فهرس الكتاب

الصفحة 2523 من 11127

1601 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، عبد الله بن عمرو، المُقْعَدُ البصري، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) هو ابن سعيد، قال (حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) السَّختياني (عَنْ [1] عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَدِمَ) أي مكَّة (أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ) أي امتنع من دخول البيت (وَفِيهِ الآلِهَةُ) أي والحال أنَّ في البيت الأصنام التي لأهل الجاهليَّة، أطلقَ عليها الآلهةَ باعتبار ما كانوا يزعمون، وفي جواز إطلاق ذلك وقفة، والذي يظهر كراهته، وكانت تماثيلَ على صُوَرٍ شتَّى، فامتنع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من دخولِ البيت وهي فيه؛ لأنَّه لا يُقِرُّ على باطل، ولأنَّه لا يحبُّ فراق الملائكة، وهي لا تدخل بيتًا فيه صورة.

(فَأَمَرَ بِهَا) أي بإخراجها (فَأُخْرِجَتْ) وفي رواية تأتي في الأنبياء [خ¦3352] (( حتَّى أَمَرَ بها فمُحِيَتْ ) ) (فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الأَزْلاَمُ) وفي رواية للمؤلِّف في باب واتَّخذ الله إبراهيم خليلًا [خ¦3351] (( دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورةَ مريم فقال أمَّا لَهُمْ فقد سَمِعوا أنَّ الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة، هذا إبراهيم مصوّر، فما باله يستقسم ) ).

ثمَّ الأزلام جمع زَلَمٍ مثل قَلَمٍ وأقلام لفظًا ومعنى، ويقال جمع زُلمَ، كصُرَد، بضم الزاي.

وقال ابن التِّين الأزلام القِداح، وهي أعواد نحتوها وكتبوا في أحدهما افعل، وفي الآخر لا تفعل، ولا شيء في الآخر، فإذا أراد أحدهم سَفَرًا أو حاجةً ألقاها، فإن خرج

ج 8 ص 17

(افعل) فَعَل، وإن خرج (لا تفعل) لم يفعل، وإن خرج الآخر أعاد الضَّرب حتَّى يخرج افعل ولا تفعل.

وقيل كانت سبعة على صفة واحدة مكتوب عليها لا، نعم، منهم، من غيرهم، مُلْصَق، العقل، فضل العقل، وكان بيد السَّادن فإذا أرادوا خروجًا أو تزويجًا أو حاجة ضَرَبَ السَّادن، فإن خرج (نعم) ، ذَهَبَ، وإن خرج (لا) ، كَفَّ، وإن شكُّوا في نَسَب واحدٍ أتوا به إلى الصنم، فضرب بتلك الثلاثة التي هي منهم، من غيرهم مُلْصَقٌ، فإن خرج منهم، كان من أوسطهم نسبًا، وإن خرج من غيرهم، كان حليفًا، وإن خرج ملصقُ لم يكن له نسب ولا حِلْف، وإذا جنى أحدٌ جناية، واختلفوا على مَن العَقْل، ضربوا على من ضَرَبه عليه عَقْل وبرئ الآخرون، وكانوا إذا عقلوا العقل وفضل الشَّيء منه، واختلفوا فيه أتوا السَّادن فَضَرَب فعلى من وَجَبَ أَدَّى.

وقال ابن قتيبة كانت الجاهليَّة يتَّخذون الأقلام ويكتبون على بعضها أمرني ربِّي، وعلى بعضها نهاني ربِّي، وعلى بعضها نعم وعلى بعضها لا، فإذا أراد أحدُهم سفرًا أو غيره رفعوها إلى بعض حتَّى يقبضها فإن خرج القدح الذي عليه أمرني ربِّي، فعل، وإن خرج القدح الذي عليه نهاني ربِّي، كَفَّ، وقيل كان إذا أراد أحدُهم أمرًا أدخل يده في الوعاء الذي فيه الأقلام فأخرج منها زَلَمًَا وعمل بما عليه.

وقيل الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها، وقيل هي الأقداح العشرة التي سيجيء بيانها قريبًا إن شاء الله تعالى.

(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي لعنهم، قال التيميُّ يعني قاتل المشركين الذين صوروا صورة إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام، ونسبوا إليهما الضَّرب بالقداح وكانا بريئين من ذلك، وإنَّما هو شيء أحدثه الكفَّار الذين غيَّروا دين إبراهيم عليه السَّلام وأَحْدَثوا أحداثًا.

(أَمَا وَاللَّهِ) وفي رواية الأكثرين وحذف الألف منه للتخفيف، وكلمة أمَّا لافتتاح الكلام (قَدْ عَلِمُوا) ويروى بزيادة اللام لزيادة التأكيد.

قيل وجه ذلك أنَّهم كانوا يعلمون اسم أوَّل من أحْدَثَ الاستقسام بالأزلام، وهو عمرُو بن لُحَي، فكانت نسبتهم الاستقسام بالأزلام إلى إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام افتراء عليهما (أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا) أي بالأزلام، ويروى مثنى، وهو باعتبار أنَّ الأزلام على نوعين خير وشر.

(قَطُّ) أي في زمن من الأزمان، والاستقسام طلب معرفة ما قسم لهم في الأفعال والحاجات التي يلتمسوها من نجاح أو حرمان، وأبطل الربُّ تعالى ذلك، وأخبر

ج 8 ص 18

بأنَّه فِسْق؛ لأنَّه دخول في عِلْم الغيب وضلال باعتقاد أنَّ ذلك طريق إليه، وافتراء على الله إن أُرِيْدَ _بربي_ الله تعالى، ولأنَّهم كانوا يستقسمون عند آلهتهم التي يعتقدون ويقولون يا إلهنا أخرج الحقَّ في ذلك، ثمَّ يعملون بما خرج فكان ذلك كفرًا بالله لإضافتهم ما يكون من ذلك من صواب أو خطأ إلى أنَّه من قسم آلهتهم التي لا تضرُّ ولا تنفع.

وأخبر الشَّارع صلى الله عليه وسلم عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السَّلام أنَّهما لم يكونا يفوِّضان أمورهما إلَّا إلى الله الذي لا يخفى عليه عِلْمُ ما كان وما هو كائن؛ لأنَّ الآلهة لا تضرُّ ولا تنفع.

ولذلك قال صلى الله عليه وسلم (( لقد علموا أنَّهما لم يستقسما بها قط؛ لأنَّهم قد علموا أن آباءهم أحْدَثُوها ) )وكان فيهم بقيَّة من دين إبراهيم عليه السَّلام، منها الختان، وتحريم ذوات المحارم، إلَّا امرأة الأب والجمع بين الأختين، وقيل الاستقسام هو قَسْمُهم الجزور بالأقداح على الأنصباء المعلومة.

وذلك أنَّه كانت لهم عشرة أقداح، وهي الأزلام والأقلام الفذ والتوأم والرَّقيب والحِلْس والنَّافِس والمُسْبَل والمعَلَّى والمَنِيح والسَّفِيح والوَغْد، لكلِّ واحد منها نصيب معلوم من جزورٍ ينحرونها ويجزِّئونها عشرة أجزاء، وقيل ثمانية وعشرين إلَّا لثلاثة وهي المَنيح والسَّفيح والوغْد، للفذِّ سهم، والتوأم سهمان، والرَّقيب ثلاثة، وللحِلْس أربعة، وللنَّافِس خمسة، وللمُسْبَل ستَّة، وللمعلَّى سبعة، يجعلونها في الرَّبابة وهي خريطة ويضعونها على يَدي عَدْلٍ ثمَّ يجلجلها ويُدْخِلُ يَدَه، فيُخْرِجُ باسمِ رَجُلٍ رَجُلٍ قِدْحًَا منها، فمن خرج له قِدْحٌ من ذوات الأنصباء أخذ النصيب الموسوم به ذلك القِدْح، ومن خرج له قِدْح ممَّا لا نصيب له لم يأخذ شيئًا وغرم ثمن الجزور كله، وكانوا يدفعون تلك الأنصباء إلى الفقراء، ولا يأكلون منها، ويفتخرون بذلك ويذمُّون من لم يدخلْ فيه ويسمُّونه البَرَم، كذا في «الكشَّاف» .

(فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ) صلاة، قال في «التَّوضيح» والحديث من أفراد البخاري. وليس كذلك بل أخرجه أبو داود في الحج أيضًا.

ثمَّ إنَّ البخاري رحمه الله أورد هذا الحديث، واحتجَّ به مع كونه يرى تقديم حديث بلال في إثباته الصَّلاة فيه عليه وعدم تعرضه للتَّكبير، ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى التَّرجمة؛ لأنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما أثبت التَّكبير ولم يتعرَّض له بلال، وبلال أثبت الصَّلاة ونفاها ابن عبَّاس، فاحتجَّ المؤلِّف بزيادة ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وقدم إثبات بلال على نفي غيره لأمرين

أحدهما أنَّه لم يكن مع النَّبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ، وإنَّما أسند نفيه تارةً لأسامة، وتارةً لأخيه الفضل مع أنَّه لم يثبت أنَّ الفضل كان معهم إلَّا في رواية شاذَّة.

وقد روى أحمد من طريق ابن عبَّاس رضي الله عنهما، عن أخيه الفضل رضي الله عنه نفي الصَّلاة فيها، فيحتمل أن يكون تلقَّاه عن أسامة؛ فإنَّه كان معه كما تقدَّم [خ¦1598] .

وقد مضى في كتاب الصَّلاة [خ¦397] أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما روى عنه نَفْيَ الصَّلاة فيها عند مسلم، وقد وقع إثبات صلاته فيها عن أسامة رضي الله عنه من رواية ابن عمر رضي الله عنهما عند أحمد وغيره فتعارضت الرِّواية في ذلك عنه فتترجَّح رواية بلال من جهة أنَّه مُثبت وغيرُه نافٍ، ومن جهة أنَّه لم يُخْتَلَفْ عليه في الإثبات واخْتُلِفَ على مَن نَفَى.

وقال النَّووي وغيره يُجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنَّهم لمَّا دخلوا الكعبة اشتغلوا

ج 8 ص 19

بالدُّعاء، فرأى أسامة النَّبي صلى الله عليه وسلم يدعو فاشتغل أسامة بالدُّعاء في ناحية، والنَّبي صلى الله عليه وسلم في ناحية، ثمَّ صلَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله، ولأنَّ بإغلاق الباب تكون الظُّلمةُ، مع احتمال أن يحجبه عنه بعض الأعمدة، فنفاها عملًا بظَنِّه.

وقال المحبُّ الطَّبري يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته. انتهى.

ويشهد له ما رواه أبو داود الطَّيالسي في «مسنده» عن ابن أبي ذئب، عن عبد الرَّحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عبَّاس، عن أسامة رضي الله عنهم قال (( دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة فرأى صورًا فدعا بدلو من ماء فأتيته به فضرب به الصُّور ) )، فهذا إسناد جيِّد.

قال القرطبي فلعلَّه استصحب النَّفي لسرعة عوده. انتهى. وهو مفرَّع على أنَّ هذه القصَّة وقعت عام الفتح، فإن لم تكن، فقد روى عمر بن شبَّة في كتاب «مكَّة» من طريق علي بن بَذِيمة، وهو تابعي وأبوه، بفتح الموحَّدة ثمَّ معجمة، على وزن عَظِيمة، قال (( دخل النَّبي صلى الله عليه وسلم الكعبة ودخل معه بلال وجلس أسامة على الباب، فلمَّا خرج وجد أسامة قد احتبى فأخذ بحبوته فحلَّها ) ). الحديث، فلعلَّه احتبى فاستراح فنعس فلم يشاهد صلاته، فلمَّا سئل عنها نفاها مستصحبًا للنَّفي لقصر زمن احتبائه، وفي كلِّ ذلك إنَّما نفي رؤيته لا ما في نفس الأمر، ومنهم من جَمَعَ بين الحديثين بغير ترجيح أحدهما على الآخر، وذلك من أوجه

أحدُها حمل الصَّلاة المثبتة على اللَّغوية والمنفيَّة على الشرعيَّة، وهذه طريقة مَن يكره الصَّلاة داخل الكعبة فرْضًا ونفْلًا، وقد تقدَّم البحث فيه، ويردُّ هذا الحَمْل ما تقدَّم [خ¦1598] في بعض طرقه من تعيين قدر الصَّلاة، فظهر أنَّ المراد بها الشرعيَّة لا مجرد الدُّعاء.

ثانيها ما قال القرطبيُّ يمكن حمل الإثبات على التطوُّع والنَّفي على الفرض، وهذه طريقه المشهور من مذهب مالك.

ثالثها ما قال المهلَّب شارح البخاري يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرَّتين؛ صلَّى في إحداهما ولم يصلِّ في الأخرى.

وقال ابن حبَّان الأشبه عندي في الجمع أن يُجْعَلَ الخبران في وقتين فيقال لمَّا دخل الكعبة في الفتح صلَّى فيها، على ما رواه

ج 8 ص 20

ابن عمر رضي الله عنهما، عن بلال رضي الله عنه، ويُجْعل نفي ابن عبَّاس رضي الله عنهما الصَّلاة في الكعبة على الصَّلاة فيها في حجَّته التي حجَّ فيها؛ لأنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما نفاها وأسنده إلى أسامة، وابن عمر أثْبَتَها، وأسنده إلى بلال وإلى أسامة أيضًا، فإذا حُمِلَ الخبر على ما وصفنا بطل التَّعارض، وهذا جَمْعٌ حَسَن.

لكن تعقَّبه النَّووي بأنَّه لا خلاف أنَّه صلى الله عليه وسلم دخل في يوم الفتح لا في حجَّة الوداع، ويشهد له ما روى الأزرقي في كتاب «مكَّة» عن سفيان، عن غير واحد من أهل العلم أنَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما دخل الكعبة مرَّة واحدة عام الفتح، ثمَّ حجَّ فلم يدخلها، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرَّتين، ويكون المراد بالوحدة التي في خبر ابن عيينة وحدة السَّفر لا الدُّخول، وقد وقع عند الدَّارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع، والله أعلم.

[1] في (خ) (( حدثنا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت