27 - (باب) قد سقط لفظ في رواية غير أبي ذرٍّ ( {يَسْتَفْتُونَكَ} ) أي يطلبون منك الفتوى في الكلالة، فحذف لفظ في الكلالة لدَلالة الثَّاني عليه ( {قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} ) أي في مواريث الكلالة ( {إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ} ) أي مات تقديره إن هلك امرؤ، فحذف هلك لدَلالة المذكور عليه ( {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ} ) أي من أبيه وأمِّه، أو من أبيه؛ لأنَّ ذكر أولاد الأمِّ قد سبقَ في أول السُّورة، وقد جعلت في آخر الآية عصبة، وأولاد الأمِّ لا تكون عصبة.
( {فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} ) هذا بيان فرضها عند الانفراد، ولو كان معها أبٌ لم ترث شيئًا؛ لأنَّه يحجبها بالإجماع فدلَّ على أنَّه مَن لا ولد له بنصِّ القرآن، ولا والد بالنَّصِّ عند التَّأمُّل أيضًا؛ لأنَّ الأخت لا يُفرض لها النِّصف أيضًا مع الوالد، بل ليس لها ميراث بالكلية، وهو قول أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أخرجه ابن أبي شيبة، وعليه الجمهور من الصَّحابة والتَّابعين، وقد استدلَّ بعضهم بقوله تعالى {لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ} على أنَّه ليس من شرط الكلالة انتفاء الوالد، بل يكفي انتفاء الولد، وهو روايةٌ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رواها ابن جرير عنه، فليتأمَّل.
( {وَهُوَ} ) أي المرء ( {يَرِثُهَا} ) أي جميع مال الأخت إن كان الأمر بالعكس ( {إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ} ) ذكرًا أو أنثى، فإن كان ذلك فلا يرثها أصلًا، وكذا إن كان لها ابنٌ فقط؛ لأنَّ الابن يُسقط الأخ، وكذا إن كان لها والدٌ؛ لأنَّه لو كان لها والدٌ لم يرث الأخ شيئًا بالاتِّفاق، وكذا إن كان لها جدٌّ عند أبي حنيفة رحمه الله، وأمَّا إذا كان لها بنتٌ فلا تحجبُه لكن لا يرث جميع مالها بل يأخذ ما بقي من فريضة البنت، وسبب نزول الآية ما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنَّه قال لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في طريق مكَّة عام حجِّة الوداع إنَّ لي أختًا، فكم آخذ من ميراثها؟
ج 19 ص 341
فنزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ} [النساء 176] الآية، قاله أبو عبد الله محمد بن عسكر المالقي.
(وَالْكَلالَةُ مَنْ لَمْ يَرِثْهُ أبٌ أوِ ابْنٌ) وعليه الجمهور كما مرَّ. وروى عبد الرَّزَّاق عن معمر عن أبي إسحاق عن عَمرو بن شرحبيل قال ما رأيتهم إلَّا تواطؤوا على ذلك. وهذا إسنادٌ صحيحٌ، وعمرو بن شرحبيل هو أبو ميسرة، وهو من كبار التَّابعين، واختُلف في مسمَّى الكلالة، فقيل إنَّه اسمٌ للورثة من غير الوالدين والمولودين، قاله غير واحدٍ، وقيل هم الأخوة، وقيل من الأم، وقيل هو اسمٌ للميِّت، قاله السُّدي.
وقال الأزهريُّ سُمّي الميت الَّذي لا ولد له ولا والد كلالة، ويُسمَّى وارثه كلالة. وقيل هو المال الموروث، قاله عطاء وغيره، وقيل الفريضةُ، وقيل المالُ والورثة. وقال ابنُ دريد بنو العمِّ ومن أشبههم. وقيل هم العصباتُ كلُّهم وإن بعدوا، ولكثرة الاختلاف فيها صحَّ عن عمر رضي الله عنه أنَّه قال لم أقلْ في الكلالة شيئًا، واختار البُخاري ما ذكره.
واختلف أيضًا في اشتقاقها فقال البُخاري
(وَهْوَ مَصْدَرٌ، مِنْ تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ) هو قولُ أبي عبيدة قال في قوله تعالى {وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً} [النساء 12] قال هو مصدرٌ من تكلَّله النَّسب؛ أي تعطَّف النسب عليه، وزاد غيره كأنَّه أخذ طرفيهِ من جهة الولد والوالد وليس له منهما أحدٌ، وهو قولُ البصريين، قالوا هو مأخوذٌ من الإكليل كأنَّ الورثة أحاطوا به، وليس له أبٌ ولا ابن كما أنَّ الإكليل محيطٌ بالرأس من جوانبه دون أعلاه وأسفله، والوالدان والمولودون محيطون به من أعلاه وأسفله.
وفي «الصحاح» هو مصدر من تكلَّله النسب؛ أي تطرَّفه، كأنَّه أخذَ طرفيه من جهة الولد والوالد، وليس له منهما أحدٌ، فسُمِّي بالمصدر، انتهى.
وقال غيره والكلالة في الأصل مصدر بمعنى الكلال، وهو ذهاب القوَّة من الإعياء، وقيل هو من كلَّ يكلُّ، يُقال كلَّت الرحم إذا تباعدتْ وطال انتسابها، ومنه كلَّ في مشيه إذا انقطع لبعد المسافة، وقول العيني متعقِّبًا على الحافظ العسقلاني في عزوه ما ذكره البُخاري من كونه مصدرًا لأبي عبيدة فيه نظرٌ لأنَّ تكلل على وزن تفعل، ومصدره تفعل، وهو ليس بمصدر بل هو اسمٌ منظورٌ فيه، فافهم.