(((114 ) )) (سُوْرَةُ {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} ) ولم يذكر في بعض النُّسخ لفظ ، وفي بعضها وهي مدنيَّةٌ، وهي تسعة وتسعون حرفًا، وعشرون كلمة، وستُّ آياتٍ، وخصَّ النَّاس بالذِّكر مع أنَّه رب العالمين لشرفهم، أو لأنَّ المأمور هو النَّاس (وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما، وفي رواية أبي ذرٍّ والأوَّل أولى؛ لأنَّ إسناد الحديث إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما ضعيفٌ. أخرجه الطَّبري
ج 21 ص 473
والحاكم، وفي إسنادهِ حكيم بن جُبير، وهو ضعيفٌ، ولفظه (( ما من مولودٍ إلَّا على قلبه الوسواس، فإذا عمل فذكر الله خنس، وإذا غفل وسوسَ ) ).
( {الْوَسْوَاسِ} ) هو اسمٌ بمعنى الوسوسة كالزَّلزال بمعنى الزَّلزلة، وأمَّا المصدر فهو وِسواس _ بالكسر _ كالزِّلزال، والمراد به الشَّيطان سُمِّي بالمصدر كأنَّه وسوسةٌ في نفسه؛ لأنَّها صنعته وشغله الَّذي هو عاكفٌ عليه، أو أريد به ذو الوسواس. والوسوسة الصَّوت الخفيُّ، ومنه وسواس الحلي، قال الشاعر
~إِنْ قِيْلَ شِعْرُكَ وِسْوَاسٌ هَذَيْتَ بِهِ فَقَدْ يُقَالُ لِصَوْتِ الحُلِيِّ وَسْوَاسُ
(إِذَا وُلِدَ) بضم الواو وكسر اللام على البناء للمفعول (خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ) قال الصَّاغاني الأولى نخسه الشِّيطان مكان خنسه الشِّيطان، فإن سلمت اللَّفظة من الانقلابِ والتَّصحيف، فالمعنى والله أعلم أخَّره وأزالَه عن مكانه؛ لشدَّة نخسهِ وطعنهِ بأصبعه في خاصرتهِ، وسيجيءُ الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
(فَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ) على البناء للمفعول (ذَهَبَ وَإِذَا لَمْ يُذْكَرِ اللَّهُ ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ) وفي «الذكر» لجعفر بن أحمد بن فارس من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي إسناده محمد بن حميد الرَّازي وفيه مقال. ولفظه (( يحطُّ الشَّيطان فاهُ على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفلَ وسوس، وإذا ذكرَ الله خنس ) ).
وأخرجه سعيد بن منصور من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ولفظه (( يولدُ الإنسان والشَّيطان جاثمٌ على قلبه، فإذا عَقَل وذكر اسمَ الله خنَس، وإذا غَفَل وَسوس ) ).
وجاثم [1] بجيم ومثلثة، وعقل الأولى بمهملة وقاف، والثانية بمعجمة وفاء. ولأبي يعلى من حديث أنسٍ رضي الله عنه نحوه مرفوعًا، وإسناده ضعيفٌ.
ولسعيد بن منصور من طريق عروة بن رُويم قال (( سأل عيسى عليه السلام ربَّه أن يُريه موضع الشَّيطان من ابنِ آدم فأراه، فإذا رأسه مثل رأس الحيَّة واضعٌ رأسَه على ثمرةِ القلب، فإذا ذكر العبد ربَّه خنسَ، وإذا تركَ مَنَّاه وحدَّثه ) ).
وقال ابن التِّين ينظرُ في قوله (( خنَسه الشَّيطان ) )فإنَّ المعروف في اللُّغة خَنَس إذا رجع وانقبضَ.
وقال القاضي عياض كذا في جميع الرِّوايات وهو تصحيفٌ وتغييرٌ، ولعلَّه كان فيه (( نخسه ) )بنون ثم خاء معجمة ثم سين مهملة مفتوحات؛ لما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه يعني الماضي في «ترجمة عيسى عليه السلام» .
قال لكن اللَّفظ المرويَّ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما ليس فيه نخس، فلعلَّ البخاريَّ أشار إلى الحديثين معًا، كذا قال، وادَّعى فيه التَّصحيف، ثمَّ فرَّع على ما ظنَّه
ج 21 ص 474
من أنَّه نخس.
والتَّفريع ليس بصحيحٍ؛ لأنَّه لو أشار إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه لم يخصَّ الحديث بابن عبَّاس رضي الله عنهما، ولعلَّ الرِّواية التي وقعت له باللَّفظ المذكور، وتوجيهه ظاهر.
ومعنى يخنسه يقبضه أي يقبضُ عليه، وهو بمعنى قوله في الروايتين اللَّتين ذكرتا عن ابن فارسٍ وسعيد بن منصورٍ.
وقد أخرجه ابن مَرْدويه من وجهٍ آخر عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال الوسواس هو الشَّيطان يولد المولود، والوسواس على قلبه فهو يصرفُه حيث شاء، فإن ذكر الله خنَس، وإذا غفل جَثَم على قلبهِ فوسوس.
وقد تقدَّم ذكر ما قال الصَّغاني.
[1] في هامش الأصل جثم الإنسان والطَّائر والنَّعام واليربوع يجثم ويجثم جثمًا وجثومًا فهو جاثم وجثوم لزم مكانه فلم يبرح أو وقع على صدره أو تلبد بالأرض. (( قاموس ) ).