5531 - (حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ) مصغَّر زهر بالزاي، أبو خيثمة النَّسائي، والد أبي بكر بن أبي خيثمة، قال (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) إبراهيمُ بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (عَنْ صَالِحٍ) هو ابنُ كيسان، أنَّه (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بتصغير الابن وتكبير الأب؛ أي ابن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السَّبعة (أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) وسقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ (أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ) بالتَّخفيف والتَّثقيل سواء على قول أكثر أهل اللُّغة، وقيل بالتَّخفيف لِمَا مات، وبالتَّشديد لِمَا لم يمتْ بعدُ، وعند حذَّاق أهل البصرة والكوفيِّين هما واحد.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، لمن كانت لهم (هَلاَّ اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا) بكسر الهمزة وتخفيف الهاء، اسم لجلدٍ لم يُدْبغ، وفي «القاموس» كَكِتَاب الجلد دُبِغَ أو لم يُدبغ، ويجمعُ على أَهَب بفتحتين، ويجوز بضمتين أيضًا على الأصل، والأوَّل على غيرِ القياس، وفي رواية
ج 23 ص 662
مسلم (( هلا أخذتُم إهابها فدبغتمُوه فانتفعتُم به ) ).
(قَالُوا) يا رسول الله (إِنَّهَا مَيِّتَةٌ، قَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنَّمَا حَرُمَ) بفتح الحاء المهملة وضم الراء، وفي رواية أبي ذرٍّ بضم ثم كسر مشددًا (أَكْلُهَا) بفتح الهمزة، وبهذا الحديث احتجَّ جمهور الفقهاء وأئمَّة الفتوى على جوازِ الانتفاع بجلد الميتة بعد الدِّباغ، وذكر ابن القصَّار أنَّه آخر قول مالك، وهو قولُ أبي حنيفة والشَّافعي، ورُوي عن ابنِ شهاب أنَّه أباحَ الانتفاعَ بها قبل الدِّباغ مع كونها نجسةً. وأمَّا أحمد فذهبَ إلى تحريم الجلد، وتحريم الانتفاعِ بها قبل الدِّباغ وبعده.
واحتجَّ بحديث عبد الله بن عُلَيمٍ قال أتانا كتابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته (( أن لا تنتفعوا من الميتة بإهابٍ ولا عصبٍ ) )، أخرجه الشَّافعي وأحمد والأربعة وصحَّحه ابن حبَّان، وحسَّنَه التِّرمذيُّ، وفي رواية للشَّافعي وأحمد وأبي داود قبل موته بشهر. وقال التِّرمذي كان أحمدُ يذهب إليه ويقول هو آخر الأمر، ثمَّ تركه لمَّا اضطربوا في إسناده، وكذا قال الخلال، ورد ابن حبَّان على من ادَّعى فيه الاضطراب، وقال ابن عليم سَمِعَ الكتابَ يُقرأ، وسمعه من مشايخ من جهينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا اضطراب. وأعلَّه بعضهم بالانقطاع وهو مردودٌ، وبعضُهم بكونه كتابًا، وليس بعلَّة قادحة. وبعضُهم بأنَّ ابنَ أبي ليلى راويه عن ابن عُلَيم لم يسمعه منه؛ لما وقع عند أبي داود عنه «أنَّه انطلقَ وناس معه إلى عبد الله بن عُلَيم قال فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إلي فأخبروني» ، فهذا يقتضي أنَّ في السَّند من لم يُسَمَّ، ولكن صحَّ تصريحُ عبد الرَّحمن بن أبي ليلى بسماعه من ابنِ عُلَيم، فلا أثر لهذه العلَّة أيضًا.
والجواب الصَّحيح عنه أنَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما المذكور من الصِّحاح، وأنَّه بسماع، وحديث ابن عُلَيم بكتابة، فلا يقاوم ذلك؛ لما في الكتاب شُبهة الانقطاع، قال العينيُّ وذكر فيه من العلل ومن جملتها الاختلاف في صُحبة ابن عُلَيم، فقال البيهقي
ج 23 ص 663
وغيره لا صحبة له؛ فهو مرسل. فإن قيل روى الطَّبري في «تهذيب الآثار» من حديث جابر رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا تنتفعوا من الميتةِ بشيءٍ ) ).
ورُوِيَ أيضًا من حديث ابن عُمر رضي الله عنهما قال «نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن ينتفعَ من الميتة بإهابٍ» ، ورَوى أبو داود والتِّرمذي وصحَّحه «أنَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن جلودِ السِّباع أن تفترشَ» ، فالجواب أنَّ في رواة جابر زمعة، وهو ممَّن لا يعتمدُ عليه، وفي عامَّة إسناد حديث ابن عُمر رضي الله عنهما مجاهيل لا يعرفون، وأمَّا النَّهي عن جلود السِّباع فقد قيل إنَّها كانت تستعملُ قبل الدِّباغ.
ثمَّ إنَّ في الحديث تخصيصَ الكتاب بالسُّنَّة؛ لأنَّ لفظَ القرآن {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة 3] ، وهو شاملٌ لجميع أجزائها في كلِّ حالٍ، فخَصَّتِ بالسُّنَّةُ ذلك بالأكل، واستُثْنِيَ منها جلدُ الكلب والخنزير، وما تولَّد منهما؛ لنجاسةِ عينهما، كذا قيل، فليُتَأمَّل، وقد مضى الحديث في الزَّكاة، في باب الصَّدقة على موالي أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦1492] ، ومطابقتُه للتَّرجمة تُؤخذ من معناه، وهو أيضًا يبين حكم التَّرجمة.