2797 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بنُ نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، لاَ تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ) أي قطعة من الجيش تبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدوِّ وجمعه السَّرايا، سمُّوا بذلك لأنَّهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشَّيء السري؛ أي النَّفيس (تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وفي رواية أبي زُرعة وأبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( لولا أن أشقَّ على أمَّتي ) )،
ج 13 ص 198
ورواية الباب تفسِّر المراد بالمشقَّة، وهي أنَّ نفوسهم لا تطيب بالتَّخلف ولا يقدرون على التَّأهب؛ لعجزهم عن آلة السَّفر من ركوب وغيره، وتعذر وجوده عند النَّبي صلى الله عليه وسلم، وصرَّح بذلك في رواية همام ولفظه (( ولكن لا أجد سعةً فأحملهم، ولا يجدون سعةً فيتَّبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي ) )، وفي رواية أبي زرعة عند مسلمٍ نحوه.
ورواه الطَّبراني من حديث أبي مالك الأشعريِّ، وفيه (( ولو خرجت ما بقي أحدٌ فيه خيرٌ إلَّا انطلق معي، وذلك يشقُّ عليَّ وعليهم ) ). ووقع في رواية أبي صالح من الزِّيادة (( ويشقُّ عليَّ أن يتخلَّفوا عنِّي ) ).
(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ) وفي رواية أبي زُرعة بلفظ (( ولوددت أنِّي أُقْتل ) )بحذف القسم، وهو مقدر لما بيَّنته هذه الرِّواية، فاللام لام القسم، وليست جواب لولا.
وَفَهِمَ بعض الشُّراح أنَّ قوله (( وَلَوَدِدْتُ ) )عطف على قوله (( ما قعدت ) ) [1] فقال يجوز حذف اللام وإثباتها من جواب لولا، وجعل الودادة ممتنعةً خشية وجود المشقَّة لو وَجِدَتْ، وتقدير الكلام عنده لولا أن أشقَّ على أمَّتي لوددت أنِّي أقتل في سبيل الله، ثمَّ شرع يتكلَّف في استشكالِ ذلك والجواب عنه.
وقد بيَّنت رواية الباب أنَّها جملة مستأنفة وأنَّ اللام لام القسم، ثمَّ النُّكتة في إيراد هذه الجملة عقب تلك، إرادةُ تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته لهم، فكأنَّه قال الوجه الذي تسيرون له فيه من الفضل ما أتمنَّى لأجله أنِّي أقتل مراتٍ، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله بل فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع، وقد خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم في بعض المغازي وتخلَّف عنه المشار إليهم، وكان ذلك حيث رجَحت مصلحة خروجه على مراعاة حالهم. وسيأتي بيان ذلك في باب من حبسه العذر [خ¦2839] إن شاء الله تعالى.
ثمَّ إنَّه قد استشكلَ بعضُ الشُّراح صدورَ هذا التَّمني من النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 13 ص 199
مع عِلْمِه بأنَّه لا يقتل.
وأجاب ابن التِّين بأنَّ ذلك لعلَّه كان قبل نزول قوله تعالى {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة 67] ، واعترض عليه بأنَّ نزول هذه الآية كان في أوائل ما قدم المدينة.
وهذا الحديث قد صرَّح أبو هريرة رضي الله عنه بسماعه من النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإنَّما قدم أبو هريرة رضي الله عنه في أوائل سنة سبع من الهجرة.
وقال الحافظ العسقلاني والذي يظهر في الجواب أنَّ تمنِّي الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم (( وددت لو أنَّ موسى صبر ) )كما سيأتي بيانه في مكانه [خ¦4727] ، وسيأتي في كتاب (( التَّمني ) ) [خ¦7226 وما بعدها] نظائر لذلك، وكأنَّه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه، قيل وهذا أشبه، وسيجيءُ عن أنسٍ رضي الله عنه في الشَّهيد أنَّه يتمنَّى أن يرجع إلى الدُّنيا فيقتل عشر مراتٍ لما يرى من الكرامة [خ¦2817] .
وروى الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن جابرٍ رضي الله عنه كان النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أصحاب أحدٍ قال (( والله لوددت أنِّي غودرت مع أصحابي بفحص الجبل ) )وفحص الجبل ما بسط منه وكشف من نواحيه. وحكى الشَّيخ ابن المُلَقِّن أنَّ بعض النَّاس زعم أنَّ قوله (( ولوددت ) )مدرجٌ من كلام أبي هريرة رضي الله عنه قال وهو بعيدٌ.
قال النَّووي وفي هذا الحديث الحضُّ على حسن النِّية وبيان شدَّة شفقة النَّبي صلى الله عليه وسلم على أمَّته ورأفته بهم، واستحبابِ طلب القتل في سبيل الله، وجواز قول وددت حصول كذا من الخير، وإن علم أنَّه لا يحصل.
وفيه ترك بعض المصالح لمصلحةٍ راجحةٍ أو أرجح أو لدفع مفسدةٍ، وفيه جواز تمنِّي ما يمتنعُ في العادة، والسَّعي في إزالةِ المكروه عن المسلمين. وفيه أيضًا أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يتمنَّى من أفعال الخير ما يعلم أنَّه لا يعطاه حرصًا منه على الوصول إلى أعلى درجات الشَّاكرين وبذلًا لنفسه في مرضاة ربِّه، وإعلاء كلمة دينه، ورغبته في الازدياد من ثواب ربِّه ولتتأسى به أمَّته في ذلك، وقد يثاب المرء على نيَّته. وسيأتي في كتاب التَّمني ما يتمنَّاه الصَّالحون ممَّا لا سبيل إلى كونه [خ¦7226 وما بعدها] .
وفيه إباحة القسم بالله على كلِّ ما يعتقده المرء ممَّا يحتاج فيه إلى يمينٍ وما لا يحتاج؛ لأنَّ في اليمين بالله تعظيمًا له تعالى، وإنَّما يكره تعمُّد الحنث. وفيه أنَّ الجهاد ليس
ج 13 ص 200
بفرض عينٍ على كلِّ أحدٍ، إذ لو كان كذلك ما تخلَّف الشَّارع عنه ولا أباح لغيره التَّخلف عنه ولو شقَّ على أمَّته إذ كانوا يطيقونه، هذا إذا كان العدو لم يفجأ المسلمين في دارهم ولا ظهر عليهم، وإلَّا فهو فرض عينٍ على كلِّ من له قوَّة، ونظر فيه الحافظ العسقلاني بأنَّ الخطاب يتوجَّه للقادر، وأمَّا العاجز فمعذورٌ، وقد قال سبحانه {غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ} [النساء 95] ، وكون الجهاد فرض كفايةٍ يؤخذ من غير هذا. وسيأتي البحث في ذلك في باب وجوب النَّفير إن شاء الله تعالى [خ¦2825] .
وفي الحديث أيضًا أنَّ الإمام والعالم يجوز لهما ترك فعل الطَّاعة إذا لم يُطق أصحابه ونصحاؤه على الإتيان بمثل ما يقدر عليه هو إلى وقت قدرة الجميع عليها، وذلك من كرم الصُّحبة وآداب الأخلاق، وفيه فضل الشَّهادة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب الإيمان، في باب الجهاد من الإيمان [خ¦36] .
[1] في هامش الأصل قوله ما قعدت كذا وقع بدل ما تخلفت في رواية أبي زرعة. منه.