فهرس الكتاب

الصفحة 3575 من 11127

2 -(بابُ)معنى (قَوْلِ اللَّهِ تعالى(( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ))[النساء 33]) وكأنَّه أشار بهذه الترجمة إلى أنَّ الكفالة التزام مالٍ بغير عوض تبرُّعًا فليزم كما لزم استحقاقُ الميراث بالحلف الذي عقد على وجه التبرُّع.

وقيل وجه تعلُّق هذا الباب بكتاب الحوالة أنَّ فيه تحوُّل استحقاق الوراثة من المُعَاقِد إلى القريب، وقيل إنَّه باعتبار أنَّ أحد المتعاقدين كفيلٌ عن الآخر؛ لأنَّهم كانوا يذكرون فيها تطلب بي وأطلب بك، وتعقل عنِّي وأعقلُ عنك. وأوَّل الآية {وَلِكُلٍّ} أي ولكلِّ تركة {جَعَلْنَا مَوَالِيَ} ورَّاثًا يلونها ويجوزونها، قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جُبَير وأبو صالح وقَتادة وزيد بن أَسْلَمَ والسُّدِّيُّ والضَّحَّاك ومُقاتل بن حيان، وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أي عصبة، وقال ابن جرير العرب تسمِّي ابن العم مولًى. وقال الزَّجاج المولى كلُّ مَنْ يليك وكلُّ مَنْ والاك في محبَّةٍ فهو مولًى لك، وله معان أُخَرُ كالمنعم، والمعتِق، والمعتَق، والجار، والناصر، والصِّهر، والربِّ، والتابع، والمكان، والقرار، زادهما ابن البَاقِلَّانيِّ، وأكثر استعماله

ج 10 ص 569

في الوليِّ.

{مِمَّا تَرَك} بيانٌ {لِكُلٍّ} مع الفصل بالعامل؛ أي ولكلِّ شيءٍ ممَّا ترك الوالدان والأقربون من المال جعلنا موالي، أو المعنى ولكلِّ ميِّتٍ جعلنا وُرَّاثًا مما ترك على أنَّ مَنْ صلة موالي؛ لأنَّه في معنى الورَّاث وفي ترك ضمير كلٍّ.

وقوله {الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ} استئنافٌ مفسَّر للموالي، وفيه خروج الأولاد فإنَّ الأقربون لا يتناولهم كما لا يتناولُ الوالدين، أو المعنى ولكلِّ قومٍ جعلناهم موالي حظ ممَّا ترك الوالدان والأقربون على أن {جَعَلْنَا مَوَالِيَ} صفة كل، والراجع إليه محذوفٌ، وعلى هذا فالجملة من مبتدأ وخبر كما تقول لكلِّ مَنْ خلقه الله إنسانًا من رزقِ الله؛ أي حظٌّ من رزقِ الله.

(( وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ ) )أي عاقدتهم {أَيْمَانُكُمْ} من المعاقدة، مفاعلة من عقد الحلف، ومعنى (( عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ) )عاهدَتْهُم أيديكم وماسحتموهم، وقُرِئَ {عقدت} بمعنى عقدت عهودهم أيمانكم فحذف العهود وأقيم الضمير المضاف إليه مُقامه، ثمَّ حُذِفَ كما حذف في القراءة الأخرى، والمراد موالي الموالات كأنَّ الحليف يرث السُّدس من مال حليفهِ، فنسخ بقوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ} [الأنفال 75] ، قال البخاريُّ في التفسير (( عاقدت ) )هو مولى اليمين وهو الحليف.

وفي «الكشاف» كان الرَّجل يعاقد الرجل فيقول دَمِي دَمُك، وهَدْمي هَدْمك، وثَأْري ثَأْرك، وحَربي حرْبك، وسِلْمي سِلْمك، وترثني وأرثك، وتُطْلَب بي وأُطْلَبُ بك، وتعقِل عنِّي وأعقلُ عنك. فيكون للحليف السُّدس من ميراث الحليف فنُسِخَ.

وذكر ابنُ أبي حاتم عن سعيد بن المُسيَّب والحسن البصريِّ وجماعة آخرين أنَّهم الحلفاء. وقال عبدُ الرَّزَّاق أنبا الثوريُّ عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء 33] قال كان هذا حِلْفًا في الجاهليَّة كانوا يتوارثون به، ونُسِخَ بآية المواريث.

وفي «تفسير» عَبْدُ بنُ حُمَيد من حديث موسى بن عُبَيدة، عن عبد الله بن عُبَيدة العقد خمسة عقدة النِّكاح، وعقدة الشَّريك لا يخونه ولا يظلمُه، وعقدة البيع، وعقدة العهد، قال الله عزَّ وجلَّ {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة 1] وعقدة الحِلْف، قال الله تعالى {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء 33] .

وفي «تفسير مقاتل» كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه، وله من ميراثه كبعض ولده، فلمَّا نزلت آية المواريث جاء رجلٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فنزلت {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ} أو المراد من الذين عاقدت أيمانكم هم الأزواج على أنَّ العقد عقد النِّكاح، فافهم.

{فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء 33] أي أعطوهم الَّذي سمَّيتم له من الميراث، والموصول مبتدأ ضُمِّن معنى الشَّرط وخبره قوله {فَآتُوهُمْ} أو منصوب بمضمرٍ يفسِّره ما بعده، نحو زيدًا فاضربه، أو معطوف على الوالدان، وقوله تعالى {فَآتُوهُمْ} جملة مسبَّبة عن الجملة المتقدِّمة مؤكِّدة لها، والضَّمير للموالي.

وفي رواية أحمد أنَّها نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرَّحمن رضي الله عنهما

ج 10 ص 570

حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكرٍ رضي الله عنه لا يُوَرِّثُهُ، فلمَّا أسلمَ أمره الله عزَّ وجلَّ أن يُورِّثه نصيبه.

وقال أبو جعفر النحَّاس الذي يجب أن يُحْمَلَ عليه حديثُ ابن عبَّاس المذكور في الباب أن يكون قوله تعالى {وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِي} ناسخًا لِمَا كانوا يفعلونه، وأن يكون قوله تعالى {وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ} [النساء 33] غير ناسخٍ ولا منسوخ.

وقال الحسن وقَتادة أنَّها منسوخة، وروى أبو داود في «الناسخ» من طريق يَزِيْدَ النَّحْوِيِّ، عن عِكرمةَ في هذه الآية كان الرجلُ يحالف الرجلَ ليس بينهما نسبٌ فيرث أحدُهما الآخر فنسخ ذلك قوله تعالى {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأنفال 75] .

ومثله يُرْوَى عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما وممَّنْ قال أنَّها محكمة مجاهد وسعيد بن جُبَير، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال هذا الحكم باقٍ فقال لو أسلم رجلٌ على يد رجلٍ وتعاقدا على أن يتعاقلا ويتوارثا صحَّ وورث، وجمع بين الآيتين بأن جعل أولي الأرحام أولى من أولياء المعاقدة، فإذا فُقِدَ ذووا الأرحام ووَرِثَ المعاقدون وكانوا أحقَّ به من بيت المال.

{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا} [الأحزاب 55] تهديدٌ على منع نصيبهم، وقال العَيْنِيُّ يعني أنَّ الله شاهدٌ بينكم في تلك العهود والمعاقدات، ولا تنشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت