فهرس الكتاب

الصفحة 6365 من 11127

83 - (باب مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَفَاتِهِ) لا خلاف أنَّه صلى الله عليه وسلم تُوفي يوم الاثنين، وروى الإمام أحمد من حديث عائشة رضي الله عنها قالت (( تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، ودُفن ليلة الأربعاء ) )وتفرَّد به. وعن عروة تُوفِّي يوم الاثنين حين زاغت الشمس لهلال ربيع الأول، وعن الأوزاعي تُوفي يوم الاثنين قبل أن ينشبَ النهار. وفي حديث أبي يعلى بإسنادِهِ عن أنس رضي الله عنه أنَّه تُوفي آخر نهار يوم الاثنين، وروى البيهقيُّ بإسناده عن سليمان بن طَرْخان التَّيمي في كتاب «المغازي» قال (( مرض النَّبي صلى الله عليه وسلم لاثنين وعشرين ليلة خلت من صفر، وبدأ وجعُه عند وليدة له يُقال لها ريحانة، كانت من سبي اليهود، وكان أوَّل يوم مرضَ يوم السبت،

ج 18 ص 529

وكانت وفاته يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، لتمام عشر سنين من مقدَمِه المدينة )) .

وقال الواقديُّ أخبرنا أبو معشر عن محمَّد بن قيس قال اشتكَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيتْ من صفر سنة إحدى عشرة في بيت زينب بنت جَحْش شكوى شديدة، فاجتمعتْ عنده نساؤه كلهنَّ، فاشتكى ثلاثة عشر يومًا، وتُوفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول سنة إحدى عشرة.

وقال الواقدي قالوا بُدئ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من سفر، وتُوفي يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأول، وبه جزمَ محمَّد بن سعد كاتبه، وزاد ودفنَ يوم الأربعاء، وعن الواقدي من حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّه بُدئ به في بيت ميمونة وهو المعتمدُ.

وقال ابنُ إسحاق توفي لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول في اليوم الذي قدم فيه المدينة مهاجرًا، وعن يعقوب بن سفيان عن أبي بُكير عن اللَّيث أنَّه قال تُوفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلة خلتْ من ربيع الأول، وقال سعدُ بن إبراهيم الزُّهري توفي يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول.

وقال أبو نُعيم الفضل بن دُكين توفي يوم الاثنين مستهل ربيع الأول، وروى سيف بن عمر بإسناده عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجَّة الوداع ارتحلَ فأتى المدينة، وأقام بها ذا الحجَّة والمحرَّم وصفر، ومات يوم الاثنين لثاني عشر خلون من ربيع الأوَّل، وقد نقل عن الرَّافعي أنَّه عاش بعد حجَّته ثمانين يومًا، وقيل إحدى وثمانين يومًا وقيل تسعين يومًا، وقيل إحدى وتسعين يومًا على اختلافِ الأقوال في وفاتهِ صلى الله عليه وسلم، والجمهورُ على أنَّه تُوفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وقد اختلفَ في مدَّة مرضه أيضًا، فالأكثر على أنَّها ثلاثة عشر يومًا، وقيل بزيادة يوم، وقيل بنقصهِ.

وقد استشكل السُّهيلي في «الروض» كونه تُوفي يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول من سنة إحدى عشرة. وقال لا يتصوَّر وقوعُ وفاته صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم وقف في حجَّة الوداع سنة عشر يوم الجمعة، وكان أوَّل ذي الحجَّة يوم الخميس.

فعلى تقدير أن تكون الشُّهور تامَّة أو ناقصة، أو بعضها تامًا وبعضها ناقصًا، لا يتصوَّر أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، وأجاب البارزي ثمَّ ابن كثير باحتمال وقوعِ الأشهر

ج 18 ص 530

الثَّلاثة كوامل، وكان أهلُ مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجَّة، فرآه أهلُ مكة ليلة الخميس، ولم يره أهلُ المدينة إلَّا ليلة الجمعة، فحصلتِ الوقفة برؤيةِ أهل مكة، ثمَّ رجعوا إلى المدينة فأرَّخوا برؤية أهلها، وكان أوَّل ذي الحجَّة الجمعة وآخره السبت، وأوَّل المحرم الأحد وآخره الاثنين، وأوَّل صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأوَّل ربيع الأول الخميس فيكون ثاني عشرة الاثنين.

وقال الحافظُ العسقلاني وهذا الجواب بعيدٌ من حيث إنَّه يلزم توالي أربعة أشهر كوامل، وقد جزمَ سليمان التَّيمي أحد الثِّقات بأنَّ ابتداء مرض النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، فعلى هذا كان صفر ناقصًا، ولا يمكن أن يكون أوَّل صفر السَّبت إلَّا إن كان ذو الحجَّة والمحرم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متواليَّة.

وأمَّا على قول من قال أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصين وواحدًا كاملًا، وهذا رجَّحه السُّهيلي. وفي «المغازي» لأبي معشر عن محمَّد بن قيس أنَّه اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهذا موافقٌ لقول سليمان التَّيمي المقتضى لأنَّ أول صفر كان السبت.

وأمَّا ما رواه ابنُ سعد من طريق عمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال اشتكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيعٍ الأوَّل فيردُّ عليه الإشكال المتقدِّم، وكيف يصحُّ أن يكون أوَّل صفر الأربعاء فيكون تاسع عشرينه الأربعاء.

والغرض أنَّ ذا الحجة أوله الخميس، فلو فرضَ هو والمحرَّم كاملين لكان أول صفر الاثنين، فكيف يتأخر إلى يوم الأربعاء، فالمعتمدُ ما قاله أبو مخنف والكلبي أنَّه توفي في ثاني ربيع الأول، ورجحه السُّهيلي، وكأن سبب غلط غيرهم أنَّهم قالوا توفي في ثاني ربيع الأول

ج 18 ص 531

فتغيرت فصارت ثاني عشر، فاستمرَّ الوهم بذلك من غيرِ تأمل.

وقد أجاب القاضي بدر الدِّين ابن جماعة بجواب آخر فقال يُحملُ قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت على أنَّها بأيَّامها، فيكون وفاتُه صلى الله عليه وسلم في اليوم الثالث عشر، وتفرض الشهور كوامل فيصحُّ قول الجمهور، ويُعكِّر عليه ما يعكِّر على الذي قبله مع زيادة مخالفة اصطلاح أهل اللِّسان في قولهم لاثنتي عشرة فإنهم لا يفهمون منها إلَّا مضي اللَّيالي، ويكون ما أرخ بذلك واقعًا في الثاني عشر، والله تعالى أعلم.

(وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى) بالجرِّ عطفًا على قوله مرض النَّبي صلى الله عليه وسلم ( {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر 30] ) أخبر الله تعالى أنَّ الموت يعمه صلى الله عليه وسلم والمشركين، وكان مشركوا قريش يتربَّصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته، فأخبر الله تعالى أن لا معنى للتَّربص، وأنزل {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} فالكلُّ بصدد الموت وفي عداد الموتى. وقال قتادة نعيتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه ونعيت إليكم أنفسكم.

( {ثُمَّ إِنَّكُمْ} ) أي إنَّك وإيَّاهم على تغليب الخطَّاب على الغيب ( {يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ} ) فتحتج عليهم بأنَّك كنتَ على الحقِّ في التَّوحيد، وكانوا على الباطل في التَّشريك، واجتهدت في الإرشادِ والتَّبليغ، ولجوا في التَّكذيب والعناد، ويعتذرونَ بالأباطيل مثل (أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا) [الأحزاب 67] ، وتقول السَّادة أغوتنا الشَّياطين وآباؤنا الأقدمون، وقيل المرادُ به الاختصام العام يُخاصم النَّاس بعضهم بعضًا فيما دارَ بينهم في الدنيا.

ووجه ذكرِ هذه الآية جزءًا من التَّرجمة الإشارة إلى أنَّ المرض والموت لا يُنكرُ على النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يُنكرُ ذلك، وقد خاطبَ الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله {إِنَّكَ مَيِّتٌ} الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت