40 - (بابُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) وفي نسخة ( {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ} ) أي أدَّيت صلاة الجمعة وفرغتم منها ( {فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ} ) للتَّكسب والتَّصرُّف في حوائجكم.
( {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ) أراد بذكر هذه الآية الكريمة هنا الإشارة إلى أنَّ الأمرين في قوله {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة 10] للإباحة لا للوجوب؛ لأنَّهم مُنِعوا عن الانتشار في الأرض للتكسُّب وقت النِّداء يوم الجمعة لأجل إقامة صلاة الجمعة، فلمَّا صلُّوا وفرغوا أُمِروا بالانتشار في الأرض، والابتغاء من فضل الله وهو رزقه.
وإنَّما قيل هذا الأمر للإباحة؛ لأنَّه لمنفعة لنا، فلو كان للوجوب لعاد علينا ذلك، كما في قوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة 2] فإنَّه حرَّمَ عليهم الصَّيدَ وهم محرمون، فلمَّا خرجوا عن الإحرام أَحلَّ لهم الصيد كما كان أولًا.
وقال ابن التِّين جماعة أهل العلم على أنَّ هذا إباحة بعد الحظر، وقال الكرمانيُّ لا شكَّ أنَّه للإباحة، لكن لا لوروده بعد المنع بل للإجماع، وإلَّا فهو معارَضٌ بقوله تعالى {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة 5] انتهى فليتأمَّل.
وقيل هو أمرٌ على بابه، وقال الداودي هو إباحة لمن كان له كفاف أو لا يطيق الكسب، وفرض على من لا شيء له ذلك اليوم وهو يطيقُ الكسب، فأمره بالطلب بأيِّ صورةٍ اتَّفقت؛ ليفرح عياله ذلك اليوم؛ لأنَّه يوم عيد، وقال غيره من يُعطَف أو يُتصدَّقُ عليه بسؤال أو غيره ليس طلب الكسب عليه بفريضة.
وفي «تفسير النسفي» {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ} فُرِغ منها {فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ} للتِّجارة والتصرُّف في حوائجكم {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} أي الرِّزق، ثمَّ أطلق لهم ما حُظِر عليهم بعد قضاء الصَّلاة من الانتشار وابتغاء الرِّبح مع التَّوصية بإكثار الذكر، وأن لا يلهيهم عنه شيءٌ من التِّجارة ولا غيرها، وهما أمر إباحة وتخيير، كما في قوله تعالى {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة 2] .
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 5 ص 131
(( في قول الله عزَّ وجلَّ {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} ليس لطلب دنياكم، ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخٍ في الله تعالى ) )، وقيل صلاة تطوُّع.
وقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} هو طلب العلم، وقال جعفر الصادق رحمه الله {وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ} يوم السبت.
وعن بعض السَّلف من باع أو اشترى بعد الجمعة بارك الله له سبعين مرة.