20 - ( {إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ} ) وفي بعض النُّسخ ، قيل وهو استثناءٌ من قوله {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء 97] فيكون الاستثناء متَّصلًا، فكأنَّه قيل فأولئك في جهنم إلَّا المستضعفين، والصَّحيح أنَّه منقطعٌ؛ لأنَّ ضمير (( مأواهم ) )عائدٌ إلى (( الَّذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم ) )، وهؤلاء المتوفون إمَّا كفارٌ أو عصاةٌ بالتَّخلُّف، وهم قادرون على الهجرة، فلم يندرج
ج 19 ص 328
فيه المستضعفون فكان منقطعًا.
( {مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} ) أي في الخروج من مكَّة لعجزهم وفقرهم ( {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} ) يعني إنَّهم لا يقدرون على التَّخلُّص من أيدي المشركين ولا معرفة لهم بالمسالك من مكَّة إلى المدينة، وهذا معنى قوله {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} يعني لو قدروا على الخروج لا يعرفون الطُّرق إلى المدينة.
وقال عكرمة في قوله تعالى {وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا} يعني نهوضًا إلى المدينة. وقال السُّدِّي يعني مالًا، وقال مجاهد يعني طريقًا، وفيه معذرة من الله تعالى لمن اتَّصف بالاستضعاف من هؤلاء المذكورين، واستُشكل إدخال الولدان في جملة المستثنين من أهل الوعيد؛ لأنَّه يوهم دخول الولدان فيه إذا استطاعوا واهتدوا.
وأُجيب بأنَّ العجر متمكِّنٌ في الولدان لا ينفكُّ عنهم، فكانوا خارجين من جملتهم في الوعيد ضرورةً، فإذا لم يدخلوا فيه لم يخرجوا بالاستثناء. فإن قيل فإذا لم يخرجوا بالاستثناء كيف قرنهم بالمستثنين؟
فالجواب أنَّه بيَّن بذلك أنَّ الرِّجال والنِّساء الَّذين لا يستطيعون صاروا في انتفاء الذَّنب عنهم كالولدان مبالغة؛ لأنَّ المعطوف عليه يكتسب من معنى المعطوف لمشاركتهما في الحكم، أو المراد بالولدان العبيد أو البالغون، وهو أولى من إرادة المراهقين لعدم توبيخ نحوهم.
وقد حمل الإمام البيضاوي ذلك على المبالغة في الأمر بالهجرة باعتبار أنَّهم على صدد وجوب الهجرة، فإنَّهم إذا بلغوا وقدروا على الهجرة فلا محيص لهم عنها، وإنَّ قوّامهم يجب عليهم أن يهاجروا بهم متى أمكنت، وعلى هذا المبالغة راجعةٌ إلى وجوب الهجرة، وأنَّها خارجةٌ عن حكم سائر التَّكاليف حيث أوجبت على من لم يجب عليه شيءٌ، والله تعالى أعلم.