111 - (بابُ) حكم (جَهْرِ الإِمَامِ بِالتَّأْمِينِ) أي عقب قراءة الفاتحة في الصَّلاة، والتَّأمين على وزن التَّفعيل، من أمَّن يؤمِّن؛ أي قال آمين، وهو بالمد والتخفيف في جميع الرِّوايات، وعند جميع القرَّاء، وحكى الواحديُّ عن حمزة والكسائيِّ الإمالة، وفيه ثلاث لغاتٍ أُخرى شاذَّة
الأولى القصر، حكاهُ ثعلب وأنشدَ له شاهدًا، وأنكرهُ ابن درستويه وطعن في الشَّاهد بأنَّه لضرورة الشِّعر، وحكى القاضي عياض ومن تبعه عن ثعلب أنَّه [1] إنَّما أجازه في الشِّعر خاصَّةً، والثانية التشديد مع المد، والثالثة التَّشديد مع القصر.
وخطأهما جماعةٌ من أهل اللُّغة ولكنَّه لم يذكر هنا فساد الصَّلاة به، وفيه خلاف وذلك لأنَّ الفساد قول أبي حنيفة، وعندهما لا يفسد؛ لأنَّه يوجد في القرآن مثله
ج 4 ص 440
وهو قوله تعالى {وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة 2] والفتوى على قولهما.
وأمَّا وزن (( آمين ) )فليس من أوزان كلام العرب وهو مثل قابيل وهابيل، وقيل هو من أسماء الأفعال مثل (( صه ) )للسُّكوت، ويفتح في الوصل لثقلِ الكسرة بعد الياء مثل كيف وأين.
وأمَّا معناه فقال الجمهور اللَّهمَّ استجب، وقيل ليكن كذلك، وقيل لا تخيِّب رجاءنا، وقيل لا يقدر على هذا غيرك، وقيل اللَّهمَّ أمنا بخير.
وقيل درجةٌ في الجنَّة تجب لقائلها، وقيل استُجِيبَ له، كما استُجِيبَ للملائكة، وقيل هو اسمٌ من أسماء الله تعالى رواه عبد الرَّزَّاق عن أبي هريرة بإسنادٍ ضعيفٍ.
وعن هلال بن يسافٍ التَّابعي مثله، وأنكرهُ جماعة منهم النوويُّ وعبارته في «تهذيبه» هذا لا يصحُّ؛ لأنَّه ليس في أسماء الله تعالى اسمٌ مبنيٌّ وأسماء الله تعالى لا تثبت إلَّا بالقرآن والسنَّة، وقد عُدِمَ الطَّريقان فيه.
وقيل طابع الله على عباده يدفعُ به عنهم الآفات، وعند أبي داود من حديث أبي زُهَير النَّمَري الصَّحابي أنَّ آمين مثل الطَّابع على الصَّحيفة، ثمَّ ذكر أنَّه وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجلٍ ألحَّ في الدُّعاء، فقال صلى الله عليه وسلم (( أوجب إنْ ختمَ ) )، فقال رجلٌ بأيِّ شيء يختم؟ قال (( بآمين، فإنَّه إن ختم بآمين فقد أوجب ) )وقيل هو كنزٌ من كنوز العرش لا يعلم تأويلَّه إلَّا الله، وقال مَن شدَّد ومدَّ معناه قاصدين إليك، ونقل ذلك عن جعفرٍ الصَّادق، وقال من قصر وشدَّد هي كلمةٌ عبرانيَّة أو سريانيَّة.
وقيل أصله همين، وفي «المجتبي» لا خلاف أنَّ آمين ليس من القرآن حتَّى قالوا بارتداد من قال إنَّه منه، وأنَّه مسنونٌ في حقِّ المنفرد والإمام والمأموم والقارئ خارج الصَّلاة.
واختلف القرَّاء في التَّأمين بعد الفاتحة إذا أراد ضمَّ سورة إليها، والأصحُّ أنَّه يأتي بها.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح (آمِينَ دُعَاءٌ) مبتدأ وخبر، والدُّعاء يشترك فيه الإمام والمأموم (أَمَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ) هو عبد الله بن الزبير بن العوام (وَ) أمَّن أيضًا (مَنْ وَرَاءَهُ) من المأمومين (حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ) أي لأهل المسجد (لَلَجَّةً) بلامين الأولى لام التَّأكيد، والثانية من نفس الكلمة، واللجَّة _بتشديد الجيم_ هي الصوت المرتفع، وكذلك اللَّجلجة، ويروى _ بفتح الجيم واللام والموحدة _ وهي الأصوات المختلطة المختلفة.
وفي رواية البيهقي (( لرجَّة ) )بالراء موضع اللام، وقوله (( أمَّن الزبير. .. إلى آخره ) )من قول عطاء أيضًا يؤكِّد كون آمين دعاءٌ يشترك فيه الإمام والمأموم.
وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جُريج عن عطاء قال قلتُ له أكان ابنُ الزُّبير يؤمِّن على إثْرِ أمِّ القرآن. قال نعم، ويؤمِّن مَن وراءه حتَّى إنَّ للمسجد للجَّة، ثمَّ قال إنَّما آمين دعاء.
ج 4 ص 441
ورواه الشافعيُّ عن مسلم بن خالدٍ عن ابن جريج عن عطاء قال كنت أسمعُ الأئمة ابن الزُّبير ومن بعده يقولون آمين، ويقول من خلفه آمين، حتَّى إنَّ للمسجد للجَّة.
وفي «المصنَّف» حدَّثنا ابن عُيينة قال لعلَّه عن ابن جُريج عن عطاء، عن ابن الزُّبير قال كان للمسجد رجَّة، أو قال لجَّة، إذا قال الإمام {وَلَا الضَّالِّينَ} . وروى البيهقي عن خالد بن أيُّوب، عن عطاء قال أدركتُ مائتين من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا المسجد، إذا قال الإمام {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة 7] ، سمعت لهم رجَّةً بـ آمين.
(وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يُنَادِي الإِمَامَ لاَ تَفُتْنِي) بفتح المثناة الفوقية التي هي تاء الخطاب وضم الفاء وسكون التاء، من الفوات؛ أي لا تدعني أن يفوت منِّي القول (بِآمِينَ) ويروى ، ومراد أبي هريرة رضي الله عنه أن يؤمِّن مع الإمام داخل الصَّلاة.
وقد تمسَّك به بعض المالكيَّة في أنَّ الإمام لا يؤمِّن، وقال معناه لا تنازعني التَّأمين الذي هو من وظيفة الإمام، وهذا تأويلٌ بعيد جدًا.
وهذا من قول عطاء أيضًا على ما وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج عن عطاء قال قلت له أكان ابنُ الزُّبير يؤمِّن. .. إلى آخره، وفي آخره قال وكان أبو هريرة رضي الله عنه يدخلُ المسجد، وقد قام الإمام فيناديه فيقول لا تسبقنِي بآمين.
وقد وصله ابنُ أبي شيبة أيضًا فقال نا وكيع نا كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان يؤذِّن بالبحرين، فقال للإمام لا تسبقني بآمين.
وقال أبو أسامة عن هشام عن محمَّد عنه مثله، هذا وكان الإمام بالبحرين العلاء بن الحضرمي، وروى صاحب «المحلَّى» عن عبد الرَّزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه كان مؤذِّنًا للعلاء بن الحضرمي بالبحرين، فاشترط عليه أن لا يسبقه بآمين.
وروى البيهقيُّ من طريق حمَّاد بن ثابت، عن أبي رافع قال كان أبو هريرة رضي الله عنه يؤذِّن لمروان بن الحكم فاشترط أن لا يسبقه بالضَّالِّين حتَّى يعلمَ أنَّه قد دخل في الصفِّ فكان إذا قال مروان ولا الضَّالين قال أبو هريرة رضي الله عنه آمين يمدُّ بها صوته، وقال إذا وافقَ تأمين أهل الأرض تأمين أهل السَّماء غُفِرَ لهم.
وكأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه كان يشتغلُ بالإقامة وتعديل الصُّفوف، وكان مروان يبادر إلى الدُّخول في الصَّلاة قبل فراغ أبي هريرة، فكان أبو هريرة رضي الله عنه ينهاهُ عن ذلك.
ج 4 ص 442
وقد روي عن بلالٍ رضي الله عنه نحو قول أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه أبو داود، قال حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه نا وكيع، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن بلال رضي الله عنه أنَّه قال يا رسول الله لا تسبقني بآمين. ورجاله ثقات.
لكن قيل إنَّ أبا عثمان لم يَلْق بلالًا، وقد روي عنه بلفظ إنَّ بلالًا قال وهو ظاهرُ الإرسال، ورجَّحه الدَّارقطنيُّ وغيره على الموصول.
وقال أبو حاتمٍ الرَّازي رَفْعُه خطأٌ، ورواية الثِّقات عن عاصم، عن أبي عثمان مرسلًا، وقال البيهقيُّ وقيل عن أبي عثمان، عن سلمان قال قال بلالٌ. وهو ضعيفٌ ليس بشيءٍ.
ثمَّ إنَّ العلماء قد أوَّلوا قوله (( لا تسبقني ) )على وجهين
الأول أنَّ بلالًا رضي الله عنه كان يقرأُ الفاتحة في السَّكتة الأولى من سكتتي الإمام فربَّما يبقى عليه شيءٌ منها ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغَ منها فاستمهله بلالٌ في التَّأمين.
الثاني أنَّ بلالًا رضي الله عنه كان يُقيم في الموضع الذي يؤذِّن فيه من وراء الصُّفوف، فإذا قال قد قامت الصَّلاة، كبَّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم فربَّما سبقه ببعض ما يقرأه، فاستمهله بلالٌ قدر ما يلحقُ القراءة والتَّأمين.
وقد تمسَّك به بعض الحنفيَّة في أنَّ الإمامَ يدخل في الصَّلاة قبل فراغ المؤذِّن من الإقامة، وفيه نظرٌ؛ لأنَّها واقعةُ عين، وسببها محتملٌ فلا يصحُّ التَّمسُّك بها، فليتأمل.
وقال ابن المُنيِّر ومناسبة قول عطاء للتَّرجمة أنَّه حكم بأنَّ التَّأمين دعاءٌ فاقتضى ذلك أن يقوله الإمام؛ لأنَّه في مقام الدَّاعي بخلاف قول المانع أنَّها جوابٌ للدُّعاء فيختصُّ بالمأموم.
وجوابه أنَّ التَّأمين قام مقام التَّلخيص بعد البسط فالدَّاعي يفصل، والمُؤمِّنْ يُجمل فكأنَّه قال اللَّهمَّ استجبْ لنا ما دعوناك به من الهداية إلى الصِّراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم، ولا تجعلنا في المغضوبِ عليهم ولا الضَّالِّين، فإن قالها الإمام أيضًا فكأنَّه دعا مرَّتين مفصلًا، ثمَّ مجملًا، وأمَّا المأموم فإنَّه قد اقتدى بالإمام وأتى بها مجملًا، والله أعلم.
(وَقَالَ نَافِعٌ) هو مولى ابن عمر رضي الله عنهما (وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (لاَ يَدَعُهُ) أي لا يتركه (وَيَحُضُّهُمْ) بالضاد المعجمة؛ أي يحثُّهم على القول به وأن لا يَتركوا قال (وَسَمِعْتُ مِنْهُ) أي من ابن عمر رضي الله عنهما (فِي ذَلِكَ) أي التَّأمين (خَيْرًا) أي فضلًا وثوابًا، وفي رواية بالموحدة؛ أي حديثًا مرفوعًا، ويُشعر به ما أخرجه البيهقيُّ كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أمَّن النَّاسَ أمَّن معهم ويرى ذلك من السنَّة.
وهذا التَّعليق وصله عبد الرَّزَّاق عن ابن جريجٍ أخبرني نافعٌ أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا ختم القرآن قال آمين، لا يدع
ج 4 ص 443
أن يؤمِّن إذا ختمها، ويحضُّهم على قولها، قال وسمعتُ منه في ذلك خيرًا.
ومناسبة أثر ابن عمر رضي الله عنهما للتَّرجمة من حيث أنَّه كان لا يتركُ التَّأمين، وهذا يتناول أن يكون إمامًا أو مأمومًا، وكان في الصَّلاة أو خارج الصَّلاة.
[1] من قوله (( بأنه لضرورة ... إلى قوله عن ثعلب أنه ) )ليس في (خ) .