فهرس الكتاب

الصفحة 2446 من 11127

1548 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) قال (حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ) أي يرفعون أصواتهم (بِهِمَا) أي بالحجِّ والعمرة (جَمِيعًا) وفي الحديث دلالةٌ على أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان قارنًا وإنَّه أفضل من التَّمتع والإفراد.

وقال المهلَّب إنَّما سمع أنس رضي الله عنه من قرن خاصَّة، وليس في حديثه أنَّه سمع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصرخ بهما، وإنَّما أخبر بذلك عن قومٍ، وقد يمكن أن يسمع قومًا يصرخون بحجٍّ، وقومًا بعمرةٍ.

وقال العينيُّ هذا تحكُّم وخروجٌ عمَّا يقتضيه الكلام فإنَّ الضَّمير في يصرخون يرجع إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن معه من أصحابه، والباء في بهما متعلِّق بيصرخون، ولو لم يكن الصراخ بهما عن الكلِّ لكان أنس رضي الله عنه يفرق بين من يصرخ بحجٍّ، ومن يصرخ بعمرةٍ ومن يصرخ بهما؛ لأنَّه في صدد الإخبار بصورته التي وقعت.

وقال الكِرمانيُّ أيضًا يحتمل أن يكون على سبيل التَّوزيع، بأن يكون بعضهم صارخًا بالحجِّ وبعضهم بالعمرة، وهذا تعسُّف منهما والحديث حجَّة عليهما، وعلى كلِّ من كان في مذهبهما، ولا يوجد في الردِّ عليهما أقوى من قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( لبَّيك بحجَّة وعمرةٍ معًا ) )كما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى [خ¦1551] .

وفي الحديث أيضًا حجَّة للجمهور في استحباب رفع الأصوات بالتَّلبية، وقد جاءت أحاديث في رفع الصَّوت بالتَّلبية منها حديث خلَّاد بن السَّائب، رواه الأربعة؛ فأبو داود من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، والنَّسائي وابن ماجه من طريق ابن عيينة كما رواه التِّرمذي وقال حدَّثنا أحمد بن منيع حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكرٍ، وهو محمَّد

ج 7 ص 457

بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشام، عن خلَّاد بن السَّائب، عن أبيه قال قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (( أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصحابهم بالإهلال والتَّلبية ) ).

ومنها حديث زيد بن خالدٍ، أخرجه ابن ماجه ولفظه (( جاءني جبريل فقال يا محمَّد، مُر أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتَّلبية، فإنَّها من شعائر الحجِّ ) ).

ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه أحمد في «مسنده» ولفظه أنَّ النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( أمرني جبريل برفع الصَّوت بالإهلال وقال إنَّه من شعائر الحجِّ ) )ورواه البيهقيُّ أيضًا.

ومنها حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما، أخرجه أحمد عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( إنَّ جبريل أتاني فأمرني أن أعلن بالتَّلبية ) ).

ومنها حديث جابر رضي الله عنه، أخرجه سعيد بن منصور في «سننه» من رواية أبي الزُّبير عنه، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( ثلاثة أصواتٍ يباهي الله عزَّ وجلَّ بهنَّ الملائكة الأذان، والتَّكبير في سبيل الله عزَّ وجلَّ، ورفع التَّلبية ) ).

وقال المحبُّ الطَّبري هو غريبٌ من حديث أبي الزُّبير، عن جابر رضي الله عنه.

ومنها حديث عائشة رضي الله عنها، أخرجه البيهقيُّ عنها قالت «خرجنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فما بلغنا الروحاء حتَّى سمعنا عامَّة النَّاس وقد بحت أصواتهم» .

ومنها حديث أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه، أخرجه التِّرمذي عنه أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل أيُّ الحجِّ أفضل؟ قال (( العجُّ والثجُّ ) ). العجُّ، بالعين المهملة رفع الصَّوت بالتَّلبية، والثَّجُّ، بفتح المثلثة سيلان دم الأضاحي.

ومنها حديث سهل بن سعدٍ رضي الله عنه، أخرجه الحاكم عنه، عن النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال (( ما من ملبٍّ يلبِّي إلَّا لبَّى ما عن يمينه وشماله، من شجرٍ وحجرٍ حتَّى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا؛ يعني عن يمينه وشماله ) )وقال صحيحٌ على شرطهما ولم يخرجاه.

وروى ابن أبي شيبة من حديث المطَّلب بن عبد الله قال «كان أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يرفعون أصواتهم بالتَّلبية» . وعن ابن الزُّبير مثله.

وروى ابن أبي شيبة أيضًا بإسنادٍ صحيحٍ عن بكر بن عبد الله المزنيُّ قال «كنتُ مع ابن عمر رضي الله عنهما فلبَّى حتَّى أسمع ما بين الجبلين» .

وقال ابن بطَّال رفع الصُّوت بالتَّلبية مستحبٌّ،

ج 7 ص 458

وبه قال أبو حنيفة والثَّوري والشَّافعي، واختلفت الرِّواية عن مالكٍ ففي رواية ابن القاسم لا ترفع الأصوات بالتَّلبية إلَّا في المسجد الحرام ومسجد منى.

وقال الشَّافعي في قوله القديم لا يُرفع الصَّوت بالتَّلبية في مسجد الجماعات إلَّا المسجد الحرام، ومسجد منى، ومسجد عرفة، وقوله الجديد استحبابه مطلقًا.

وفي «التَّوضيح» وعندنا أنَّ التَّلبية المقترنة بالإحرام لا يُجْهَرُ بها، صرَّح به الجوينيُّ من أصحابنا، وأجمعوا أنَّ المرأة لا ترفع صوتها بالتَّلبية، وإنَّما عليها أن تُسْمِع نفسها، كأنَّهم احتجُّوا بما رواه ابن أبي شيبة، عن معن، عن إبراهيم بن أبي حبيبة، عن داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال «لا ترفع المرأة صوتها بالتَّلبية» .

وعن ابن الجويرية عن حمَّاد بن إبراهيم مثله وعن عطاء كذلك، وفي حديث عديِّ بن أبي عيسى، عن نافعٍ، عن ابن عمر رضي الله عنهما «ليس على النِّساء أن يرفعن أصواتهنَّ بالتَّلبية» .

لكن يعارضه بما رواه بسندٍ كالشَّمس عن ابن مهديٍّ، عن سفيان، عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن أبيه قال «خرج معاوية رضي الله عنه ليلة النَّفر فسمع صوت تلبيةٍ فقال من هذا؟ قالوا عائشة رضي الله عنها اعتمرت من التَّنعيم. فذُكِرَ لذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت لو سألني لأخبرته» .

وعند وكيعٍ حدَّثنا إبراهيم بن نافعٍ قال قدمت امرأةٌ أعجميةٌ فخرجت مع النَّاس ولم تهلَّ إلَّا أنَّها كانت تذكر الله تعالى فقال عطاء لا يجزئها.

وفي «الأشراف» لابن المنذر وقد روينا عن ميمونة رضي الله عنها أنَّها كانت تجهر بالتَّلبية، واستدلَّ بعضهم على جواز رفع المرأة صوتها بالإهلال بحديثٍ رواه ابن حزم من طريق أبي سعيد بن الأعرابيِّ، عن زينب الأحمسيَّة أنَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لها في امرأةٍ حجَّت معها مصمتة (( قولي لها تتكلَّم فإنَّه لا حجَّ لمن لا يتكلَّم ) )وليس فيه دليلٌ لأمرين

الأوَّل أنَّه لا تعرض فيه للتَّلبية.

الثَّاني أنَّه قال ابن القطَّان ليس هو خبرًا إنَّما هو أثرٌ عن أبي بكرٍ الصِّديق رضي الله عنه، ومع ذلك فيه مجهولان،

ج 7 ص 459

وليس في الحديث دليلٌ لأهل الظَّاهر في إجازتهم تقصير الصَّلاة في مقدار ما بين المدينة وذي الحليفة وفي أقلِّ من ذلك؛ لأنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّما قصَّرها لأنَّه كان خارجًا إلى مكَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت