فهرس الكتاب

الصفحة 3574 من 11127

2291 - (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه (وَقَالَ اللَّيْثُ) هو ابنُ سعدٍ إمام مصر (حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ) بن شُرَحْبِيل بن حَسَنة القرشيُّ المصري (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ) الأعرجُ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ) أي يقرضه (أَلْفَ دِينَارٍ) وفي رواية أبي سَلَمَةَ (( أنَّ رجلًا من بني إسرائيل كان يسلف الناس ) ). قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ ولم أقف على اسم هذا الرجل لكن رأيت في «مسند الصحابة» الذين نزلوا مصر لمحمَّد بن الربيع الحربي بإسنادٍ له فيه مجهولٌ عن عبد الله بن عمرو بن العاص يرفعه أنَّ رجلًا جاء إلى النَّجَاشِيِّ فقال له أسلفني ألف دينار إلى أجل فقال من الحميل بك؟ قال الله، فأعطاه الألف فضرب بها الرجل؛ أي سافر بها في تجارةٍ، فلمَّا بلغ الأجلَ أراد الخروج إليه فحبسه الرِّيح فعملَ تابوتًا. فذكر الحديث نحو حديث أبي هريرة رضي الله عنه واستفدنا منه أنَّ الذي أقرض هو النَّجَاشِيُّ، فيجوز أن يكون نسبته إلى بني إسرائيل بطريق الاتباع لهم لا أنَّه من نسلهم انتهى. وفيه بُعْدٌ لا يخفى.

(فَقَالَ ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ فَأْتِنِي بِالْكَفِيلِ، قَالَ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ صَدَقْتَ) وفي رواية أبي سَلَمَةَ (( فقال سبحان الله نعم ) ) (فَدَفَعَهَا) أي الألف دينار (إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) وفي رواية أبي سَلَمَةَ (( فعدلها ستمائة دينار ) )والأوَّل أرجح لموافقته

ج 10 ص 566

حديث عبد الله بن عمرو ويمكن الجمع بينهما باختلاف العدد والوزن، فيكون الوزن مثلًا ألفًا والعدد ستمائة وبالعكس.

(فَخَرَجَ فِي الْبَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ) وفي رواية أبي سَلَمَةَ (( فركب الرجل البحر بالمال يتَّجر فيه فقدر الله إن حلَّ الأجل وارتج البحر بينهما ) ) (ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا) أي سفينة (يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ) بفتح الدال، وهو جملة حالية (لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا) وزاد في رواية أبي سَلَمَةَ (( وغدا رب المال إلى السَّاحل يسأل عنه ويقول اللَّهمَّ أخلفني، وإنما أعطيتُ لك ) ).

(فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا) أي حفرها، وفي رواية أبي سَلمة (( فنجر خشبة ) )، وفي حديث عبد الله بن عمرو فعمل تابوتًا وجعل فيه الألف (فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً) أي مكتوبًا (مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ) وفي رواية أبي سَلمة (( وكتب إليه صحيفةً من فلان إلى فلان أنِّي دفعت مالك إلى وكيلي الذي توكَّل بي ) ).

(ثُمَّ زَجَّجَ) بالزاي والجيمين (مَوْضِعَهَا) قال الخَطَّابِيُّ أي سوَّى موضع النقرة وأصلحه، وهو من تزجيج الحواجب وهو حذف زوائد الشعر، ويحتمل أن يكون من الزجِّ وهو النصل؛ أي سنان الرمح كأن يكون النقرة في طرف الخشبة فشد عليه زجًّا يمسكه ويحفظ ما فيه، وقال القاضي عِياضٌ معناه سمَّرها بمسامير كالزجِّ، أو حشى شقوق لصاقها بشيءٍ ورقعه بالزجِّ، وقال ابن التِّين معناه أصلح موضع النقرة.

(ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى الْبَحْرِ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ) قال الحافظُ العَسْقَلانيُّ كذا وقع هنا والمعروف تعديته بحرف الجر كما وقع في رواية الإسماعيليِّ (( استسلفت من فلان ) )، وتعقَّبه العَيْنِيُّ بأنَّ تنظيره باستسلفت غير موجَّهٍ؛ لأن تسلَّفت من باب التفعل، واستسلفت من باب الاستفعال، وتفعَّل يتعدَّى بغير حرف الجرِّ كتوسَّد التراب، واستسلفتُ معناه طلبتُ منه السلف، ولا بدَّ فيه من حرف الجرِّ انتهى. وفيه تأمُّلٌ لا يخفى.

(فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ) وفي رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ ،

ج 10 ص 567

ويُرْوَى (وَسَأَلَنِي شَهِيدًا فَقُلْتُ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ) بفتح الجيم والهاء، وزاد في حديث عبد الله بن عمرو (أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَودِعُكَهَا) وزاد في حديث عبد الله بن عمرو فقال اللهم أدِّ حمالتك (فَرَمَى بِهَا فِي الْبَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ) بتخفيف اللام؛ أي دخلت في البحر (ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهْوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالْخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا الْمَالُ) كلمة إذا للمفاجأة (فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا) أي يجعلها حطبًا للإيقاد (فَلَمَّا نَشَرَهَا) أي قطعها بالمنشار، وفي رواية النَّسائيِّ (( فلمَّا كسرها ) )، وفي رواية أبي سَلمة (( وغدا ربُّ المال يسأل عن صاحبه كما كان يسأل فيجد الخشبة، فحملها إلى أهله فقال أوقدوا هذه فكسروها فانتثرت الدَّنانير منها والصَّحيفة فقرأها وعرف ) ).

(وَجَدَ الْمَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الْخَشَبَةِ، فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ) هذا على مذهب الكوفيِّين (رَاشِدًا) حال من فاعل انصرف. وفي رواية أبي سَلمة (( ثمَّ قدم بعد ذلك فأتاه ربُّ المال فقال يا فلان! مالي قد طالت النَّظرة؟ فقال أمَّا مالك فقد دفعته إلى وكيلي، وأمَّا أنت فهذا مالك ) ). وفي حديث عبد الله بن عمرو أنَّه قال له (( هذه ألفك؟ فقال النَّجَاشِيُّ لا أقبلها منك حتَّى تخبرني ما صنعت فأخبره، فقال قد أدى الله عنك وقد بلغنا الألف

ج 10 ص 568

في التابوت )) . وزاد أبو سلمة في آخره (( فأمسك عليك ألفًا ) )، قال أبو هريرة رضي الله عنه لقد رأيتنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر مراؤنا ولغطنا أيُّهم آمن.

وفي الحديث جواز التحدُّث عمَّا كان في زمن بني إسرائيل وغيرهم من العجائب للاتِّعاظ والائتساء، وقد جاء (( تحدَّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج عليكم ) )، وفيه جواز الأجل في القرض ووجوب الوفاء به، وقيل لا يجب بل هو من باب المعروف، وقد احتجَّ به مَنْ يرى ذلك ومَنْ منعه يقول القرض إعارة والتَّأجيل فيها غير لازمٍ؛ لأنَّها تبرع.

وأمَّا الذي في الحديث فكان على سبيل المسامحة لا على طريق الإلزام، وفيه جواز التِّجارة في البحر وجواز ركوبه. وفيه بدء الكاتب بنفسه. وفيه طلب الشُّهود في الدَّين وطلب الكفيل به. وفيه فضل التوكل على الله وأنَّ من صحَّ توكُّله تكفَّل الله بنصره وعونه، والذي أسلف وقنع بالله كفيلًا أوصل الله إليه ماله، قال عزَّ وجلَّ {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق 3] .

ووجه الدَّلالة منه على الكفالة تحديث النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك وتقريره له من غير نكير، وإنَّما ذكر ذلك ليُتَأَسَّى به فيه، وإلَّا لم يكن لذكره فائدة، وفيه أيضًا أنَّ جميع ما يوجد في البحر فهو لواجده ما لم يعلمه مِلكًا لأحد.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من قوله فسألني كفيلًا، والحديثُ قد مضى في كتاب (( البيوع ) )، في باب (( التجارة في البحر ) )أيضًا [خ¦2063] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت