلًا، وعلى قول أبي عبد الملك يكون بعضُه منقطعًا؛ لأنَّ عروة لم يدْرِك أبا بكر وعمر، بل أدرك عثمان رضي الله عنهم. قال الحافظ العسقلاني والأوَّل أظهر.
واحتجَّ بهذا الحديث من يرى بوجوب الطَّهارة للطَّواف كالصَّلاة، ولا حجَّة لهم في ذلك لأنَّ قوله إنَّه توضَّأ، لا يدل على وجوب الطَّهارة قطعًا لاحتمال أن يكونَ وضوءه عليه الصَّلاة والسَّلام على وجه الاستحباب.
وقال صاحب «التَّوضيح» الدَّليل على الوجوب أنَّ الطَّواف مجملٌ في قوله تعالى {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} الآية [الحج 29] ، وفِعْلُه صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مخْرَجَ البيان.
فإن قيل لا نسلِّم أنَّه مجمل، إذ معناه الدَّوران حول البيت، فالجواب أنَّه قال صلى الله عليه وسلم
ج 8 ص 94
(( الطَّواف بالبيت صلاة ) ). انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ التَّشبيه لا عموم له، ولهذا لا ركوع فيه ولا سجود، ولو كان حقيقةً لكان احتاج إلى تحليل وتسليم. واحتجَّ به أيضًا مَن يرى أنَّ الإفراد بالحج هو الأفضل، ولا حجَّة لهم في ذلك لوجود أحاديث كثيرة دلَّت على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان قارنًا، وقد مرَّ التَّفصيل في حديث الباب في باب من طاف بالبيت إذا قدم [خ¦1614] .