5189 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) المعروف بابن بنت شرحبيل، أبو أيُّوب الدمشقي، ولد سنة
ج 22 ص 534
ثلاث وخمسين ومائة، وتوفي سنة ثلاثين ومائتين (وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء؛ أي ابن إياس، أبو الحسن السعدي المروزي (قَالاَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ) أي ابن أبي إسحاق السَّبيعي، ووقع كذا منسوبًا عند الإسماعيلي، قال (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ) أخيه (عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ) أبيه (عُرْوَةَ) أي ابن الزُّبير بن العوام (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أنَّهَا قَالَتْ) وفي رواية مسلم وأبي يعلي عن أحمد بن جَنَاب، بجيم ونون خفيفة، عن عيسى بن يونس، عن هشام أخبرني أخي عبد الله بن عروة. وهذا من نوادر ما وقع لهشام بن عروة في حديث أبيه حيث أدخلَ بينهما أخًا له واسطة.
وقال أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اختُلِفَ في سندِ هذا الحديث ورفعَه، مع أنَّه لا اختلاف في صحَّته، وأنَّ الأئمة قد قبلوهُ ولا مخرجَ له فيما انتهى إلي إلَّا من رواية عروة، عن عائشة، فروي من غير طريق هشام، عن أخيه، عن عروة عن عائشة رضي الله عنها من قَولِ سيدنا رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كُلِّه، رواه عباد بن منصور عند النَّسائي، وساقه بسياقٍ لا يقبل التأويل ولفظه قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (( كنتُ لكِ كأبي زَرْعٍ لأمِّ زرع ) )، قالت عائشة رضي الله عنها بأبي وأمِّي يا رسول الله، ومن كان أبو زرع، قال (( اجتمع ... ) )فساق الحديثَ كلَّه مرفوعًا. وجاء مرفوعًا أيضًا من رواية عبد الله بن مصعب الدَّراوردي عند الزُّبير بن بكار. وكذا رواه أبو مَعْشر عن هشام وغيره من أهل المدينة، عن عروة، لكن قال ابنُ عساكر الصَّواب حديث هشام، عن أخيه عبد الله بن عروة، بعضه مسند، وأكثره موقوف، قيل وإنَّما المرفوع (( كنتُ لكِ كأبي زرع لأمِّ زرع ) ). وكذا رواه النَّسائي في «عِشْرة النساء» عن أبي عقبة خالد بن عقبة السَّكوني، عن أبيه، عن هشام به موقوفًا، وآخره مرفوعٌ.
(جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً) قال ابن التِّين التَّقدير جلس جماعة إحدى عشرة امرأة وهو مثل {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ} [يوسف 30] . وقال الزَّمخشري
ج 22 ص 535
النِّسوة اسمٌ مفرد لجَمْع المرأة، وتأنيثُه غيرُ حقيقيٍّ كتأنيث الأمة، ولذلك لم يلحق فعله تاءُ التأنيث. انتهى.
وفي رواية أبي عوَانة (( جلست ) ). وفي رواية أبي علي الطَّبري في مسلم (( جلسنَ ) )بالنون. وفي رواية أبي عبيد (( اجتمعت ) ). وفي رواية للنَّسائي (( اجتمع ) ). وفي رواية أبي يعلى (( اجتمعنَ ) ). قال القرطبي زيادة النون على لغة أكلوني البراغيث. وقد أثبتها جماعة من أئمة العربية واستشهدوا لها بقوله تعالى {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} [الأنبياء 3] ، وقوله تعالى {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} [المائدة 71] ، وحديث (( يتعاقبون فيكم ملائكة ) ). وقول الشاعر
~بِحَوْراَنَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقارِبُه
وقد تكلَّف بعض النحاة في ردِّ هذه اللغة إلى اللغة المشهورة، وهي أن لا تلْحَق علامة الجمع ولا التثنية ولا التأنيث في الفعل إذا تقدَّم على الأسماء، وخرَّجَ لها وجوهًا وتقديرات في غالبها نَظَرٌ، ولا يُحتاج إلى ذلك بعد ثبوتها نقلًا وصِحَّتِها استعمالًا. وقال القاضي عياض الأشهرُ ما وقع في «الصحيحين» وهو توحيدُ الفعل مع الجمع. قال سيبويه حُذِفَ اكتفاءً بما ظَهَر تقول مثلًا قام قومك، فلو تقدَّم الاسم لم يحذف فتقول قومك قاموا لا قام.
وممَّا يوجِّه ما وقع هنا أن يكون إحدى عشرة بدلًا من الضَّمير في (( اجتمعنَ ) )، والنون على هذا ضمير لا حرف علامة، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنَّه قيل من هنَّ؟ فقيل إحدى عشرة امرأة أو بإضمار أعني.
وذكر القاضي عياض أن في بعض الرِّوايات (( إحدى عشرة نسوة ) )قال فإن كان بالنصب احتاج إلى إضمار أعني، أو بالرفع فهو بدل من إحدى عشرة. ومنه قوله عزَّ وجلَّ {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا} [الأعراف 160] . وقال الفارسي هو بدلٌ من {قطعناهم} وليس بتمييز، وقد جَوَّزَ غيرُه أن يكون تمييزًا بتأويلٍ يطولُ شرحُه.
وقد وقع لهذا الحديثِ سببٌ عند النَّسائيِّ من طريق عمر بن عبد الله بن عروة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت فَخَرْتُ بمال أبي
ج 22 ص 536
في الجاهلية، وكان ألف ألف أوقيَّة، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( اسكتي يا عائشةُ، فإني كنتُ لك كأبي زرع لأمِّ زرع ) ).
ووقع له سبب آخر فيما أخرجه أبو القاسم عبد الحكيم بن حبَّان بسندٍ له مرسل من طريق سعيد بن عُفير، عن القاسم بن الحسن، عن عَمرو بن الحارث، عن الأسود بن جبر المعافري، قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة وفاطمة رضي الله عنهما وقد جرى بينهما كلام فقال (( ما أنت بمنتهيةٍ يا حميراء عن ابنتي إنَّ مَثَلي ومَثلك كأبي زرع وأمِّ زرع ) )، فقالت يا رسول الله، حدِّثنا عنهما، فقال (( كانت قريةٌ فيها إحدى عشرة امرأة، وكان الرجالُ خُلُوفًا، فَقُلْنَ تعالينَ نتذاكرُ أزواجنَا بما فيهم ولا نكذب ) ). ووقع في رواية أبي معاوية، عن هشام بن عروة عند أبي عَوَانة في «صحيحه» بلفظ (( كان رجلٌ يكنى أبا زرعٍ وامرأته أمَّ زرع، فتقول أحسنَ لي أبو زرع وأعطاني أبو زرعٍ وأكرمني أبو زرعٍ وفعل بي أبو زرعٍ ) ). ووقع في رواية الزُّبير بن بكَّار دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي بعضُ نسائه، فقال يخصني بذلك يا عائشة، أنا لك كأبي زرعٍ لأمِّ زرعٍ قلت يا رسول الله، ما حديث أبي زرعٍ وأمِّ زرع، قال (( إنَّ قرية من قرى اليمن كان بها بطنٌ من بطون اليمن، وكان منهم إحدى عشرة امرأة وأنهنَّ خرجنَ إلى مجلس، فقلنَ تعالينَ لنذكر بعولتنَا بما فيهم ولا نكذب ) )، فيستفاد من هذه الرواية معرفة جهة قبيلتهنَّ وبلادهنَّ، لكن وقع في رواية الهيثم أنهنَّ كنَّ بمكة. وعند أبي محمد بن حزم فيما نقله القاضي عياض أنهنَّ كنَّ من خثعم، وهو يوافق رواية الزُّبير أنهنَّ من أهل اليمن، ووقع في رواية ابن أبي أويس، عن أبيه أنهنَّ كنَّ في الجاهلية. وكذا عند النَّسائي في رواية عقبة بن خالد، عن هشام.
(فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ) أي ألزمنَ أنفسهنَّ عهدًا وعقدن على الصِّدق من ضمائرهنَّ عقدًا (أَنْ لاَ يَكْتُمْنَ) أي بأن لا يكتمنَ (مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا)
ج 22 ص 537
وفي رواية ابن أبي أويس، عن أبيه (( أن يتصادقنَ بينهنَّ ولا يكتمنَ ) ). وفي رواية سعيد بن سلمة عند الطَّبراني (( أن ينعتنَ أزواجهنَّ ويصدقنَ ) )، وفي رواية الزُّبير بن بكار (( فتبايعنَ على ذلك ) ).
(قَالَتِ) أي المرأة (الأُولَى) تذمُّ زوجها لم يوقف على اسمها، ولا على اسم زوجها (زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٌّ) بفتح الغين المعجمة وتشديد المثلثة، ويجوز جرُّه صفة للجمل، ورفعه صفة للحم، وكلاهُما في الفرع. وقال ابن الجوزي المشهور في الرِّواية الخفض. وقال ابنُ ناصر الجيِّد الرفع، ونقله عن التَّبريزي وغيرِه.
والغثُّ الهزيلُ الذي يَسْتَغثُ من هُزاله؛ أي يُسْتَكره، مأخوذ من قولهم غثَّ الجرح غَثًّا وغَثِيْثًا إذا سال منه القيح، واستغثَّه صاحبه. ومنه أغثُّ الحديث، ومنه غثَّ فلانٌ في حَلْقِهِ، وكثر استعمالُه في مقابلةِ السَّمين فيقال للحديث المختلطِ فيه الغثُّ والسَّمين، والغثُّ أيضًا الفاسدُ من الطَّعام. والمعنى زوجِي شديدُ الهزال.
(عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ) زاد في رواية أبي عبيد والتِّرمذي (( وعر ) )، وفي رواية الزُّبير بن بكار (( وعث ) )وهو أوفق للسَّجع، والأوَّل ظاهر؛ أي كثير الصَّخر شديد الغِلظة يصعبُ الرُّقي إليه.
والوعث، بالمثلثة الصَّعب المرتقى بحيث تُوحل فيه الأقدام، فلا تتخلَّص منه، ويشقُّ فيه المشي. ومنه وعثاءُ السَّفر. وقال أبو عبيد تصفُ قلَّة خيرهِ وبعدَه مع القلَّة كالشَّيء في قمَّة الجبل الصَّعب لا يُنَالُ إلَّا بالمشقَّةِ.
(لاَ سَهْلَ) بالفتح بلا تنوين، وكذا (( ولا سمين ) )، ويجوز فيهما الرفع على أنَّهما خبر مبتدأ محذوف؛ أي لا هو سهلٌ ولا سمينٌ، ويجوز الجرُّ على أنَّهما صفة جبل أو جمل، ووقع في رواية عقبة بن خالد، عن هشام عند النَّسائي بالنصب منونًا فيهما (( لا سهلًا ولا سمينًا ) ). وفي رواية عمر بن عبد الله بن عروة عنده (( لا بالسمين ولا بالسهل ) )وقال القاضي عياض أحسن الأوجه عندي الرفع في الكلمتين من جهةِ سياق الكلام وتصحيحِ المعنى لا من جهة تقويم اللَّفظ، وذلك أنَّها أودعت كلامها تشبيه شيئين بشيئين،
ج 22 ص 538
شبهت زوجها باللَّحم الغثِّ، وشبهت سوء خُلقه بالجبل الوعر، ثمَّ فسرت ما أجملته، فكأنَّها قالت لا الجبل سهل فلا يشقُّ ارتقاؤه لأخذ اللَّحم، ولو كان هزيلًا؛ لأنَّ الشَّيء المزهود فيه قد يُؤخذ إذا وجد من غير نصب، ثمَّ قالت ولا اللَّحم سمين، فيتحمَّل المشقَّة في صعود الجبل لأجل تحصيلهِ.
وقال الدَّماميني ويلزم على الرفع إلغاء لا مع عدم التَّكرير، ودخول لا على الصِّفة المفردة مع انتفاء التَّكرير في توجيه الجرِّ، وكلاهما باطلٌ. انتهى.
(فَيُرْتَقَى) على البناء للمفعول؛ أي فيُصْعَدُ إليه، وهو وصفٌ للجبل، وفي رواية للطَّبراني (وَلاَ سَمِينَ فَيُنْتَقَلَ) بالفتح، وفي رواية أبي عُبيد والأوَّل من الانتقال؛ أي أنَّه لهزاله لا يرغب أحد فيه فينتقله إليه، يقال انتقلتُ الشَّيء؛ أي نقلتُه. ومعنى يُنتقى ليس له نِقيٌ يستخرج، والنِّقْي، _ بكسر النون _ المخ، يقال نقوتُ العظم ونقيتُه وانتقيتُه إذا استخرجتُ مخَّه، وقد كثر استعمالُه في اختيار الجيِّد من الرَّدِيء.
قال القاضي عياض أرادت أنَّه ليس له نِقْي فيُطلب لأجل ما فيه من النِّقْي، وليس المراد أنَّه فيه نقيٌ يُطلب استخراجه، قالوا آخر ما يبقى في الجمل مخُّ عظمِ المفاصل ومخُّ العين، وإذا نفدا لم يبق فيه خيرٌ، قالوا وصفَتْه بقلَّة الخير وبُعده مع القلَّة فشبَّهته باللَّحم الذي صَغُرتْ عظامُه عن النَّقْيِ وخَبُث طعْمُه وريحُه مع كونه في مُرتقى يشقُّ الوصول إليه، فلا يرغبُ أحد في طلبهِ لينقلَه إليه مع توفُّر دواعي أكثر الناس على تناول الشَّيء المبذول مجَّانًا.
وقال النَّووي فسَّره الجمهور بأنَّه قليل الخير من أوجه منها كونه كلحمِ الجمل لا كلحمِ الضَّأن مثلًا. ومنها أنَّه مع ذلك مهزولٌ رديءٌ، ويؤيِّده قول أبي سعيد الضَّرير النِّيسابوري ليس في اللُّحوم أشد غثاثةً من لحم الجمل؛ لأنَّه يجمعُ خبث الطَّعم، وخبث الرِّيح حتى ضُرِبَ به المثل. ومنها أنَّه صعب التَّناول لا يُوْصَلُ إليه إلَّا بمشقَّة شديدةٍ.
والحاصل أنَّها وصفتْ زوجها
ج 22 ص 539
بالبخلِ وقلَّة الخير وبُعْدِه من أن ينالَ خيره مع قلَّته كاللَّحم الهزيل المنتن الذي يُزهد فيه فلا يطلبُ، فكيف إذا كان في رأس جبل صعبٍ وعرٍ لا يُنال إلَّا بمشقَّة.
وذهب الخطَّابي إلى أنَّ تشبيهها له بالجبل الوعر هنا إشارة إلى سوءِ خلقه، وأنه يترفعُ ويتكبر على عشيرتهِ ويسمو بنفسه فوق موضعها فيجمعُ البخل وسوء الخلق.
وقال القاضي عياض شبَّهت وعورة خُلقه بالجبل، وبعد خيره ببعد اللَّحم على رأسِ الجبل، والزُّهد فيما يرجى منه مع قلَّته وتعذُّره بالزُّهد في لحم الجمل الهزيل، فأعطت التَّشبيه حقَّه ووفته قسطه فهو تشبيه الخفي بالجلي، والمتوهَّم بالمحسوس.
قال القاضي عياض إنَّها مع صدق تشبيهها قد جَمَعَتْ في كلامها من حسن الكلام أنواعًا، وكشفتْ من محتجب البلاغة قناعًا، وقرنت بين جزالة الألفاظ وحلاوة البديع، وضمَّت تفاريقَ المناسبة والمقابلة والمطابقة والمجانسة والتَّرتيب والتَّرصيع، فإذا نظرتَ حقَّ النَّظر وجدتَ ذلك كلَّه في كلامها، والله تعالى أعلم.
(قَالَتِ الثَّانِيَةُ) وهي عَمرة بنت عَمرو التَّميمي اليمني على ما سمَّاها ابن دريد في «الوشاح» وهي تذمُّ زوجها أيضًا (زَوْجِي لاَ أَبُثُّ) بضم الموحدة والثاء المثلثة؛ أي لا أُظْهِرْ ولا أُشِيْعُ (خَبَرَهُ) لطوله، وفي رواية حكاها القاضي عياض (( لا أنث ) )بالنون بدل الموحدة، والنَّث أكثرُ ما يستعمل في الشَّر؛ أي لا أُظْهِرُ خبرَه الذي لا خيرَ فيه، ووقع في رواية الطَّبراني (( لا أنم ) )بالنون والميم، من النَّميمة.
(إِنِّي أَخَافُ أَنْ لاَ أَذَرَهُ) فيه تأويلان؛ لأنَّ الضَّمير إمَّا للخبر أو للزَّوج فعلى الأول معناه أخاف أن لا أتركَ من خَبَرِه شيئًا أخاف إن شرعتُ في تفصيله لا أقدرُ على تمامه لكثرتهِ وطولهِ، فاكتفت بالإشارة إلى معائبه خشية أن يطولَ الخطبُ بإيراد جميعها.
وعلى الثاني معناه أخاف أن يُطَلِّقَني فأذرهُ؛ أي فأتركه، فتكون لا زائدة، ووقع في رواية عبَّاد بن منصور عند النَّسائي (( أخشى أن لا أذره من سوء ) )، وهذا تفسير ابن السِّكيت، ويؤيِّده أن في رواية عقبة بن خالد (( إني أخافُ أن لا أذره، أَذْكُره وَأَذْكُر عُجَره وبُجَرَه ) )كأنَّها خشيت إذا ذكرت ما فيه أن يبلغَه فيفارقَها، فكأنَّها قالت أخاف أن لا أقدر على تركهِ لعلاقتي به وأولادي منه، وأذرَه بمعنى أفارقَه، فلا غير زائدة على هذا المعنى، فاكتفتْ بالإشارة إلى أنَّ له معائب وفاءً بما التزمته من الصِّدق، وسكتتْ عن
ج 22 ص 540
تفسيرها للمعنى الذي اعتذرتْ به.
وأبدى الكِرماني التأويل الثالث وهو أن يُقال أخاف أن أبثَّ خبرَه إذ عَدَمُ الترك هو الإثباتُ والتَّبيين، ووقع في رواية الزُّبير (( زوجي من لا أذكره ولا أبثُّ خبره ) )والأول أليق بالسَّجع.
(إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ) بالجزم جواب الشَّرط (عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ) بضم أوله وفتح الجيم فيهما، والمراد بهما عيوبه، وفي «القاموس» ذَكَرَ عُجَره وبُجَره؛ أي أَمْرَه كُلَّه، والعُجَر تَعْقِدُ العَصَب والعروق في الجسد حتى تصيرَ ناتئة كالسَّلْعَةِ، والبُجَر مثلها إلَّا أنَّها مختصَّة بالتي تكون في البطن، قاله الأصمع وغيره، واحدها بجرة، ومنه قيل رجل أَبْجر إذا كان عظيم البطنِ، وامرأةٌ بجراء، ويقال لفلان بجرة إذا كان ناتئ السُّرَّة عظيمَها. وقال الأخفشُ العجر العقد يكون في سائر البدن، والبُجَر يكون في القلب.
وقال ابنُ فارس يقال في المثل أقضيت إليه بُعَجَرِي وبُجَرِي؛ أي بأمري كله. وقيل العُجَر ظاهرها، والبُجَر باطنها، قال الشاعر
~لَمْ يَبْقَ عِنْدِي مَا يُبَاعُ بِدِرْهَمٍ يَكْفِيْكَ عُجَرُ حَالَتِي عَنْ بُجَرِي
~إِلاَّ بَقَايَا مَاءِ وَجْهٍ صُنْتُه لأَبِيْعَه فَعَسَى تَكُون المُشْتَرِي.
وقال ابنُ الأعرابي العجرة نفخةٌ في الظَّهر، والبُجرة نفخةٌ في السرة.
وقال ابنُ أبي أويس العُجَر العقدُ الذي يكون في البطن، والبُجَر العيوب، وقيل العَجَر في الجنب والبَطْن، والبُجَر في السرة، قيل وهذا أصلهما ثمَّ استعملا في الهُمومِ والأحزان. ومنه قول عليٍّ رضي الله عنه يوم الجَمَل أشكوا إلى الله عُجَري وبُجَري.
وقال الأصمعيُّ استُعْمِلا في المعائب، وبه جزم ابنُ حبيب وأبو عبيد الهروي. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام ثمَّ ابن السِّكيت استُعْمِلا فيما يكتُمُه المرءُ ويخفيهِ عن غيره، وبه جزمَ المُبَرِّد.
وقال الخطَّابي أرادتْ عيوبه الظَّاهرة وأسرارهُ الكامنة، قال ولعلَّه كان مستور الظَّاهر ردي الباطن، وقال أبو سعيد الضَّرير عنت أنَّ زوجها كثير المعائب مُنْعَقِدُ النَّفس عن المكارم.
(قَالَتِ) المرأة (الثَّالِثَةُ) وهي حُبَّى، بضم الحاء المهملة وتشديد الموحدة، مقصورًا، بنت كعب اليماني على ما ذكره ابنُ دريد، وهي تذمُّ زوجها أيضًا (زَوْجِي الْعَشَنَّقُ) بفتح العين المهملة ثم المعجمة وتشديد النون المفتوحة بعدها قاف. قال أبو عبيد وجماعة هو الطَّويل، زاد الثَّعالبي المذموم الطَّول، وقال الخليل هو الطَّويل العنق، وقال ابنُ أبي أويس الصَّغير من الرجال المقدام الجريء.
وحكى ابنُ الأنباري عن ابن قتيبة أنَّه قال هو القصيرُ ثمَّ قال كأنَّه عنده من الأضداد، قال ولم أره لغيره. انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني والذي يظهرُ أنَّه تصحَّف عليه ممَّا قال ابنُ أبي أويس، قاله القاضي عياض، وقال ابنُ حبيب هو المقدام
ج 22 ص 541
على ما يريدُ، الشَّرس في أموره، وقيل السَّيء الخلق. وقال الأصمعيُّ أرادت أنَّه ليس عنده أكثر من طولهِ بغير نفعٍ، وقال غيره هو المستكرَه الطَّول، وقيل ذمته بالطُّول؛ لأنَّ الطُّول في الغالب دليل السَّفه، وعُلِّلَ بِبُعْدِ الدِّماغِ عن القَلْبِ.
وأغربَ من قال مدحتُه بالطُّول؛ لأنَّ العَرَبَ تتمدَّح بذلك، وتُعُقِّبَ بأن سياقها يقتضي أنَّها ذمَّته.
وأجاب عنه ابنُ الأنباري باحتمال أن تكون أرادت مَدْحَ خَلْقِه وذَمَّ خُلُقِه، فكأنَّها قالت له منظرٌ بلا مخبر، وهو محتملٌ.
وقال أبو سعيد الضَّرير الصَّحيح أنَّ العَشَنَّق الطَّويل النَّجيب الذي يملك أمر نفسه ولا تحكم النساء فيه، بل يحكم فيهنَّ بما يشاءُ، فزوجته تهابه أن تنطقَ بحضرته، فهي تسكتُ على مضضٍ. قال الزَّمخشري وهي من الشِّكاية البليغة. انتهى.
ويؤيِّده ما وقعَ في رواية يعقوب بن السِّكيت من الزِّيادة في آخره (( وهي على حدِّ السِّنان المذَلَّق ) )بفتح المعجمة وتشديد اللام؛ أي المجرد [1] بوزنه ومعناه يشير إلى أنَّها منه على حذرٍ، ويحتمل أن تكون أرادت بهذا أنَّه أهوجُ لا يستقرُّ على حالٍ كالسِّنان الشَّديدة الحدَّة.
(إِنْ أَنْطِقْ) بكسر الطاء؛ أي إن أَذْكُر عيوبَه فيبلغه (أُطَلَّقْ) بضم الهمزة وفتح الطاء وتشديد اللام المفتوحة مجزومٌ جواب الشَّرط؛ أي طلَّقني (وَإِنْ أَسْكُتْ) عنها (أُعَلَّقْ) على وزن أُطلَّق؛ أي يتركني معلَّقة؛ أي لا ذات بعلٍ فأنتفع به، ولا أيِّمًا فأتفرغ لغيره، كما وقع في تفسير قوله تعالى {فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ} [النساء 129] أي فهي كالمعلَّقة بين العلو والسُّفل لا تُسْتَقِرُّ بأَحَدِهما.
قال الحافظُ العسقلاني هكذا تواردَ عليه أكثر الشُّرَّاح تبعًا لأبي عُبيد، وفي الشِّق الثاني عندي نظرٌ؛ لأنَّه لو كان ذاك مرادها لنطقتْ ليُطَلِّقها فتستريح، والذي يظهرُ لي أنَّها أرادت وصف سوء حالها عنده، فأشارت إلى سوء خُلُقِه
ج 22 ص 542
وعدم احتمالِه لكلامِها إن شكتْ له حالها، وأنَّها تعلمُ أنَّها متى ذكرت له شيئًا من ذلك بادرَ إلى طلاقهَا، وهي لا تؤثر تطليقَه لها لمحبَّتها له، ثمَّ عبَّرت بالجملة الثانية إشارة إلى أنَّها إنْ سكتتْ صابرة على تلك الحال كانت عنده كالمعلَّقة التي لا ذات زوجٍ ولا أيِّم، ويحتمل أن يكون قولها أعلَّق، مشتقًا من علاقةِ الحبِّ أو من علاقةِ الوصلة؛ أي إن نطقتُ طلَّقَنِي وإن سكتُّ استمرَّ بي وأنا لا أوثر تطليقه لي فلذلك أسكتُ.
وقال القاضي عياض أوضحتْ بقولها (( على حدِّ السِّنان المُذَلَّق ) )مُرادها بقولها قبل (( إن أسكُتْ أعلَّق، وإن أنْطِقْ أُطَلَّق ) )أي إنَّها إن حادتْ عن السِّنان سقطتْ فهَلَكَتْ، وإن استمرَّت عليه أهلكها.
(قَالَتِ الرَّابِعَةُ) وهي مَهْدَد، بفتح الميم وإسكان الهاء وفتح الدال الأولى، ويقال مَهْره، بالراء، بنت أبي هرُومَة، بالراء المضمومة وبعد الواو ميم، وهي تمدحُ زوجها (زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ) بكسر التاء الفوقية، اسمٌ لكلِّ ما نزلَ عن نجدٍ من بلاد الحجاز، وهو من التَّهُمِ، بفتح الفوقية والهاء وهو ركودُ الريح، ويقال تَهِمَ الدُّهْنُ إذا تغيَّر. وفي «القاموس» وتِهَامة، بالكسر مكة شرفها الله تعالى؛ شبهت زوجها بِلَيلِ تهامة، تريد أنه ليس فيه أذى بل راحة ولذاذة عيشٍ كليل تهامةَ في اللَّذة والاعتدال، أو المراد كليلٍ ركدتِ الرِّياح فيه، أو كليل الرَّبيع وقت تغيُّر الهواء من البرودةِ إلى الحرارةِ وظهور اعتداله.
(لاَ حَرٌّ) أي مفرط (وَلاَ قُرٌّ) بالضم، وهو البردُ، وهو لفظ رواية النَّسائي، وزاد في رواية الهيثم بن عدي (( ولا وَخَامة ) )بواو وخاء معجمة مفتوحتين وبعد الألف ميم، يقال مَرْعى وَخِيم إذا كانت الماشية لا تَنْجَعُ عليه؛ أي لا تقيل عنده، تصف زوجها بذلك، وأنَّه ليِّن الجانب خفيف الوطأة على الصَّاحب، ويحتمل أن يكون ذلك من بقيَّة صفة اللَّيل. وفي رواية الزُّبير بن بكَّار (( والغيثُ غيثُ غمامة ) ).
(وَلاَ مَخَافَةَ) أي لا أخاف له غائلة لكرم أخلاقه. وقال ابنُ الأنباري أرادت بقولها ولا مخافة، أنَّ أهلَ تهامةَ لا يخافون لتحصُّنهم
ج 22 ص 543
بجبالها، أو أرادت وَصْفَ زوجها بأنَّه حامي الذِّمَار مانعٌ لدارهِ وجاره، ولا مخافةَ عند من يأوي إليه.
ثمَّ وصفتُه بالجُود حيث قالت (وَلاَ سَآمَةَ) أي لا مَلامة لي، ولا له من المصاحبة، وقال غيره قد ضَربوا المثل بليلِ تهامةَ في الطِّيب؛ لأنَّها بلادٌ حارَّة في غالب الزَّمان وليس فيها رياح باردة، فإذا كان اللَّيل كان وهج الحرِّ ساكنًا فيطيب اللَّيل لأهلها بالنسبة لما كانوا فيه من أذى من النَّهار، فوصفت زوجها بجميلِ العشرة واعتدالِ الحال وسلامة الباطن، وكأنَّها قالت لا أذى عنده ولا مكروه وأنا آمنة فلا أخافُ من شرِّه، ولا مللَ عنده فيسأم من عشرتي، أو ليس سيء الخلق فأسأمُ من عشرتهِ، فأنا لذيذةُ العيش عنده كلذَّة أهل تهامة بليلهم اللَّذيذ المعتدل.
ثمَّ إنَّ الكلمات الأربع بالفتح بغير تنوين مبنيَّة مع لا على الفتح، وجاء فيها الرفع مع التَّنوين وهي رواية أبي عبيد، قال أبو البقاء وكأنَّه أشبه بالمعنى؛ أي ليس فيه حرٌّ فهو اسم ليس، وخبرُها محذوفٌ، قال ويقوِّيه ما وقع من التِّكرير، كذا قال، وقد وقع في القراءات المشهورة البناءُ على الفتح في الجميعِ، والرفع مع التَّنوين، وفتح البعض ورفع البعض، وذلك في مثل قوله تعالى {فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة 197] .
(قَالَتِ الْخَامِسَةُ) واسمها كَبْشَة، بالموحدة الساكنة والمعجمة، تمدحُ زوجها (زَوْجِي إِنْ دَخَلَ) أي البيت (فَهِدَ) بكسر الهاء، مشتقٌّ من الفهد؛ أي فعل فعل الفهد يقال فَهِدَ الرجلُ إذا أشبه الفهد، قال ابنُ حبيب شبَّهته في لينهِ وغفلتهِ بالفهد؛ لأنَّه يُوصف بالحياء وقلَّة الشَّر وكثرة النَّوم، وقيل شبهته بالفهد في كثرةِ نومه؛ يعني إذا دخل البيت يكون في الاستراحةِ مُعْرِضًا عمَّا تَلِفَ من أمواله، وما بقي منها، وقيل إنَّه ينام ويغفلُ عن معائب البيت الذي يلزمني إصلاحه. وقيل تريد وثبَ علي وثوبَ الفهد كأنَّها تريد أنَّه يبادر إلى جِمَاعِها من حبه لها بحيث إنَّه لا يصبرُ عنها إذا رآها.
قال الكمالُ الدَّمِيْرِيُّ قالوا أنومُ من فهدٍ، وأوثبُ من فهدٍ، قال ومن خُلُقِه الغضب، وذلك أنَّه إذا وثب على فريسة لا يتنفَّس
ج 22 ص 544
حتى ينالها. وقال القاضي عياض حمله الأكثر على الاشتقاقِ من خلق الفهد، إمَّا من جهة قوَّة نومه وإمَّا من كثرة وثوبهِ [2] .
ولهذا ضربوا المثل به فقالوا أنوم من فهدٍ، وأوثبُ من فهدٍ، قال ويحتمل أن يكون من جهةِ كثرة كسبهِ؛ لأنَّهم قالوا في المثل أيضًا أكسبُ من فهدٍ، وأصلُه أنَّ الفهود الهَرِمَةَ تجتمعُ على فهد منها فتى فيَتَصَيَّدُ عليها كُلَّ يومٍ حتى يُشْبِعها، فكأنَّها قالت إذا دخل المنزلَ دخل معه ما يكسب لأهله، كما يجيء الفهد لمن يلوذُ به من الفهود الهرمة، ثمَّ لما كان في وصفها له بالفهدِ ما قد يحتمل الذَّم من جهةِ كثرة النَّوم رفعت اللبس بوصفها له بخُلُق الأسد، فأوضحتْ أنَّ الأولَ سجيةُ كَرَمٍ ونزاهةُ شمائل ومسامحة في العشرة لا سجيَّة جبن، وخور في الطَّبع، فقالت (وَإِنْ خَرَجَ) أي من البيت (أَسِدَ) بكسر السين المهملة، فعل ماض، تريد فعلَ فعلَ الأسد في شجاعته؛ أي يصيرُ بين الناس كالأسد؛ يعني سهل مع الأحِبَّاء صعبٌ على الأعداء، كقوله تعالى {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح 29] .
وقال ابن السِّكيت تصفه بالنِّشاط في الغزو، وقال ابنُ أبي أويس معناه إن دخلَ البيت وثبَ عَلَيَّ وثوبَ الفهد، وإن خَرَجَ كان في الإقدامِ مثلَ الأسد.
فعلى هذا، يحتمل قوله وثبَ، المدح والذَّم، فالأوَّل يشيرُ إلى كثرة جماعه لها إذا دخل فينطوي تحت ذلك تمدُّحها بإنها محبوبةٌ لذيذةٌ بحيث لا يصبرُ عنها إذا رآها، والذَّمُّ إمَّا من جهة أنَّه غليظ الطَّبع ليست عنده مُدَاعبة ولا مُلاعبة قبل المواقعة بل يثبُ وثبًا كالوحش، أو من جهة أنَّه كان سيءَ الخُلُق يبطشُ بها ويضربها، وإذا خرج على الناس كان أمرُه أشدَّ في الجراءة والإقدام والمهابة كالأسد.
وقال القاضي عياض فيه مطابقةٌ بين خرج ودخل لفظية، وبين فهد وأسد معنوية، وتسمى أيضًا المقابلة. وفيه أيضًا الاستعارة؛ لأنَّها استعارت له من الحالتين خُلُقًا واحِدًا من هذين الحيوانين، فجاء كلامُها في غاية من الإيجاز
ج 22 ص 545
والاختصار، ونهاية من البلاغة والبيان؛ أي إذا دخل تغافلَ وتناوم، وإذا خرج صالَ، فلمَّا استعارت له خلق هذين السَّبعين في الحالتين اللَّازمتين له المختصتين أعربَتْ بذلك عن تخلُّقِه بهما والتزامهِ بوصفيهما، وعبرت عن جميع ذلك بكلمة كل واحدة من ثلاثة أحرف حسنة التركيب مع جمالهما في اللَّفظ، ومناسبتهما في الوزن وسهولتهمَا في النُّطق.
قال القاضي عياض وقد قلبَ الوصف بعض الرُّواة معنى، كما وقع في رواية الزُّبير بن بكَّار، فقال إذا دخل أَسد، وإذا خرج فَهد، فإن كان محفوظًا فمعناه أنَّه إذا خرج إلى مجلسه كان على غاية الرَّزانة والوقار، وحُسن السَّمت، أو على الغاية من تحصيلِ الكسب، وإذا دخل منزله كان مُتُفَضِّلًا مُواسِيًا؛ لأنَّ الأسدَ يوصف بأنَّه إذا افترس أكل من فريسته بعضًا وترك الباقي لمن حوله من الوحوش، ولم يهاوشهم عليها. وزاد في رواية الزُّبير بن بكار في آخره (( ولا يرفع اليوم لغد ) )يعني لا يدَّخر ما حصلَ عنده اليوم من أجل الغد، فكنَّتُ بذلك عن غايةِ جُوده. ويحتمل أن يكون المراد أنَّه يأخذُ بالجَزْمِ في جميعِ أُموره فلا يُؤَخِّر ما يَجِبُ عمَلُه اليومَ إلى غدٍ.
(وَلاَ يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ) بفتح العين وكسر الهاء؛ أي عمَّا له عهدٌ في البيت من ماله إذا فَقَدَه لتمامِ كرمه يعني أنَّه كثير الكَرَمِ كثيرُ التَّغاضي لا يتفقَّد ما ذهب من ماله، وإذا جاء شيءٌ لبيته لا يَسألُ عنه بعد ذلك أو لا يلتفتُ إلى ما يرى في البيت من المعايب بل يُسامح ويُفْضِي كأنَّه ساهٍ عن ذلك، ويحتمل الذَّم أيضًا بمعنى أنَّه غير مبالٍ بحالها حتى لو عرف أنَّها مريضةٌ أو معوزةٌ وغاب ثمَّ جاء لا يسألُ عن شيءٍ من ذلك، ولا يتفقَّد حال أهله ولا يتبيَّنه بل إن عرضتْ له شيئًا من ذلك وثبَ عليها بالبطشِ والضَّرب. وأكثر الشرَّاح شرحوهُ على المدح، فالتَّمثيل بالفهد من جهة التَّكريم أو الوثوب،
ج 22 ص 546
وبالأسدِ من جهة الشَّجاعة وبعدم السُّؤال من جهة المسامحة.
(قَالَتِ السَّادِسَةُ) واسمها هند، تذمُّ زوجها (زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ) باللام المفتوحة والفاء المشددة، فعل ماضٍ من اللَّف، وهو الإكثارُ من الطَّعام واستقصاؤه مع التَّخليط من صنوفهِ حتى لا يُبْقِي منه شيئًا من نهمته وشرهه.
وقال أبو عُبيدة الإكثار مع التَّخليط يقال لَفَّ الكتيبة بالأخرى إذا خلطهَا في الحرب، ومنه اللَّفيف من النَّاس، فأرادتْ أنه يخلط صنوفَ الطَّعام من نهمتهِ وشرهه، ثمَّ لا يُبْقِي منه شيئًا. وروى القاضي عياض (( رف ) )بالراء بدل اللام، قال وهي بمعناها. وعند النَّسائي من رواية عمر بن عبد الله (( إذا أكلَ اقتف ) )بالقاف. قال القاضي عياض ومعناه جمع واستوعب، قال الخليل قِفَافُ كلِّ شيءٍ جِمَاعُه واستيعابُه، ومنه سمِّيت القُفَّة لِجَمْعِها ما وُضِعَ فيها.
(وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ) بالشين المعجمة، من الاشتفافِ بالفائين، وهو أن يستقصِي ويستوعبَ جميع ما في الإناء حتى لا يُبْقِي منه شيئًا، مأخوذ من الشُّفَافة، بضم الشين المعجمة والتخفيف وهي البقيَّة تبقى في الإناء، فإذا شربها قيل اشتفَّها، ومنهم من رواها بالمهملة وهي بمعناها.
(وَإِنِ اضْطَجَعَ) أي نام (الْتَفَّ) تعني أنَّه رقد في ناحية، وتلفف بكسائه وثيابه وحدَه وانقبضَ عن أهله إعراضًا فهي كئيبة حزينة لذلك، ولذلك قالت (وَلاَ يُولِجُ الْكَفَّ) أي لا يُدْخِلُ كفَّه داخلَ ثوبي (لِيَعْلَمَ الْبَثَّ) تعني لا يمدُّ يدَه ليعلم ما هي عليه من الحزن فيزيلُه، فمعنى البثِّ ما تُضْمِرُه من الحُزْنِ على عدمِ الحظوةِ منه، ويُطلق البَثُّ على شدَّة الحزن، ويُطلق أيضًا على الشَّكوى وعلى المرض، وعلى الأمر الذي لا يُصْبَرُ عليه، فأرادت أنَّه لا يَسْأل عن الأمر الذي يقعُ اهتمامها به فوصفته بقلَّة الشفقة، وأنَّه لو رآها عليه لم يُدْخِلْ يدَه في ثوبها
ج 22 ص 547
ليتفقَّد خبرها كعادة الأجانب فضلًا عن الأزواج، أو هو كناية عن ترك الملاعبة أو عن ترك الجماعِ، وقد اختلفوا في هذا؛ فقال أبو عبيد كان في جسدها عيبٌ، فكان لا يُدْخِلُ يَدَه في ثوبها ليلمس ذلك العيب فيشق عليها، فمدحته بذلك.
وقد تعقَّبه كل من جاء بعده [3] إلَّا النادر وقالوا إنَّها شَكَتْ منه وذمَّته واستقصرت حظَّها منه، ودلَّ على ذلك قولُها وإذا اضطجعَ التف، كأنَّها قالت إنَّه يتجنَّبها ولا يدنيها منه، ولا يُدْخِلُ يدَه في جيبها فيلمسها ولا يُباشرها، ولا يكون منه ما يكون من الرِّجال، فيُعْلَمَ بذلك محبتُها له وحزنُها لقلَّة حظِّها منه.
وقد جَمَعَتْ في وَصْفِها له بين اللُّؤم والبخل وسوء العشرة مع أهله، وقلَّة رغبته في النِّكاح مع كثرةِ شهوته في الطَّعام والشراب، وهذا غاية الذمِّ عند العرب، فإنَّها تَذُمُّ بكثرةِ الطَّعام والشَّراب وتَتَمدَّحُ بقلَّتهما وبكثرة الجماع لدَلالتهما على صحَّة الذُّكورية والفحوليَّة.
وانتصر ابنُ الأنباري لأبي عُبيد فقال ما المانعُ من أن تجمعَ المرأة بين مثالبِ زوجها ومناقبهِ؛ لأنهنَّ كنَّ تعاقدنَ أن لا يكتمنَ من صفاتهم شيئًا؛ فمنهنَّ من وَصَفَتْ زوجَها بالخيرِ في جَميعِ أُمورِه، ومنهنَّ من وَصَفَتْه بضدِّ ذلك، ومنهنَّ من جَمَعَتْ.
وارتضى القرطبي هذا الانتصار، واستدلَّ القاضي عياض للجمهور بما وقع في رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام أنَّ عروة ذكر هذه في الخمس اللَّائي يشكونَ أزواجهنَّ، فإنَّه ذكر في روايته الثَّلاث المذكورات هنا أولًا على الولاء، ثم السَّابعة المذكورة عقبَ هذا، ثم السَّادسة هذه فهي خامسة عنده، والسَّابعة رابعة. قال ويؤيِّد أيضًا قول الجمهور كثرة استعمالِ العرب لهذه الكناية عن تركِ الجماع والملاعبة.
وقد سبق في فضائل القرآن [خ¦5052] في قصَّة عَمرو بن العاص مع زوج ابنه عبد الله بن عَمرو حيث سألها عن حالها مع زوجها،
ج 22 ص 548
فقالت هو كخيرِ الرَّجلِ من رَجُلٍ لم يفتِّش لنا كَنَفًا.
وسبق أيضًا في حديث الإفك قول صفوان بن المعطِّل ما كشفتُ كنفَ أنثى قط، فعبَّر عن الاشتغال بالنِّساء بكشْفِ الكَنَفِ وهو الغطاء، ويحتمل أن يكون معنى قولها ولا يولج الكفَّ، كناية عن ترك تفقُّده أمورها وما يهتم به من مصالحها وهو كقولهم لم يُدْخِلْ يَدَه في الأمر؛ أي لم يشتغل به ولم يتفقده، وهذا الذي ذكره احتمالًا جزمَ بمعناه ابنُ أبي أويس، فإنه قال معناه لا ينظرُ في أمر أهلهِ ولا يبالي أن يجوعوا.
وقال أحمد بن عُبيد بن ناصح معناه لا يتفقَّد أموري ليعلم ما أكرهه، فيزيله، يقال ما أدخلَ يدَه في الأمر؛ أي لم يتفقده، هذا، وعند النَّسائي في رواية عمر بن عبد الله (( وإذا نام ) )بدل اضطجع، وزاد (( وإذا ذبح اغتث ) )أي تحرى الغث، وهو الهزيل. وفي رواية الطَّبراني (( ولا يُدْخِلُ ) )بدل يُولِجُ، (( وإذا رقد ) )بدل اضطجع. وفي رواية التِّرمذي (( فيعلم ) )بالفاء بدل اللام.
ثمَّ إنَّ في كلام هذه المرأة من البديع المناسبة والمقابلة في قولها إن أكل وإن شرب، والالتزام فإنَّها التزمت التاء قبل القافية، وقافية سجعها الفاء، وفيه التَّرصيع وهو حسن التَّقسيم والتَّتبع والإرداف، وهو من باب الكنايات والإشارات وهو التَّعبير بالشَّيء بأحد توابعهِ، وهو من الكنايات الحسنة؛ لأنَّها عبَّرت بقولِها التفَّ واكتفت به عن الإعراض عنها وقلَّةِ الأشغال بها.
(قَالَتِ السَّابِعَةُ) واسمها حبّى بنت علقمة، تذمُّ زوجها (زَوْجِي غَيَايَاءُ، أَوْ عَيَايَاءُ) كذا في «الصحيحين» بفتح المعجمة بعدها تحتانية خفيفة ثم أخرى بعد الألف الأولى ممدودة والتي بعدها بمهملة، وهو شكٌّ من الرَّاوي، وهو عيسى بن يونس. وقال الكِرماني هو تنويعٌ من الزَّوجة، كما صرَّح به أبو يعلى في روايته عن أحمد بن خبَّاب، عنه. وللنَّسائي في رواية عمر بن عبد الله غياياء بمعجمة بغير شكٍّ.
(طَبَاقَاءُ) بفتح الطاء المهملة والموحدة وبالقاف بعد الألف ممدودة، والغياياء، بالمعجمة الطَّبَاقاء الأحمقُ الذي ينطبقُ عليه أمره. وقال أبو عُبيد العياياء، بالمهملة الذي لا يَضْرِبُ ولا يُلَقِّح من الإبل، وبالمعجمة ليس بشيءٍ ولم يفسِّره بشيءٍ.
والطَّباقاء الأحمقُ الفَدْم.
ج 22 ص 549
وقال ابنُ فارس الطَّبَاقاء الذي لا يحسن الضِّراب، فعلى هذا يكون تأكيد الاختلاف اللَّفظ كقولهم بعدًا وسُحقًا. وقال الدَّاودي قوله غياياء، بالمعجمة مأخوذٌ من الغَيِّ، بفتح المعجمة وبالمهملة، مأخوذٌ من العِي، بكسر المهملة. وقال أبو عُبيدة العياياء، بالمهملة العِيُّ الذي تعيبه مباضعةُ النِّساء، وأراه مبالغة من العي في ذلك.
وقال ابن السِّكيت هو العيي الذي لا يَهتدي. وقال القاضي عياض الغياياء، بالمعجمة، يحتمل أن يكون مشتقًا من الغياية وهو كلُّ شيءٍ أظل الشَّخص فوق رأسه [4] ، فكأنَّه مغطَّى عليه من جهلهِ، وهذا الذي ذكره احتمالًا، جزم به الزَّمخشري في «الفائق» .
وقال النَّووي قال القاضي عياض وغيرُه غياياء، بالمعجمة، صحيحٌ وهو مأخوذٌ من الغياية، وهي الظِّلُّ وكلُّ ما أظلَّ الشَّخص، ومعناه لا يهتدي إلى مسلك، أو أنَّها وصفته بثقلِ الرُّوح وأنَّه كالظِّل المتكاثف الظُّلمة الذي لا إشراق فيه، أو أنَّها أرادتْ أنَّه غُطِّيت عليه أموره، أو هي من الغيِّ وهو الانهماكُ في الشرَّ، أو من الغيِّ الذي هو الخَيبة والخسران، كما قال تعالى {فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم 59] .
وأمَّا الطَّبَاقاء فقال ابن الأعرابي الطَّباقاء المطبق عليه حمقًا، وقال ابنُ دريد الذي تَنْطَبِقُ عليه أمورُه. وعن الجاحظ الثَّقيل الصَّدْرِ عند الجماع يُطبق صدره على صدر المرأة فيرتفعُ سفله عنها فلا تستمتع به، وقد ذمَّت امرأةٌ امْرأَ القَيس فقالت له
~ثَقِيْلُ الصَّدْرِ خَفِيْفُ العَجَزِ سَرِيْعُ الإِرَاقَةِ بَطِيءٌ الإِفَاقَةِ
وقال القاضي عياض ولا منافاةَ بين وصفها له بالعجز عن الجماع وبين وصفها بثقل الصَّدر فيه؛ لاحتمال تنزيله على حالتين كلٌّ منهما مذمومٌ، أو يكون إطباق صدره من جملة عيِّه وعجزه وتعاطيه ما لا قدرةَ له عليه، لكن كلُّ ذلك يَرُدُّ على من فسَّر عياياء بأنَّه العنين. وقيل هو الذي يعجزُ عن الكلام. وقال ابن حبَّان الطَّباقاء من الرجال الذي فيه رُعُونة وحُمق كالمطبق عليه في حُمْقه ورُعُونته، وهو قريبٌ ممَّا قاله
ج 22 ص 550
ابن دريد.
(كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ) أي كلُّ شيءٍ من أدواءِ الناس ومعائبهم موجودٌ فيه، وقال الزَّمخشري يحتمل أن يكون قولها له داءٌ خبرًا لكل؛ أي إنَّ كلَّ داءٍ تفرَّق في الناس فهو فيه ومِنْ أَدْوَائهِ فقد اجتمعت فيه المعائب، ويحتمل أن يكون له صفة لداء، وداء خبرًا لكل؛ أي كل ما فيه في غاية التَّناهي، كما يقال إنَّ زيدًا لزيد، وإنَّ هذا الفرسَ لَفَرَسٌ. قال القاضي عياض وفيه من لطيفِ الوحي والإشارة الغاية؛ لأنّه انطوى تحت هذه اللَّفظة كلامٌ كثير.
(شَجَّكِ) بشين معجمة وجيم مشددة؛ أي جَرَحَكِ في رأْسِكِ وجراحاتِ الرَّأس تسمَّى شجاجًا (أَوْ فَلَّكِ) بفاء ثمَّ لام مشدَّدة؛ أي جرحَ جسدك، ومنه قول الشاعر بهنَّ فلول؛ أي ثُلَم جمع ثُلْمَة. ويحتملُ أن يكون المرادُ نَزَعَ منكِ كلَّ ما عندك، أو كَسَرَكِ بسلاطةِ لسانهِ وشدَّة خصومتِهِ. قال ابنُ الأنباري فلَّكِ كسرك ويقال ذهبَ بمالك، ويقال كسرك بخصومتهِ. وقيل الغلُّ الطَّعن، وزاد ابن السِّكيت في روايته (( أو بَجَّك ) )بموحدة ثم جيم مشددة؛ أي طعنكِ في جراحتك، فشقَّها، والبَجُّ شق القرحة، وقيل هو الطَّعنة.
(أَوْ جَمَعَ كُلاًّ) من الشَّجِّ والفل (لَكِ) وهو يوضِّح أن (( أو ) )للتَّقسيم لا للتَّخيير، وقال الزَّمخشري يحتمل أن تكون أرادت أنَّه ضروب للنِّساء، فإذا ضربَ إمَّا إن يكسر عظمًا، أو يشج رأسًا، أو يجمعهما، قال ويحتمل أن تريدَ بالفلِّ الطَّرحَ والإبعاد، وبالشَّجِّ الكسرَ عند الضَّرب، وإن كان الشَّج إنَّما يستعملُ في جراحة الرأس.
قال القاضي عياض وَصَفَتْه بالحُمْقِ والتَّناهي في سوءِ العشرة، وجمع النَّقائص والعيوب بأن يعجزَ عن قضاءِ وطرها مع الأذى، فإذا حدَّثته سبها، وإذا مازحتْه شجَّها، وإذا أَغْضَبَتْهُ كَسَرَ عضوًا من أعضائها، أو شقَّ جلدها، أو أغارَ على مالها، أو جمع كلَّ ذلك من الضَّرب والجَرْح وكَسْرِ العضو ومُوْجِعٍ الكَلامِ وأَخْذِ المال.
وفي هذا القول من البديع
ج 22 ص 551
المطابقة والالتزام في قوله شَجَّكِ فَلَّكِ جمع كلاًّ لك، والتَّقسيم وبديع الوحي والإشارة بقوله كلُّ داء له دواء، وهو من لطيف الوحي والإشارة، وهي جملةُ إثباتٍ بوجازة ألفاظها، وأعربتْ بلطافة إشاراتها عن معان كثيرة.
(قَالَتِ الثَّامِنَةُ) واسمها ياسر بنت أوس بن عبد، تمدح زوجها (زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ) اللام في (( المس ) )، وكذا في (( الرِّيح ) )نائبة عن الضَّمير؛ أي مسُّه وريحُه، أو فيهما حذفٌ تقديره المس منه والريح منه، كقولهم السمن مَنَوَان بِدِرْهم، وَصَفْته بأنَّه ناعم الجسد كنعومةِ وَبَرِ الأرنب، ويحتمل أن يكون كنَّتْ بذلك عن لِينِ جَانِبهِ وحُسْنِ خُلُقه، وأثنتْ عليه بجميلِ معاشرته.
(وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ) الزرنب بوزن الأرنب نبت طيِّب الريح، وقيل هي شجرةٌ عظيمةٌ بالشَّام بجبل لبنان لا تثمرُ ولها ورقٌ بين الخضرة والصُّفرة، كذا ذكره القاضي عياض، واستنكرهُ ابن البيطار وغيره من أصحاب المفردات، وقيل هي خشبةٌ رقيقةٌ طيِّبة الرَّائحة، وليست ببلاد العرب وإن كانوا ذكروها، قال الشاعر
~وا بِأَبِي أَنْتِ وَفُوكِ الأَشْنَبُ كأنمَا ذُرَّ عَلَيْهِ الزَّرْنَبُ
وقيل هو الزَّعفران وليس بشيء، وقيل هو المسكُ، وَصَفَتْه بذلك لنظافتهِ واستعماله الطِّيب، ويحتمل أن تكون كَنَّتْ بذلك عن طِيْب حَديثهِ أو طِيب الثَّناء عليه لجميلِ مُعاشرته.
وقال القاضي عياض هذا من التَّشبيه بغير أداة، وفيه حُسن المناسبة والموازنة والتَّسجيع والالتزام في قولها أَرْنَب وزَرْنَب، فإنها التزمت الراء والنون. وزاد الزُّبير بن بكَّار في روايته (( وأنا أَغْلِبُه، والنَّاسَ يَغْلِبُ ) ). وكذا في رواية عقبة عند النَّسائي، وفي رواية عمر عنده. وكذا الطَّبراني لكن بلفظ (( ونغلبه ) )بنون الجمع، فوصفتْه مع جميل العشرةِ لها والصَّبر عليها بالشَّجاعة، وهذا كما حكاهُ صاحب «تحفة النفوس» أنَّ صعصعة بن صُوحان قال
ج 22 ص 552
يومًا لمعاوية كيف ننسبكُ إلى العقل وقد غلبكَ نصفُ إنسان؛ يريد امرأته فاخته بنت قرظة، فقال إنهنَّ يَغْلِبْنَ الكِرام، ويغْلِبُهنَّ اللِّئام.
وقال القاضي عياض وقولها والنَّاسَ يغلبُ، فيه نوعٌ من البديع يُسَمَّى التتميم؛ لأنَّها لو اقتصرت على قولها وأنا أغلبه، لظن أنَّه جبان ضعيفٌ، فلما قالت والنَّاس تغلبُ، دلَّ على أنَّ غلبها إيَّاه إنما هو من كرم سجاياه، فتممت بهذه الكلمة للمبالغة في حُسن أوصافه.
(قَالَتِ التَّاسِعَةُ) ولم يوقف على اسمها، تمدح زوجها (زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ) بكسر العين، وهو العودُ الذي يدعمُ البيت، وَصَفَتْه بِطُولِ البَيْت وعُلُوِّه تعني أنَّ البيت الذي يسكنُه رفيعُ العماد، فإنَّ بيوتَ الأشراف كذلك يُعَلُّونَها ويضربونهَا في المواضعِ المرتفعة ليراها الضِّيفانُ وأصحابُ الحوائجِ فيقصدها الطَّارقون والوافدون منهم، وهذه صفة بيوت الأجواد، ويحتمل أن يكون طول بيوتهم لزيادة شرفهم، أو لطول قاماتهم وبيوتُ غيرِهم قصار.
وقد لهجَ الشُّعراء بمدحِ الأوَّل وذمِّ الثاني، كقوله
~قِصَارُ البُيُوتِ لَا تَرَى صِهْوَاتِهَا.
وقال آخر
~إِذَا دَخَلُوا بُيُوْتَهُمْ أَكَبُّوا عَلَى الرُّكْبَاتِ مِنْ قِصَرِ العِمَادِ
ومن لازمِ طُوْلِ البيت أن يكون متَّسِعًا فيدلُّ على كثرة الحاشية والغاشية، فيدلُّ على حشمتهِ وسيادتهِ وقيل كَنَّتْ بذلك عن شَرَفِهِ ورِفْعَةِ قَدْره.
(طَوِيلُ النِّجَادِ) بكسر النون والجيم الخفيفة فألف ودال مهملة، حمائل السَّيف تريد أنَّه طويل القامة يحتاجُ إلى طولِ نجاده، وفي ضمن كلامها أنَّه صاحبُ سيف، فأشارت إلى شجاعتهِ، وكانت العربُ تتمدَّحُ بالطُّولِ وتذمُّ القِصر.
(عَظِيمُ الرَّمَادِ) كناية عن المضيافية؛ لأنَّ كثرة الرَّماد تستلزمُ كثرة النَّار، وكثرةُ النَّار تستلزم كثرةُ الطَّبخ، وكثرةُ الطَّبخ تستلزم كثرة الأضياف، وهذه الكناية عندهم من الكنايات البعيدة؛ لأنَّ الانتقال فيها
ج 22 ص 553
من الكناية إلى المطلوب بواسطة كما ترى، وقيل معناه أنَّ نارَ قِراه للأضياف لا تُطفأ ليهتدِي الضِّيفان إليها، فإنَّ الأجواد يعظِّمون النِّيران في ظلام اللَّيل ويوقدونها على التِّلال لاهتداء الضَّيف بها فيصيرُ رمادُ النَّار كثيرًا لذلك.
(قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنَ النَّادْ) وقفت عليها بالسكون لمؤاخاة السَّجع، والنَّادي والنَّدِّي مجلسُ القوم، وَصَفَتْه بالشَّرف في قومه، فهم إذا تفاوضوا واشْتَوَرُوا في أمر أتوا فجلسوا قريبًا من بيته، فاعتمدوا على رأيه وامتثلوا أمرَه، أو أنَّه وضع بيته في وسط النَّاس ليسهل لقاؤهُ ويكون أقرب إلى الواردين وطالبي القرى. قال زهير
~بَسَطَ البُيُوتَ لِكَي يَكُونُ مَظِنَّةً مِنْ حَيْثُ تُوضَعُ جَفْنَةُ المُسْتَرفِدِ.
يعني ينزل بين الناس ليعلموا مكانه وينزلوا عندَهُ، واللَّئام يتباعدون منه فرارًا من نزولِ الضَّيف، ويُحتمل أن يريدَ أهلَ النَّادي إذا أتوه لم يصعبْ عليهم لقاؤه؛ لكونه لا يحتجبُ عنهم ولا يتباعدُ منهم بل يقربُ ويتلقَّاهم ويبادر لإكرامهم، وضدُّه من يتوارى بأطراف الحُلَل وأغوار المنازل ويَبْعُدُ عن سَمْت الضَّيْفِ لئلا يهتدوا إلى مكانهِ، فإذا استبعدوا موضعَه صدُّوا عنه ومالوا إلى غيره.
ومحصَّل كلامها أنَّها وَصَفَتْه بالسِّيادة والكَرِمِ وحُسْنِ الخُلُقِ وطِيب المعاشرة، وفي قولها من البديعِ المناسبة والاستعارة والإِرداف والتَّتبع وحُسن السَّجع فناسبت ألفاظها وقابلت كلماتها بقولها رفيع العماد، طويل النَّجاد، فكلُّ لفظة على وزن صاحبتها، وفيه الإِرداف والتَّتبع في طول النَّجاد، فإن طول النَّجاد من توابع الطُّول ولوازمه، وعظيم الرَّماد من توابع الكرم وروادفهِ، وكذلك قريب البيت من النَّاد من التَّتبع البديع أيضًا؛ إذ العادة أنَّه لا ينزل قرب النَّادي إلَّا المنتصب للضِّيفان فكان رِدْفًا لكرمهِ وجوده، وقولها طويل النَّجاد أبلغ وأكمل من قولها طويل، فلمَّا عبرت عنه بما هو من توابعهِ بقولها طويل النَّجاد بالغتْ في طوله، وكأنَّها أظهرتْ طوله للسَّامع صورةً ليراها مع ما في هذه الصَّنعة من طلاوة اللَّفظ مع الإيجاز إذ لو أرادت تحقيق طُوله لطال كلامها.
وتحت هذه الألفاظ جمل كثيرة أعربتْ هذه الكناياتُ اللَّطيفة عنها وأين
ج 22 ص 554
هي في البلاغة من قولها لو قالت زوجِي كريمٌ كثير الضِّيفان، أو أكرم النَّاس فإنَّ واحدًا من هذه الألفاظ على كثرةِ ألفاظها ومبالغة أوصافها لا ينتهي منتهى واحدٍ من قولها عظيم الرَّماد.
وقال القاضي عياض إذا لمحتَ كلامَ هذه وتأمَّلْتَها ألفيتَها لأفانين البلاغةِ جامعةً، وبعلم البيان وبعض الإيجاز والقَصْدِ قارِعَه انتهى.
وزاد الزُّبير بن بكَّار في روايته بعد قوله قريب البيت من النَّاد (( لا يشبعُ ليلةَ يُضاف، ولا ينامُ ليلةَ يخافُ ) ).
(قَالَتِ الْعَاشِرَةُ) واسمها كبشة، كاسم الخامسة، بنت الأرقم، بالراء والقاف تمدحُ زوجها (زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ) استفهام للتَّعجب والتَّعظيم؛ أي أيُّ شيءٍ هو، ما أعظمه وأكرمه، كما في قوله تعالى {الْحَاقَّةُ*مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة 1 - 2] أي ما أعظم أمرها وأهوالها (مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ) زيادةٌ في الإعظام، وترفيعُ المكانة، وتفسيرٌ لبعض الإبهام وأنَّه خيرٌ ممَّا أشيرَ إليه من ثناءٍ وطيبِ ذكرٍ، ووفورِ ما اعتُقِدَ فيه من سُؤْدُدٍ وفَخْرٍ، وهو أجلُّ من أن أَصِفَه لشهرة فَضْلهِ، وهذا بناء على أنَّ الإشارة بقولها ذلك إلى ما تعتقدُه فيه من صفات المدحِ، ويحتمل أن يكون المراد مالكٌ خيرٌ من كلِّ مالك، والتَّعميم يستفادُ من المقام، كما قيل تمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ؛ أي كلُّ تمرة خير من كلِّ جرادةٍ، وهو إشارة إلى ما في ذهنِ المخاطب؛ أي مالكٌ خيرٌ ممَّا في ذهنك من