فهرس الكتاب

الصفحة 3893 من 11127

47 - (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الشِّرْكَةِ) هكذا وقع في رواية النَّسفي وابن شَبُّويه، ووقع في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية أبي ذرٍّ بدون لفظ «كتاب» ، ولا لفظ «باب» .

والشِّرْكة _ بكسر الشين وإسكان الراء، وبفتح الشين وكسر الراء وإسكانها _، وفيه لغة رابعة شرك، بغير تاء التأنيث، قال الله تعالى {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ} [سبأ 22] ؛ أي من نصيبٍ.

وجمع الشركة شِرَك _ بفتح الراء وكسر الشين [1] _ يُقال شَرِكته في الأمر أَشْرَكه شِرْكة، والاسم الشِّرْك؛ أي النَّصيب،

ج 11 ص 433

قال صلى الله عليه وسلم (( من أعتق شِرْكًا له ) )؛ أي نصيبًا، وشريك الرجل ومشاركه سواء.

والشركة في اللغة الاختلاط على الشُّيوع أو على المجاوزة، كما قال تعالى {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي} [ص 42] .

وفي الشَّرع ثبوتُ الحقِّ لاثنين فصاعدًا في الشَّيء الواحد كيف كان، ثمَّ هي تارةً تحصل بالخلط، وتارةً بالشُّيوع الحكمي كالإرث.

وقال أصحابنا الشركة في الشَّرع عبارة عن العقد على الاشتراك واختلاط النَّصيبين، وهي على نوعين شركة الملك وهي أن يملك اثنان عينًا أو إرثًا أو شراء أو هبة أو ملكًا بالاستيلاء أو اختلط مالهما بغير صنعٍ، أو خلطاه خلطًا بحيث يعسر التَّمييز أو يتعذَّر فكلُّ هذا شركة تملُّك، وكلُّ واحدٍ منهما أجنبي في قسط صاحبه.

والنَّوع الثاني شركة العقد وهي أن يقولَ أحدُهما شاركتك في كذا ويقبل الآخر، وهي على أربعة أنواع مُفَاوضة، وعنان، وتقبُّل _ ويُقال لها شركة الصنائع أيضًا _، وشركة وجوه، وبيانها في الفُرُوع.

- (بابُ الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ) وقد عقد لهذا بابًا مفردًا مستقلًّا بعد أبوابٍ إن شاء الله تعالى، (وَالنَّهْدِ) بفتح النون وكسرها وسكون الهاء وبدال مهملة، قال الأزهري في «التهذيب» النَّهد إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرُّفقة، يقال تناهدوا وقد ناهد بعضُهم بعضًا، وقال الجوهريُّ نحوه، لكن قال على قدر نفقةِ صاحبه، ونحوه لابن فارس.

وقال ابن سِيْده النَّهد العون، وطرح نهدَه مع القوم، أعانهم وخارجهم، وقد تناهدوا؛ أي تخارجوا، وذلك في الطَّعام والشَّراب.

وقال الكرمانيُّ هو ما تخرجه الرُّفقة عند المناهدةِ، وهي إخراجُ الرُّفقاء النَّفقة في السَّفر، ثم خلطها، وتسمَّى بالمُخَارجة، وذلك جائزٌ في جنسٍ واحدٍ وفي الأجناس وإن تفاوتوا في الأكلِ، وليس هذا من الرِّبا في شيءٍ، وإنَّما هو من بابِ الإباحة.

وقال القاضي عياض فيه مثل ما قال الأزهري، إلَّا أنه قيَّده بالسفر والخلط، ولم يقيِّده بالعدد.

وقال ابنُ التين قال جماعةٌ هو النَّفقة بالسَّويَّة في السفر وغيره،

ج 11 ص 434

والذي يظهر أنَّ أصله في السفر وقد يتَّفق رفقة فيضعونه في الحضر، كما سيأتي في آخر الباب من فعل الأشعريِّين [خ¦2486] ، وأنَّه لا يتقيَّد بالتَّسوية إلَّا في القسمة، وأمَّا في الأكل فلا تسوية لاختلاف حالِ الآكلين، وأحاديث الباب تشهدُ لكلِّ ذلك.

وقال ابنُ الأثير هو ما تخرجه الرُّفقة عند المناهدة إلى العدوِّ، وهو أن يقتسموا نفقتهم بينهم بالسويَّة حتَّى لا يكون لأحدهم على الآخر فضل، فزاده قيدًا آخر وهو سفر الغزو، والمعروف أنَّه خلط الزَّاد في السَّفر مطلقًا.

وقد أشار إلى ذلك المؤلِّف في الترجمة حيث قال «أن يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا» ، وقال ثعلب هو النِّهد _ بالكسر _ قال والعرب تقول هاتِ نِهدك _ مكسورة النون _، وحكى عن عمر بن عبيد، عن الحسن أنَّه قال أخرجوا نِهْدكم فإنَّه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم، وأطيبُ لنفوسكم.

وفي «المطالع» أنَّ القابسي فسَّره بطعام الصُّلح بين القبائل، وهذا غير معروفٍ، فإن ثبت فلعلَّه أصله.

وعن قتادة ما أفلس المتلازمان؛ يعني المتناهدان، وذكر محمد بن عبد الملك التاريخي في كتاب «النهد» عن المدائنيِّ وابن الكلبي وغيرهما أنَّ أوَّل من وضع النَّهد الحُضَين بنُ المنذر الرَّقاشي.

والحُضَيْن _ بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون المثناة التحتية وبالنون _ أحدُ بني رَقاش، شاعرٌ فارسٌ، يكنى أبا ساسان، روى عن عثمان وعلي رضي الله عنهما وعن غيرهما.

وروى عنه الحسن البصريُّ وكان أسيرًا عند بني أميَّة فقتله أبو مسلم الخراساني.

(وَالْعُرُوضِ) بضم العين، جمع عرْض _ بسكون الراء _ وهو المتاعُ مقابل النَّقد، وأراد به الشركة في العروض، وفيه خلافٌ فقال أصحابنا لا يصحُّ شركة مفاوضة ولا شركة عنان إلَّا بالنَّقدين وهما الدَّراهم والدَّنانير. وقال مالك يجوز في العروض إذا اتَّحد الجنس، وعند بعض الشافعيَّة يجوز إذا كان عَرَضًا مثليًّا، وقال محمَّد يصحُّ أيضًا بالفلوس الرائجة؛ لأنَّها برواجها تأخذ حكم النقدين،

ج 11 ص 435

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف لا يصحُّ لأنَّ رواجها عارض.

(وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ) أي ما يدخل تحت الكيل أو الوزن؛ أي هل تجوز قسمته؟ (مُجَازَفَةً أَوْ) يجوز (قَبْضَةً قَبْضَةً لِمَا لَمْ يَرَ الْمُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا وَهَذَا بَعْضًا) اللام في قوله «لِمَا» مكسورة والميم مخففة؛ أي لأجل عدم رؤية المسلمين بأسًا في أن يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا في النَّهد؛ أي فكما جوَّزوا النَّهد الذي فيه التفاوت، فكذلك جوَّزوا مجازفةَ المكيل والموزون مع التفاوت أو لا بدَّ [2] من الكيل في المكيل، والوزن في الموزون.

(وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) قيل المراد بها مجازفة الذهب بالفضة وبالعكس لجواز التفاضل فيه، وكذا كلُّ ما جاز التَّفاضل فيه ممَّا يُكال أو يُوزن من المطعومات ونحوها، هذا إذا كان المجازفة في القسمة، وقلنا القسمةُ بيعٌ.

وقال ابن بطَّال قسمة الذَّهب بالذَّهب مجازفة، والفضة بالفضة ممَّا لا يجوز بالإجماع لجريان الرِّبا فيه، وأمَّا قسمة الذَّهب مع الفضة مجازفة فكرهه مالك وأجازه الكوفيُّون والشافعيُّ وآخرون، وكذلك لا يجوز قسمة البُرِّ مجازفةً وكلُّ ما حرم فيه التفاضل لجريان الرِّبا فيه أيضًا، انتهى.

والحاصل أنَّه كما أنَّ مبنى النَّهد على الإباحة وإن حصل التَّفاوت في الأكل، فكذلك مجازفة الذهب بالفضة، وإن كان فيه التَّفاوت لاختلاف الجنس بخلاف الذَّهب بالذَّهب والفضة بالفضَّة لجريان الرِّبا فيه.

(وَالْقِرَانُ فِي التَّمْرِ) بالجرِّ عطف على قوله «في النَّهد» >، ويروى ؛ أي الجمع بين التمرتين، بأن يأكل هذا تمرتين، وهذا تمرة تمرة، وقد مرَّ الكلام فيه مستوفى في حديث ابن عمر رضي الله عنهما في «كتاب المظالم» ، في باب إذا «أذن إنسان لآخر شيئًا جاز هذا» [خ¦2455] .

وظاهر كلام البخاري جواز قسمة الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلًا مجازفة، ويمكن أن يحتجَّ له بحديث جابر رضي الله عنه في مال البحرين، والجواب أنَّ قسمةَ العطاء ليست على حقيقة القسمة؛ لأنَّه غير مملوكٍ للآخذين قبل التَّمييز، والله أعلم.

ج 11 ص 436

[1] في (خ) (( بفتح الشين وكسر الراء ) ).

[2] في هامش الأصل قوله أو لا بد عطفٌ على قوله هل يجوز قسمته مجازفة لك. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت