7006 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزيّ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزيّ، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأيليّ (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهابٍ، أنَّه قال (أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بالحاء المهملة والزّاي (أَنَّ) أباه (ابْنَ عُمَرَ) رضي الله عنهم (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ) بضمّ الهمزة (بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ) بفتح همزة (( لأَرى ) )واللّام للتأكيد، وكسر راء (( الرِّيّ ) )وتشديد التّحتيّة الاسم، وبالفتح المصدر. قال الجوهريُّ رويت من الماء بالكسر أروى ريًّا ورواء أيضًا (يَخْرُجُ مِنْ أَظْفَارِي) في موضع نصب مفعول ثانٍ لأرى إن قدرت الرُّؤيا بمعنى الحلم، أو حال إن قدرت بمعنى الإبصار.
فإن قلت الرِّي لا يرى، أجيب بأنَّه نزله منزلة المرئي فهو استعارةٌ، وفي رواية الأصيلي وابن عساكر وأبي الوقت وأبي ذرٍّ وهو جمع أظفار جمع ظفر، وقال الكرمانيُّ الخروج
ج 29 ص 257
يستعمل بمن، وقيل معناه خرج من البدن حاصلًا أو ظاهرًا في الأظافير فليس صلته، أو باعتبار أنَّ بين الحروف مقارضة، وهذا السُّؤال والجواب على كون اللَّفظ في أظافيري على ما في بعض النُّسخ على رواية الأكثرين، وأمَّا على نسخة على رواية الكُشميهني فلا يحتاج إلى هذا التَّكلّف.
(ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي) أي الَّذي فضل من لبن القدح الَّذي شربت منه (يَعْنِي عُمَرَ) أي ابن الخطَّاب رضي الله عنه، كأن بعض رواته شكٌّ، وفي رواية صالح بن كيسان (( فأعطيت فضلي عمر بن الخطَّاب ) )بالجزم من غير شكٍّ (قَالُوا يَا) أي من حوله من الصَّحابة رضي الله عنه (فَمَا أَوَّلْتَهُ) أي عبَّرته (رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ) أوّلته (الْعِلْمَ) لاشتراك اللبن والعلم في كثرة النِّفع بهما وكونهما سببي الصَّلاح، ذاك في الأشباح، والآخر في الأرواح، قيل والظَّاهر أنَّ السَّائل هو عمر رضي الله عنه، ووقع في رواية أبي بكر بن سالم أنَّه صلى الله عليه وسلم قال لهم (( أوِّلوها ) )قالوا يا نبيَّ الله هذا علمٌ أعطاكه الله، فملّاك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قال (( أصبتم ) ).
قال الحافظ العَسقلاني ويجمع بأنَّ هذا وقع أوّلًا ثمَّ احتمل عندهم أن يكون عنده في تأويلها زيادةً على ذلك فقالوا ما أوّلته. .. إلى آخره، قال أبو بكر ابن العربيّ اللَّبن رزقٌ يخلقه الله طيبًا بين أخباث من دمٍ وفرث كالعلم نورٌ يظهره الله في ظلمة الجهل، فضرب به المثل في المنام.
وقال بعض العارفين الَّذي خلّص اللَّبن من بين فرث ودمٍ قادرٌ على أن يخلقَ المعرفة من بين شكٍّ وجهلٍ، ويحفظَ العلم عن غفلةٍ وزلل، وهو كما قال، لكن اطّردت العادة بأنَّ العلم بالتَّعلم، والَّذي ذكره قد يقع خارقًا للعادة فيكون من باب الكرامة.
وقال ابن أبي جمرة تأوَّل النَّبيّ صلى الله عليه وسلم اللَّبن بالعلم اعتبارًا بما بيَّن له أوَّل الأمر حين أُتي بقدح خمرٍ وقدح لبنٍ، فأخذ اللَّبن فقال له جبرائيل عليه السَّلام (( أخذت الفطرة ) )الحديث.
قال وفي الحديث مشروعيَّة قصِّ الكبير رؤياه على من دونه، وإلقاء العالم المسائل، واختيار أصحابه
ج 29 ص 258
في تأويلها، وأنَّ من الأدب أن يردَّ الطَّالب علم ذلك إلى معلّمه، قال والَّذي يظهر أنَّه لم يردّ منهم أن يعبِّروها، وإنَّما أرادَ أن يسألوه عن تعبيرها ففهموا مراده فسألوه فأفادهُم، وكذلك ينبغي أن يسلك هذا الأدب في جميع الحالات قال وفيه أنَّ علم النَّبيّ صلى الله عليه وسلم بالله لا يبلغُ أحدٌ درجته فيه؛ لأنَّه شرب حتَّى رأى الرِّي يخرج من أطرافه.
وأمَّا إعطاؤه فضله عمر رضي الله عنه ففيه إشارةٌ إلى ما حصل لعمر رضي الله عنه من العلم بالله، بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائمٍ، قال وفيه أنَّ من الرُّؤيا ما يدلُّ على الماضي والحال والمستقبل قال وهذه دلَّت على الماضي، فإنَّ رؤياه هذه تمثيلٌ بأمرٍ قد وقع؛ لأنَّ الَّذي أعطيه من العلم كان قد حصل له، وكذلك ما أعطيه عمر رضي الله عنه، فكانت فائدة هذه الرُّؤيا تعريف قدر النِّسبة بين ما أعطيه من العلم وما أعطيه عمر.
فائدة خصَّ الدِّينوري اللّبن المذكور هنا بلبن الإبل، وأنَّه يشار به إلى مالٍ حلال وعلم، قال ولبن البقر خصب السَّنة ومال حلال وفطرة أيضًا، ولبن الشَّاء مالٌ وسرور وصحَّة جسمٍ، وألبان الوحش شكٌّ في الدِّين، وألبان السِّباع غير محمودةٍ، إلَّا أنَّ ألبان اللبؤة مال مع عداوة لذي أمر.
وقال أبو سهل المسبحي لبن الأسد يدلُّ على الظَّفر بالعدو، ولبن الكلبِ يدلُّ على الخوف، ولبن السَّنانير والثَّعالب يدلُّ على المرض، ولبن النَّمر يدلُّ على إظهار العداوة.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّه يوضّحها ويبيِّن تعبير اللّبن، وقد مضى الحديث في العلم [خ¦82] .