ج 27 ص 598
{وما كنَّا لنهتديْ} تقديره لولا هداية الله لنا موجودةٌ لشقينا، أو ما كنَّا مهتدين، وقد دلَّت على أنَّ المهتدي من هداه الله وأنَّ من لم يهدِهِ الله لم يهتد. ومذهب المعتزلة أنَّ كلَّ ما فعلَه الله في حقِّ الأنبياء والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد، فعند فعله في حقِّ جميع الكفَّار والفسَّاق، وإنَّما حصلَ الامتياز بين المؤمن والكافر والمحقِّ والمبطل بسعي نفسهِ واختيار نفسه، فكان يجب عليه أن يحمدَ نفسه؛ لأنَّه هو الَّذي حصَّل لنفسه الإيمان، وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنَّة وخلَّصها من دركات النِّيران، فلمَّا لم يحمد نفسه البتة إنَّما حمدَ الله تعالى فقط علمنا أنَّ الهادي ليس إلَّا الله تعالى، وقوله تعالى ( {لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي} ) أي أعطاني الهداية ( {لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} ) أي من الَّذين يتَّقون الشِّرك وهاتان الآيتان، وكذا حديث الباب نصٌّ على أنَّ الله تعالى انفردَ بخلق الهدى والضَّلال، وأنَّه أقدر العباد على اكتساب ما أراد منهم من إيمانٍ وكفرٍ، وأنَّ ذلك ليس بخلقٍ للعباد، كما زعمت القدرية.
قال الشَّيخ أبو منصور في تفسير الآية الثَّانية وهذا الكافرُ أعرفُ بالهداية من المعتزلة، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم، {قالوا لو هدانا الله لهديناكم} ، يقولون لو وفَّقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكُم إليه، ولكن علم منا اختيار الضَّلالة والغواية فخذلنا ولم يوفِّقنا، والمعتزلة يقولون بل هداهم وأعطاهم التَّوفيق، لكنَّهم لم يهتدوا.
والحاصل أنَّ عند الله لطفًا مَن أُعطيَ ذلك اهتدى، وهو التَّوفيق والعصمة ومن لم يُعطه ضلَّ وغوى، وكان استيجابَه [العذاب] وتضييعُه الحقَّ بعد ما مكّن من تحصيلهِ لذلك، والحاصل من مذهب أهل السُّنَّة أنَّه تعالى أقدرَ العباد على اكتساب ما أراد منهم كما تقدَّم.