2482 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال (حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ) بضم الجيم الأولى، الراهب (يُصَلِّي) خبر «كان» (فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا فَقَالَ) أي في نفسه مناجيًا الله تعالى. (أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي) كلمة «أو» هنا للتخيير (ثُمَّ أَتَتْهُ فَقَالَت اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ) بضم التاء، من الإماتة (حَتَّى تُرِيَهُ) بضم التاء أيضًا، من الإراءة (وُجُوْهَ الْمُومِسَاتِ) أي الزَّواني وهي جمع مومسة، وهي الفاجرة، ويجمع على مياميس على إشباع الكسرة. وقال ابنُ الأثير ومنه حديث أبي وائل (( أكثر تبع الدَّجَّال أولاد المياميس ) )، وفي رواية (( أولاد الموائس ) )، وقد اختلف في أصل هذه اللَّفظة فبعضهم يجعله من الهمزة، وبعضهم يجعله من الواو، وكلٌّ منهما تكلَّف له اشتقاقًا فيه، وقال الجوهريُّ _ في ومس _ المومسة الفاجرة. ولم يذكر شيئًا غير ذلك.
وفي «المطالع» المياميس والمومسات المجاهرات بالفجور، والواحدة مومسة، وبالياء المفتوحة
ج 11 ص 430
روِّيناه عن جميعهم، وكذلك ذكره أصحاب العربيَّة في الواو والميم والسين.
ورواه ابنُ الوليد عن ابن السَّمَّاك المأميس _ بالهمز _ فإن صحَّ الهمز فهو من ماس الرَّجل إذا لم يلتفت إلى موعظةٍ، وماس بين يدي القوم أفسد، وهذا بمعنى المجاهرة والاستهتار، ويكون وزنه على هذا فعاليل.
(وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ) بفتح المهملتين والميم (فَقَالَتِ امْرَأَةٌ لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ) أي في ترغيبهِ في مباشرتها (فَأَبَى فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلاَمًا) فيه حذف تقديره فأمكنته من نفسها؛ يعني زنا بها فحبلتْ، ثمَّ ولدت غلامًا (فَقَالَتْ) أي المرأة (هُوَ) أي الغلام (مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الْغُلاَمَ) بالنصب؛ أي الطِّفل الذي في المهد قبل زمان تكلُّمه (فَقَالَ مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ، قَالَ) أي الغلام أبي (الرَّاعِي قَالُوا نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ لاَ) أي قال جريجٌ لا تبنوها (إِلاَّ مِنْ طِينٍ) قال ابنُ مالك فيه شاهدٌ على حذف المجزوم بـ «لا» ، كما قدَّرناه.
وفي الحديث الاحتجاج بأنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، وقال الكرمانيُّ واحتج البخاري به على الترجمة بناء على أنَّ شرع من قبلنا شرع لنا، وفيه نظر لأنَّ شرعنا أوجب المثل في المثليات، والحائط متقوَّم لا مثليٌّ، انتهى.
وقال العينيُّ شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يقصَّ الله علينا بالإنكار، وقد قلنا أنَّ الحائط إذا كان من خشبٍ يكون من ذوات القيم، وإن كان من الطين والحجر يبنى بأن يعاد مثله.
وفيه أيضًا أنَّ الطفل يدعى غلامًا، وفيه أيضًا أنه أحد من تكلَّم في المهد. وقال الضحَّاك تكلَّم في المهد ستَّة شاهد يوسف عليه السلام، وابن ماشطة فرعون، وعيسى ويحيى عليهما السَّلام، وصاحب جريج، وصاحب الأخدود.
وفيه أيضًا المطالبة كما طالبت بنو إسرائيل جريجًا بما ادَّعته المرأة عليه، وأصل هذه المطالبة أنَّ أهل تلك البلدة كانوا يعظِّمون أمر الزنا فظهر أمر تلك المرأة
ج 11 ص 431
في البلد، فلمَّا وضعت حملها أُخبِر المَلِك بأنَّ امرأةً قد ولدت من الزنا فدعاها فقال لها من أين لكِ هذا الولد؟ قالت من جريج الراهب قد واقعني، فبعث الملك أعوانه إليه وهو في الصَّلاة، فنادوه فلم يُجبهم، حتى جاؤوا إليه بالمرور والمساحي وهدموا صومعته، وجعلوا في عنقه حبلًا، وجاؤوا به إلى الملك فقال له الملك إنَّك قد جعلت نفسك عابدًا ثمَّ تهتك حريم الناس، وتتعاطى ما لا يحلُّ لك، قال أيُّ شيءٍ فعلت؟ قال إنَّك زنيت بامرأة كذا فقال لم أفعل فلم يصدِّقوه، وحلف على ذلك فلم يصدِّقوه، فقال ردُّوني إلى أمِّي فَرَدُّوه إليها، فقال لها يا أمَّاه إنكِ دعوتِ الله عليَّ فاستُجِيب لك، فادعي الله أن يكشف عني بدعائك، فقالت اللهمَّ إن كان جريج إنَّما أخذتَهُ بدعوتي فاكشفْ عنه فرجع جريج إلى الملك، فقال أين هذه المرأة، وأين الصبيُّ؟ فجاؤوا بهما فسألوها، فقالت بلى هذا الذي فعل بي، فوضع جريجٌ يديه على رأس الصبيِّ، فقال بحقِّ الذي خلقك أن تخبرني من أبوك، فتكلم الصبيُّ بإذن الله تعالى فقال إنَّ أبي فلان الراعي. وفي روايةٍ أخرى أنَّ المرأة كانت حاملًا لم تضع بعد، فقال لها أين أصبتُكِ؟ قال تحت شجرةٍ وكانت الشجرة بجنب صومعته، قال جريجٌ أخرجوا إلى تلك الشجرة، ثم قال يا شجرة أسألك بالذي خلقك أن تخبريني من زنا بهذه المرأة، فقال كلُّ غصن منها راعي الغنم، ثم طعن بإصبعه في بطنها، وقال يا غلام! من أبوك فنادى من بطنها أبي راعي الغنم، فعند ذلك اعتذر الملك إلى جريج، وقال ائذن لي أن أَبْني صومعتك بالذهب، قال لا، قال فبالفضة، قال لا ولكن بالطين كما كان، فبنوه بالطِّين كما كان، هكذا ساق هذه القصَّة الإمام أبو الليث السَّمرقندي في كتاب «تنبيه الغافلين» .
وذكر أبو الليث عن يزيد بن حوشب الفهري، عن أبيه قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( لو كان جريج فقيهًا لعلم أنَّ إجابة أمِّه أفضل من عبادة ربِّه ) )، وفي الحديث إثباتٌ لكرامة الأولياء.
وقال ابن بطَّال يمكن أن يكون جريج نبيًّا؛ لأنَّ النبوة كانت ممكنة في بني إسرائيل
ج 11 ص 432
غير ممتنعةٍ عليهم، ولا نبيَّ بعد نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، فما يجري بعده ممَّا يكون خارقًا للعادة إنما يكون كرامةً لأوليائه مثل دعوة مجابةٍ، ورؤيا صالحة، وبركة ظاهرة.
وفيه بيان فضل الله تعالى في إبراء الصَّالحين ممَّا اتهموا به، وفيه امتحان المتَّقين وابتلاؤهم، وفيه أنَّ دعاء الوالدين على ولده إذا كان بنيَّةٍ خالصة قد يُجاب، وإن كان في حال الضجر، وفيه أيضًا خلاص الولد من بليَّةٍ ابتُلِي بها بدعاء والديه، وفيه أيضًا أنَّ الوضوء كان لغير هذه الأمَّة أيضًا إلَّا أن هذه الأمَّة قد خصَّت بالغرُّة والتَّحجيل خلافًا لمن خصَّها بأصل الوضوء.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( نبني صومعتك من ذهبٍ قال لا، إلَّا من طين ) )؛ لأنَّه كان من طينٍ ولم يرضَ إلَّا أن يكون مثله.
والحديث أخرجه المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» أيضًا لكن مطوَّلًا [خ¦3436] ، وأخرجه مسلم في «الأدب» .
خاتمة اشتمل كتاب المظالم من الأحاديث المرفوعة على ثمانية وأربعين حديثًا المعلَّق منها ستَّة، المكرَّر منها فيه وفيما مضى ثمانية وعشرون حديثًا، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه (( إذا خلص المؤمنون ) ) [خ¦2440] ، وحديث أنسٍ رضي الله عنه (( انصر أخاك ) ) [خ¦2443] ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من كانت له مظلمةٌ ) ) [خ¦2449] ، وحديث ابن عمر رضي الله عنهما (( من أخذ شيئًا من الأرض ) ) [خ¦2454] ، وحديث عبد الله بن يزيد في النَّهي عن النهبة والمثلة [خ¦2474] ، وحديث أنسٍ في القصعة المكسورة [خ¦2481] ، وفيه من الآثار سبعة، والله أعلم.