1753 - (وَقَالَ مُحَمَّدٌ) ذكره مجردًا عن نسبة
ج 8 ص 343
واختلف فيه، فقال أبو علي ابن السَّكن هو محمَّد بن بشَّار، وقال الكلاباذي هو محمَّد بن بشَّار أو محمَّد بن المثنى، قال وروى البخاريُّ أيضًا في «جامعه» عن محمَّد بن عبد الله الذُّهلي. وقال الحافظ العسقلانيُّ وجزم غيره بأنَّه الذُّهلي، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لم يَرَ أحدًا جزم به، وإنَّما وقع الاختلاف في هؤلاء المحمَّدين، كما سبق.
(حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ) بضم العين وفتح الميم، ابن فارس العبديُّ البصري، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) فهذا من مراسيل الزُّهري، ولا يصير مسندًا بما ذكره آخرًا من قول الزُّهري سمعتُ سالم بن عبد الله يحدِّث مثل هذا عن أبيه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى.
(كَانَ إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ) الأولى (الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) منها (ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ) حال كونه (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) حال كونه (رَافِعًا يَدَيْهِ) حال كونه (يَدْعُو وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (يُطِيلُ الْوُقُوفَ) للدُّعاء، زاد البيهقيُّ وابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ قدر سورة البقرة (ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ) وهي الوسطى (فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) حال كونه (يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ) منها (ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ الْيَسَارِ) أي في النَّاحية التي هي ذات اليسار (مِمَّا يَلِي الْوَادِيَ فَيَقِفُ) في السَّهل من الأرض الذي لا ارتفاع فيها حال كونه (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ) الأخيرة (الَّتِي عِنْدَ الْعَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ) منها (ثُمَّ يَنْصَرِفُ) بعد أن يفرغ من رميها (وَلاَ يَقِفُ عِنْدَهَا، قَالَ الزُّهْرِيُّ) بالإسناد السَّابق في أوَّل الحديث (سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما.
(عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ) وفي رواية أبي الوقت (ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَفْعَلُهُ) بإثبات ضمير المفعول المحذوف في سابقه،
ج 8 ص 344
وهذا من تقديم المتن على بعض السَّند فإنَّه ساق السَّند من أوَّله إلى أن قال عن الزُّهري (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ) )، ثمَّ بعد أن ذكر المتن كلَّه ساق تتمَّة السَّند فقال قال الزُّهري إلى آخره.
وقد صرَّح جماعةٌ بجواز ذلك منهم الإمام أحمد، ولا يمنع التَّقديم في ذلك الوصل بل يحكم باتِّصاله، وقال الحافظ العسقلانيُّ ولا اختلاف بين أهل الحديث أنَّ الإسناد بمثل هذا السِّياق موصول، وغايته أنَّه من تقديم المتن على بعض السَّند.
وإنَّما اختلفوا في جواز ذلك، قال وأغرب الكِرمانيُّ فقال هذا الحديث من مراسيل الزُّهري ولا يصير بما ذكره آخرًا مسندًا؛ لأنَّه قال يحدِّث بمِثْله لا بنفسه، كذا قال، وليس مراد المحدِّث بقوله في هذا (بمثله) إلَّا نفسه، وهو كما لو ساق المتن بإسنادٍ، ثمَّ عقبه بإسنادٍ آخر، ولم يُعِد المتن بل قال بمثله، ولا نزاعَ بين أهل الحديث في الحكم بوصل مثل هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال بمعناه، خلافًا لمن يمنع الرِّواية بالمعنى.
وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيليُّ عن ابن ناجية، عن محمَّد بن المثنى وغيره، عن عثمان بن عمر وقال في آخره قال الزُّهري سمعتُ سالمًا يحدِّث بهذا عن أبيه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فعرف أنَّ المراد بقوله بمثله نفسه.
قال الحافظ في حقِّ الكرمانيِّ وإذا تكلَّم المرء في غير فَنِّهِ أتى بهذه العجائب. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال ليت شعري من أين هذا التَّصرف، وكيف يصحُّ احتجاجه في دعواه بحديث الإسماعيليِّ، فإنَّ الزُّهري فيه يصرِّح بالسَّماع عن سالم، وسالم صرَّح بالتَّحديث عن أبيه وأبوه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فكيف يدلُّ هذا على أنَّ المراد بمثله نفسه.
وهذا شيءٌ عجيبٌ لأنَّ بين قوله (يحدِّث بهذا عن أبيه) وبين قوله (يحدِّث مثل هذا عن أبيه) فرقًا عظيمًا؛ لأنَّ مثل الشَّيء غيره فكيف يكون نفسه، تيقَّظ فإنَّه موضع التَّأمل. انتهى.
أقول ومقتضى التَّأمل على طريقة هذا الفنِّ هو ما قاله الحافظ العسقلانيُّ والله أعلم.
وفي الحديث مشروعيَّة التَّكبير عند رمي كلِّ حصاةٍ، كما تقدَّم تفصيله في بابه، واستقبال القبلة بعد الرَّمي والقيام طويلًا، والتَّباعد من موضع الرَّمي عند القيام للدُّعاء حتَّى لا يصيبه الحجر المتطاير من رمي غيره.
وفيه مشروعيَّة رفع اليدين في الدُّعاء، وترك
ج 8 ص 345
الدُّعاء والقيام عند جمرة العقبة، ولم يذكر البخاريُّ حال الرَّامي في المشي والرُّكوب، وقد روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيحٍ (( أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما كان يمشي إلى الجمار مقبلًا ومدبرًا ) )، وعن جابرٍ رضي الله عنه (( أنَّه كان لا يركب إلَّا عن ضرورةٍ ) ).